الدرس في شرح كتاب القواعد الأربع 9، الدرس التاسع:من(ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى:أفرأيتم اللات والعزى ... فقلنا:يا رسول اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط .الحديث). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المشركون عبدوا معبودات متعددة منها الأصنام والأشجار والأحجار، واستدلال المؤلف بآية اللات والعزى ومناة ودعاء أبي واقد الليثي لاتخاذ ذات أنواط مثلهم.
الشرك هو توجيه العبادة لغير الله مهما كان المعبود، وبيان أن من وقع في الشرك بعد بلوغ الحجة لا يُعدر، وأنواع المعبودات التي كان يعبدها المشركون.
التحذير من الإصرار على الشرك والكفر بعد العلم بأحكامه، وبيان أن الطاعات لا تنفع إذا صاحبها شرك وكفر بالله، وأن ما يسميه الشرع شركًا فهو شرك.
ضرورة عدم الاغترار بالأعمال الصالحة كالطاعة والعبادة لعدم ضمان القبول، وأهمية التواضع وعدم الاطمئنان بالأعمال دون نظر إلى قبول الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل الأشجار والأحجار قولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ الآية، وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. الحديث. وهكذا كذلك مما يدل أن المشركين الأولين لم يعبدوا الأصنام فقط، بل عبدوا معبودات كثيرة. هذا الذي ذكره رحمه الله أنهم كذلك عبدوا الأشجار والأحجار، ودليل ذلك كما قال قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. فاللات كما جاء عن ابن عباس أنها صخرة بيضاء منقوش عليها، وعليها بيت بالطائف، له أستار وخدمة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم أهل ثقيف ومن تابعها من العرب حولهم، فكانوا يعبدونها من دون الله عز وجل، ويجعلون ما يجعلون من الأوقاف والنذور وغير ذلك، ويجعلونه لغير الله، زعمًا منهم أنهم واصلة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى. فهذا نوع من الشرك، وجعل مثله في شرك المتأخرين من تلك القبور التي جعلت عليها النقوش والأستار وعظمت، فعبدت من دون الله عز وجل. وهكذا العزة، فإنها شجرة أو أشجار وسمرات عليها بناء وأستار، وهي بموضع يقال له نخلة بين مكة والطائف، وكانت قريش تعظمها، ولهذا جاء كما مر معنا قريبًا في الصحيحين، قال أبو سفيان يوم أحد: «لنا العزة ولا عزة لكم»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا تجيبونه؟» قالوا: «ما نقول؟» قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». فإنهم كانوا يفتخرون بها ويلجؤون إليها ويعبدونها من دون الله عز وجل، ومع الله سبحانه وتعالى. وهي التي أرسل إليها خالد بن الوليد فقطع تلك السمرات، كما ذكر الحديث شيخنا مقبل رحمه الله بالصحيح المسند مما ليس بالصحيحين. فقطع تلك السمرات وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره، فقال: «ما صنعت شيئًا، ارجع». فرجع فوجد عندها تلك المرأة الجنية التي خرجت وكانت ممن يضل الناس في ذاك الوثن الذي يعبد من دون الله عز وجل، فقتلها حين عممها بالسيف، والناس يقولون: «يا عز عويري، يا عز اقتلي». فعممها خالد بن الوليد رضي الله عنه بالسيف فقتلها، فقال الآن أي النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أرسل عليه الصلاة والسلام من يهدم «الله»، وقيل إنه أرسل إليها أبا سفيان. وهكذا قوله: «ومناة الثالثة الأخرى»، ومناة صنم بين مكة والمدينة في موضع يقال له المشلل عند قديد، وهو موضع معروف ليومنا هذا. وقد جاء حديث صحيح البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها يدل على هذا المعنى، وكانت خزاعة والأوس والخزرج وبعض قبائل العرب بين مكة والمدينة تعظم هذا الصنم والوثن وتعبده من دون الله عز وجل. فالمراد أن هذه أنواع من المعبودات يدل أن المشركين ما كانوا يعبدون الأصنام فقط، بل كانوا يعبدون معبودات متنوعة، فكل ذلك سمي شركًا وكفرًا. فالشرك هو توجيه العبادة إلى غير الله عز وجل لأي كائن كان، سواء كان حجرًا أو شجرًا أو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو كان صالحًا من الصالحين. وقيل إن الله كما جاء كذلك عن بعض الصحابة، روي عن ابن عباس: رجل صالح كان يلت السويق للحجاج، فجعل له وثن تعظيمًا له، فعبد من دون الله عز وجل. وقوله رحمه الله: «وحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه» إلى آخره، يشير إلى قصة ذات أنواط كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمى ذلك كفرًا، فإنه قال: «الله أكبر، إنها السنن، لقد قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». فسمى ذلك كفرًا عليه الصلاة والسلام، وهو طلب النفع من تلك الأشجار بإناطة الأسلحة - يعني تعليق الأسلحة على شجر من الأشجار - فكيف بمن يعبدها من دون الله عز وجل؟ فإن ذلك أعظم وأعظم. وهذا يدلنا أولًا على ما ذكر رحمه الله مما أراده في هذه القاعدة أن توجيه العبادة إلى غير الله كائنًا من كان هو الشرك، وهو الذي يحبط العمل، وهو الذي يوجب الخلود في النار، ولا فرق في ذلك بين هذا المعبود، سواء أكان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو شمسًا أو قمرًا أو حجرًا أو شجرًا أو غير ذلك. وهكذا كذلك أفاد هذا أن من وقع في الشرك فإنه يكون مشركًا بعد علمه، وأن من وقع فيه وهو جاهل فإنه يُعدر. وهذه لفتة لطيفة من المؤلف رحمه الله تعالى لمشركي زمانه أن من وقع في الشرك قبل بلوغ الحجة فإنه معذور، وأما بعد بلوغ الحجة فإنه لا يُعدر. كما أن الصحابة حين طلبوا ذلك لم يكفروا لجهلهم، فلما بيّن لهم النبي عليه الصلاة والسلام وامتثلوا سلموا، ولو أصروا وعاندوا وبقوا على ذلك لكفروا - والعياذ بالله - لكفروا والعياذ بالله. وهكذا كذلك في هذا لفتة لعباد القبور أنه لا يجوز لهم الإصرار على ذات الشرك والكفر بعد علمهم أنه شرك وكفر، وأنه يجب عليهم أن يتركوا ويدعوا خشية أن يصيبهم ما يوجبه هذا الحكم. وهكذا كذلك فيه لفتة أخرى وهو أن ما سماه الشرع فهو شركًا فهو شرك، ولا فرق في الشرع في فعل الفاعلين باعتبار أشخاصهم، ولكنه باعتبار جنس ذاك العمل الذي سمي شركًا. فإن إناطة وتعليق الأسلحة بالسدرة هو شرك فعله المشركون، وكون أن بعض المسلمين يريد فعله مع ما عنده من عبادة ومن إيمان ومن توحيد، بل ومن جهاد في سبيل الله، فإن ذلك لا ينفعه ولا يصحح به العمل الباطل. فكذلك يقال في مثله وجنسه. فلا يجوز بعد هذا، وهذا مما يتوصل إليه بهذا الحديث، كذلك لا يجوز بعد هذا أن يقول قائل: كيف تحكمون بشرك وكفر لقوم يشهدون أن لا إله إلا الله ويشهدون أن محمدًا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة؟ فيقال لهم: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك في قوم معه يجاهدون، فإنهم لو لم يستجيبوا لكفروا - والعياذ بالله - فإنه قال: «الله أكبر، لقد قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». فإنهم لو لم يستجيبوا لكفروا - والعياذ بالله - مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، بل ويقيمون الصلاة والزكاة وغير ذلك، ويجاهدون مع رسول الله، ومع ذلك لم يمنع ذلك من أن يوصفوا بكفر إن لم يستجيبوا لأمر نبيه عليه الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك فمن دونهم من باب أولى، أن لا يغتروا بعمل صالح ولا يغتروا بإيمان ولا يغتروا بصلاة ولا يغتروا بغيره من الطاعات. فقد كان للمشركين الأولين طاعات، فكان المشركون الأولون منهم من تكون له صلاة كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، عندهم صلاة، لكن فيها له ولعد. وهكذا كان عندهم كذلك طواف وحج كما أخبر الله عز وجل بذلك. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، فذلك لا يغنيهم. وهكذا كانوا يتصدقون ويتقربون ويبنون المساجد ويفعلون الخير، ومع ذلك ما نفعهم ذلك ما دام أنهم أشركوا بالله وكفروا به، كما قال الله عز وجل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وهكذا كذلك كانت لهم أنواع من الطاعات، كصيام يوم عاشوراء، كان يصومه اليهود، ومع ذلك هم كفار وهم مشركون. وهكذا النصارى لهم أشهر يصومونها وأيام يتعبدون لله فيها، ومع ذلك كما سمعنا سماهم الله عز وجل مشركين وكفار. فإذن لا ينبغي لأحد أن يغتر بطاعة ولا بعبادة ولا بشيء من ذلك. نكتب بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.