الدرس في كتاب الحيض 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع حديث جابر بن سمرة حول الوضوء من أكل لحم الإبل وعدم الوضوء من أكل لحم الغنم، ويبين صحة الحديث وروايته. كما يذكر آراء الأئمة المختلفين حول صحة الحديث ورواته.
اختلف أهل العلم في وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب بينما ذهب الإمام أحمد وغيره إلى وجوب الوضوء لدلالة الحديث النبوي على ذلك.
يشرح المقطع حكم الوضوء بعد أكل لحم الإبل والغنم، ويبين طهارة أبوال وأرواث الإبل والغنم ويشرح سبب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو كامل هضيل بن حسين الجحدري، وهو ثقة حافظ، قال: حدثنا أبو عوانة، واسمه أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو من مشايخ البخاري ومسلم، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، وهو التميمي ثقة، عن جعفر بن أبي ثور، واسمه عكرمة، وقيل مسلمة، وجابر بن سمرة، جده قيل من جهة الأم، وقيل من جهة الأب. قال الإمام مسلم رحمه الله: فيه مجهول. والإمام الترمذي رحمه الله في العلل ذكر أنه من المشهورين، وكذلك الإمام الحاكم قال: من مشايخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن مالك. وهذا الحديث صححه جمع من الأئمة. هذا الحديث الذي رواه جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة صححه جمع من الأئمة. وهؤلاء الذين قبلوا حديثه كالإمام مسلم رحمه الله، ولهذا ذكره في صحيحه. وهكذا أيضا الإمام ابن خزيمة، وابن حبان، وابن منده، والبيهقي، وغيرهم. هؤلاء الأئمة صححوا حديثه. قال: عن جابر بن سمرة، وابن جنادة - ولأبيه الصحبة - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ». قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل». قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلي في مرابض الإبل؟ قال: «لا». قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، وحدثنا زائدة عن سماك، وحدثني القاسم بن زكريا، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن عثمان بن عبد الله بن موهب، وأشعث بن أبي الشعثاء، كلهم عن جعفر بن أبي ثور. كلهم عن جعفر بن أبي ثور، يعني سماك وعثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء، فهؤلاء ثلاثة من الثقات يروون عن جعفر بن أبي ثور. ومعنى هذا أنه ليس مجهولا. وكأن الإمام مسلم رحمه الله ذكر هذه الرواية وهذا الطريق وهذا السند ليبين عدم جهالة جعفر أو الرد على من قال بأنه مجهول. لأن المجهول من قصر ملاق اسمين مجهول عين، ومجهول حال. من هو مجهول العين؟ من روى عنه واحد ولم يوثقه معتبر. ومجهول الحال: من روى عنه اثنان ولم يوثقه معتبر. وهنا جعفر روى عنه ثلاثة، ووثقه بعض الأئمة. قال الإمام المديني رحمه الله: عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي كامل عن أبي عوانة. هذا الحديث حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه فيه الوضوء من أكل لحم الإبل، وعدم الوضوء من أكل لحم الغنم. ومثل حديث البراء بن عازب. هذان الحديثان صححا في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالوضوء من أكل لحم الإبل. واختلف أهل العلم في هذه المسألة في وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل. فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الإبل. وهذا قول الإمام مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وقول كذلك جماعة من الصحابة، ومنهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقول غيرهم من الصحابة. وكذلك أيضا من أئمة التابعين. ولعلهم لم يبلغهم هذا الحديث. وبعضهم ممن بلغه قال: المراد بالوضوء الوضوء اللغوي، ليس الوضوء الشرعي، وهو بمعنى النظافة وغسل اليدين. وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى القول بوجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وهو من مفردات الإمام أحمد التي تفرد بها عن بقية الأئمة الثلاثة. فقال بوجوب الوضوء من أكل لحم الإبل. وذهب إلى هذا القول كذلك إسحاق بن راهويه، والإمام المزني، وابن خزيمة، والحافظ البيهقي، وجماعة من أصحاب الحديث، وعن جماعة من الصحابة. وهذا القول هو الصواب لدلالة الحديث على هذا الحكم، وهو وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل. فإن قيل: لعل المراد الوضوء اللغوي كما قالوا، وهو النظافة وغسل اليدين. يقال: أولا، أن الأصل في حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على معناها الشرعي أن تحمل على معناها الشرعي. فكون ورد الآن اللفظ في الحديث بالأمر بالوضوء، إذن نحمل الوضوء هنا على المعنى الشرعي له. لأن المعنى اللغوي عام من المعنى الشرعي. المعنى اللغوي عام وواسع، لكن ما دام أن هذا اللفظ ورد في الشرع فنحمله على المعنى الشرعي. والأمر الثاني: أنه لو كان المراد غسل اليدين لم يكن هناك فرق بين لحم الإبل ولحم الغنم، بل ولحم البقر وغيرها من اللحوم. لأن اللحم يعني في الغالب أن له دسومة تبقى في اليد سواء كان لحم الإبل أو غيره. فما الفرق بين أن تغسل اليد من لحم الإبل ولا تغسل من لحم الغنم؟ فدل هذا على أن المراد شيء غير غسل اليدين، وهو الوضوء الشرعي. قال بعضهم: إن هذا الحديث منسوخ بحديث ترك الوضوء مما مست النار. الجواب عن هذا يقال: إن حديث ترك الوضوء مما مست النار عام، وهذا الحديث في الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل خاص. وإذا تعارض العام والخاص فإن الخاص يخصص عموم هذا العام، فيخرج من عموم هذا العام، ويبقى العام دالا على عمومه في غير هذه القضية الخاصة. فحديث الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل خاص، وحديث ترك الوضوء مما مست النار عام. والأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل خاص، فيقدم الخاص على العام. فنقول: يجب على من أكل لحم الإبل أن يتوضأ. وأما الغنم فلا يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما. لما سئل عن الوضوء من لحوم الإبل، ولحوم الغنم، قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ». ولما سئل عن لحوم الإبل، قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل». يعني أن من أكل لحم غنم هو مخير، إن شاء توضأ، وإن شاء لا يتوضأ؛ لأنه ليس بناقض للوضوء. أما أكل لحم الإبل فإنه يعد ناقضا للوضوء. بعض الذين ذكروا علة قالوا: علة أن لحم الإبل فيه شيء من الحرارة التي قد تصيب الإنسان إذا أكل لحمه، بخلاف لحم الغنم. والله أعلم بالعلة، لكن الأمر تعبدي، هذا لا يقاس على لحم الإبل غيره من اللحوم؛ لأن الأمر تعبدي، العلة غير مذكورة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك، وتعبدنا الله بذلك أن إذا أكلنا لحم إبل فإننا نتوضأ. وقوله: «لحوم الإبل» يشمل ذلك على الصحيح كل أجزاء لحم الإبل: اللحم، والكرش، والأمعاء، والكبد، كلها تأخذ حكم اللحم. فالله جل وعلا حرم لحم الخنزير، أو لحم خنزير، فإنه رجس. وقوله: «لحم خنزير» يشمل ذلك جميع أجزاء الخنزير: لحمه، وكرشه، وكبده، وأمعاءه، فكلها محرمة. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «توضأوا من لحوم الإبل» يشمل ذلك كل أجزاء ما في داخل الإبل من اللحم وأتباعه وأجزائه، وكلها تأخذ حكم لحم الإبل. اللبن: لبن الإبل هل ينقض الوضوء؟ الجواب: لا، ما ينقض الوضوء؛ لأن اللبن ليس بلحم. اللبن ليس بلحم، إذا شرب الإنسان لبن إبل لم يجب عليه أن يتوضأ، بخلاف اللحم وأجزائه. وهكذا أيضا فرق النبي عليه الصلاة والسلام بين الصلاة في مرابض الغنم والصلاة في مبارك الإبل. قال: «أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم». قال: «أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا». أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الإنسان في مرابط الغنم، يعني في زرائب الغنم التي تجلس فيها، ولم يجز له أن يصلي في مرابك الإبل. مبارك الإبل: الأماكن التي تبرك فيها الإبل. هل العلة عدم طهارة أرواثها وأبوالها؟ الجواب: لا، فبول الإبل وروثه، وكل ما يؤكل لحمه فبوله وروثه طاهر. ومن الأدلة على طهارة هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز أن يصلي الإنسان في مرابط الغنم، ومعروف أن الغنم تبول وكذلك أيضا تتبرز في مرابطها. دل هذا على طهارة روثها وطهارة بولها. إذن ما هو العلة؟ العلة كما ذكر أهل العلم وجاء في بعض الأحاديث أن الإبل خلقت من الشياطين، يعني فيها شيطنة، ربما إذا صلى الإنسان في مباركها تؤذيه، بخلاف الغنم هي أليفة، ما تؤذي الإنسان حتى لو جاءت عنده أو قفزت فوق ظهره ما تؤذيه، خلاف الإبل لو بركت عليه وسادت أهلكته وأماته، ففيه خوف وفيه مضرة على نفسه إذا صلى عندها؛ لأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل، وإلا فروثها وبولها طاهر بدليل هذا الحديث. فهذا من الأدلة التي استدل بها أهل العلم على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه.