الدرس في آداب الطعام والشراب 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول آداب السقاية وترتيب تقديم الشراب في المجلس، حيث يبدأ بالطالب للشراب ثم بالكبير في السن أو الرتبة. يشرح كيفية تقديم الشراب للأشخاص الجالسين وفق السنة النبوية.
يشرح آداب الشرب في الإسلام، ويبين أن السنة النبوية تشير إلى البدء بالشخص عن اليمين، مع اختلاف آراء العلماء في حالة وجود ساقي. كما يحذر من الإسراف في الشرب مستندًا إلى القرآن الكريم.
الإسراف في الشراب يكون بثلاثة أمور: الزيادة عن القدر الكافي، الترف في الشراب، والتجاوز من الحلال إلى الحرام. يجب على المسلم أن يتعلم ما أحل الله وما حرم في مجال الشراب.
تم الانتهاء من درس آداب الشرب بعد الانتهاء من آداب الطعام، وسيتم الانتقال إلى باب آخر من الآداب الإسلامية في دروس قادمة. يُطلب من الله أن ينفع بما قيل ويُصلى على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المباحث التي تطرقنا إليها، وهي من المباحث المتعلقة بآداب الشراب، ما يتعلق بآداب السقية والسقاية للغير. فذكرنا من ذلك ما يتعلق بفضيلته، سواء كانت السقية للآدمي، وكذلك للحيوان، فإن الله سبحانه وتعالى جعل فيه أجرًا. وكذلك كان الحديث عن مسألة ساقي القوم يكون من آخرهم شربًا، كما صح عن ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وتتم لهذه المسألة، وهي إذا كان ساقي القوم يكون من آخر الناس شربًا، لكن يبقى السؤال: يبدأ بمن إذا كان هناك مجلس جمع من الرجال، فأراد الساقي أن يسقي من ويبدأ بمن؟ هنا في مسألة يرتبها العلماء على ما جاءت به السنة. أول من تبدأ به يا عبد الله بالسقية، تبدأ بالطالب، أي من طلب، ومن نادى بالشراب واستسقى، فإنك تبدأ به. ودليله ما رواه الطبراني في معجمه من أن الحسن رضي الله تعالى عنه استسقى ماءً، أي طلب ماءً، فقام نبينا صلى الله عليه وسلم بإحضار الماء إليه، فإذ بالحسين مد يده لكي يتناول الماء لنفسه، فإذ بنبينا صلى الله عليه وسلم منعه من ذلك، ثم أعطى هذا الكأس شراب الماء أعطاه للحسن رضي الله تعالى عنهم جميعًا. فقالت فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهي كأنها تريد أن تعلل هذا الأمر، فقالت: يا رسول الله، كأنه أحب إليك، أي أنت فعلت هذا مع الحسن أنك أعطيته الماء دون الحسين للمحبة التي تكونها له، كأنه أحب إليك. فقال عليه الصلاة والسلام: لا، ولكنه استسقى أول مرة، هذه العلة. فدل بهذا الحديث على من ذهب إلى تصحيحه وتحسينه أن من طلب الشراب والماء في المجلس فهو أحق أن يبدأ به، ولا تبدأ بغيره. كأنه يقول لك رجل: لا سمحت أخي، أريد ماءً، فتأتي بالماء فتبدأ باليمين أو بغير اليمين، لا تبدأ بأحد إلا هو. لما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه استسقى أول مرة. وهناك حديث أو ما أقول حديث يداوله الناس العوام في لغتهم الدارجة بأن الله لعن الشارب قبل الطالب، كالحكم. نعم، الطالب يكون قبل الشارب، أما إن تصل لأحد اللعن، هذا ما ثبت، هذا الأثر المنقول ليس بحديث صحيح. فلم يصح عن رسول الله أنه قال: إن الطالب قبل الشارب أو أن الله لعن الشارب قبل الطالب. ما عندي هذا، لكن فحوى الخطاب صحيح، فإن من بدأ بالطلب فهو أحق بالشرب. المسألة الثانية وهي قال علماء: إنك إذا حضرت مجلسًا ما فوجدت أحدًا من الكبراء، والكبراء يكونوا على أحد الجهتين، إما كبير في النسب أو كبير في الرتبة. كبير في الرتبة، كبير في النسب، تجد مثل مجلس ضم شبابًا وفيه شيخ رجل كبير في السن، فابدأ به في أي جهة كانت تبدأ به. أو يكون كبير في ماذا في المقدار والرتبة، كأن يكون رجل مسؤول صاحب منصب أو كبير في العلم، صاحب علم وله وجاهة، هذا كبير القوم، فإنك تبدأ به، ثم بعد هذا بعد من يشرب الكبير يعطيه عن من في يمينه. ومن قال بهذا القول استدل بهذه الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. من ذلكم ما جاء من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ما جاء في الصحيح أن نبينا صلى الله عليه وسلم جلس في مجلس، وكان أبو بكر عن يساره وأعرابي عن يمينه، فأتي بالشراب لرسول الله، فبدأ برسول الله لأنه الأكبر أكبر القوم صلوات ربي وسلامه عليه. فلما انتهى نبينا من شربه والكأس في يده وأراد أن يناوله، قال عمر رضي الله تعالى عنه وقت حضر المجلس، قال: فخفت أن النبي يعطي الكأس إلى الأعرابي، فقلت: يا رسول الله، أعط أبا بكر، أعط أبا بكر. فقام عليه الصلاة والسلام وأعطاه الأعرابي الذي عن يمينه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: الأيمن فالأيمن، الأيمن فالأيمن. وقال فقال أنس معلقًا: قال هذه السنة. وجاء في رواية في مسلم قال عليه الصلاة والسلام: الأيمنون الأيمنون، أي انتهى نبيه من شربه فأعطى للذي عن يمينه صلوات ربي وسلامه عليه. وكذلك جاء مثل هذا الحديث عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي له بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ كبار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام الذي عن يمينه: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ أي أنك تسقط حقه. فدل على أن الذي في اليمين هو أحق بالشرب بعد صاحبه، بعد الذي يشرب. فأراد نبينا أن هذا صاحب الحق أن يسقط حقه بإذنه باختياره، قال: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا، فتله في يده، فتله أي أعطى الكأس في يده. طبعًا هذه مسألة إخواني في الله صورتها إذا كان هذا القدح أو الإناء يتناول فيؤتى بالكبير ثم يعطيه عن أيمنه هذا واضح. لكن الإشكال في مسألة ما لو أن الهيئة في الشرب والسقاية ليست كهذه الهيئة، وإنما هناك رجل قائم هو الذي يسقي القوم، ليس أن القدح يمشي لوحده بين الناس. قلنا إذا كان يمشي بين الناس فيؤتى عند الكبير وبعد الكبير يبدأ بالأيمن فالأيمن ثم يدور. لكن تختلف المسألة إذا كان هناك ساقي هو الذي يعطي ويأخذ، يعطي للآخر ويأخذ منه، مثل الآن الذي معمول به عندنا في البيوت وفي الديوانيات والغرف في الاستقبال على هذا الحال، لأن هناك رجل ساقي إما من صاحب البيت أو الخادم أو العامل، فكيف يكون العامل؟ هنا اختلف وجهة علماء الشرع في هذا الباب. فمن أهل العلم من يقول إن الكبير إذا شرب ودفع الإناء للقائم للساقي، فإن الساقي منه من قال يبدأ باليمين، يرجع إلى اليمين إلى يمين هو يبدأ من أول الصف من يمين. ومنه من قال: لا، بل يبدأ من يمين الشارب، أي من يمين الكبير، ليس عن يمين الساقي بل عن يمين الشارب فيبدأ منه. وهذه مسألة لها أقوال عند العلماء، وليس المقام مقام النظر والتوسع فيها. على أن وبهنا على أن من أهل العلم يرى أن السقاية في الشراب ليس لها متعلق بالكبير ولا بالصغير، ولا بالعالم ولا بغير العالم، وأن السنة في هذا الباب أن تبدأ من أول المجلس من اليمين، تبدأ باليمين مباشرة ولو كان هناك كبار أو هناك صغار. قالوا: لأن هذه السنة لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: الأيمن فالأيمن، الأيمنون الأيمنون. قالوا: أما ما جاءت من الأحاديث في أن النبي أوتي له بالشراب من دون الناس، قال: إنه طلب، لأنه طلب، فإذا جاءت مسألة الطلب يتغير الأمر، يبدأ بالشارب الطالب ثم من عن يمينه. لكن إذا كان هناك لا أحد طلب ولا أحد أراد منك أن تعطيه شرابًا، إذن تبقى على الأصل مثل قضية السلام، عندما تأتي إلى مجلس فتسلم على من عن يمينك ثم تدور وهكذا الشراب تبدأ من عن يمينك ثم تدور، هذا قول قال به جماعة من أهل العلم. كذلك من المسائل إخواني في الله المتعلقة بمسائل آداب الشرب، عدم الإسراف، عدم الإسراف في أثناء تناول الشراب بأنواعه وأصنافه من الماء ومن غير الماء. ودليله ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، فربنا نعم كما أمر بالأكل والشرب، إذ إنهم قوام الحياة، لكن بالمقابل ينبغي أن تكون مسألة الأكل والشرب مناطة بقضية عدم الإسراف. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ والعلماء ذكروا أن الإسراف يكون بعدة أمور، صور الإسراف تكون بعدة أمور. من صور الإسراف المنهي عنها قال العلماء: الزيادة عن القدر الكافي، الزيادة عن القدر الكافي، لأن فيه نوع من أنواع التبذير للمأكولات والمشروبات. وإن الأمر أي زيادة عن القدر الكافي يصل الأمر إلى رتبة التحريم إذا كان هذا الشرب أودى إلى المضرة. مثاله رجل يشرب ما لذ وطاب من المشروبات ورآها فرصة سانحة أن يستزيل فيشرب ويشرب ويشرب إلى درجة التخمة، بل ربما ذلك ضره، فهنا القضية قضية التحريم لا يجوز، لأن الله منع من الإسراف. لكن لا بأس أن الإنسان وقد مر ذلك معنا وتذكرون في مسألة الأكل، لا بأس أن يشبع أحيانًا، لا بأس تأتيك مناسبة تشبع أحيانًا فلا بأس، ولو زدت من المشروب. دليله ما جاء في قصة أبي هريرة عندما أعطاه نبينا القدح الذي فيه اللبن، قال: اشرب، قال: فشربت، قال: اشرب، قال: فشربت، قال: اشرب يا أبا هريرة، فقلت: والذي نفسي بيده أو الذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، أي بلغ إلى مرحلة الشبع. فاستدل العلماء على أن هذا الشبع يكون أحيانًا فلا بأس، لكن يكون دومًا أنك تزيد تزيد عن القدر الكافي تلزم وتغصب هذه المعدة إلى أن تلتهم أنواع المشروبات حتى درجة الإضرار، هذا لا يجوز، هذا نوع إسراف. هذه صورة الزيادة عن القدر الكافي، الصورة الثانية أن يكون من الإسراف ما يكون فيه الترف، الترف وهو أنك تأتي بالمشروبات التي أنت لست بحاجة لها. مثاله كمن يشتري من المشروبات الغالي الأثمان، غالي الثمن، وهو ليس بحاجة إليه، لأن لو كان له حاجة أو له منفعة لا بأس. مثل شخص يشرب العسل، العسل غالي نعم غالي في سعره، لكن هل هذا من حيث لا شيء؟ لا، له فائدة، فائدة تعود على الجسد، ولو كان شخص معافى يعطيه حماية، ففيه فائدة. لكن تشتري مشروبًا لا فائدة منه وهو غالي الأثمان، هذا الترف. أو أنك تشتري أنواعًا من المشروبات وأنت لا تشربها، كالذي يأتي بوليمة ويأتي بأشربة، شراب هنا وشراب هنا وشراب هنا، وكله سيذهب، الناس سيشربون القليل والباقي يرمى، يرمى، هذا إسراف. ولهذا ثبت في السنة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة»، قال العلماء: والمخيلة بمعنى التكبر، بمعنى التكبر والخيلاء. فأنت لك أن تشرب ما شئت، لكن لا تتجاوز هذا الحد لتصل إلى حد ماذا؟ أنك تتكبر، تجعل هذا المشروب نوع من أنواع الخيلاء، أي: انظروا إلي أنا أشرب هذا لأني أفضل منكم، أو أنظر إلى مائدتي مليئة بأنواع الأشربة لأني أغنى منكم، فهذا الأمر إخواني في الله من أنواع الإسراف، وهو ما يكون فيه نوع الترف. الأمر الثالث لاحظه العلماء من أنواع الإسراف هو التجاوز من الحلال إلى الحرام، أنك تترك الشراب الحلال وتتعدى إلى الشراب الحرام، فهذه صورة ثالثة من صور الإسراف. وهذه الصورة الثالثة هي مسألة لحد ذاتها، هي مسألة خاصة، وهو أن من آداب الشرب أنك يا عبد الله تتعلم وتتعرف على المشروبات التي أباحها الله إليك. وقد مر ذلك معنا، تذكرون في قضية الأطعمة وفي المأكولات، وأن من آداب المأكولات أن تعرف من الذي أباح الله لك فتأكله، ومن الذي حرمه عليك فتجتنبه. وأشرنا إلى بعض المحرمات، وهكذا قل في باب الأشربة، فإنك عليك أن تتعرف إلى الشراب الحلال. نعم أمرك ربك أن تشرب لأن قوام الحياة مناط بها، لكن بالمقابل منع ربنا عز وجل أنواعًا من الأشربة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فالخمر شراب لكنه لا يباح لنا لأنه محرم علينا، وقس على ذلك كل ما أسكر من أنواع المسكرات فهي كذلك من أنواع المحرمات. فمن آداب الشرب يا عبد الله، وكذلك يدخل في قضية الإسراف، أنك لا تتجاوز الحلال فتتعدى إلى تناول الحرام. وبهذا المبحث إخواني في الله انتهينا من آداب الشرب، وقبل ذلك انتهينا من آداب الطعام، وإن شاء الله في دروس قادمة ندخل في باب آخر من الآداب الإسلامية. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.