آداب الضيافة 4

آداب الضيافة 4

الدرس في آداب الضيافة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم الضيافة وأدلتها

تناول المقطع حكم الضيافة في الإسلام واختلاف العلماء حول وجوبها أو استحبابها مستدلين بأحاديث نبوية. اليوم الأول يجب أن يكون للإكرام حسب الاتفاق.

آداب الضيافة وتقديم الطعام

يُناقش المقطع آداب الضيافة، حيث يُشدد على إيثار الضيف وتقديم الأفضل له دون تكلف أو إسراف. التكلف للضيف مذموم وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

ضوابط آداب الضيافة في الإسلام

يتناول المقطع ضوابط آداب الضيافة في الإسلام، محذرًا من ارتكاب منكرات أثناء الضيافة مثل لبس الحرير أو تشغيل الموسيقى. يُشدد على الترحيب بالضيوف وتبادل الحديث معهم.

تتمة الكلام عن آداب الضيافة والمسائل المتعلقة بالضيف

المقطع يشير إلى مسائل عامة متعلقة بآداب الضيافة ومسائل متعلقة بالضيف سيتم تناولها في درس قادم، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا المبحث من ذكر الآداب الإسلامية، وكان كلامنا وحديثنا عن آداب الضيافة. مر معنى ما يتعلق بما كان من أمر الضيافة أنها من سنن المرسلين، ثم عرجنا على ما كان من ذكر ربنا جل وعلا لكرام إبراهيم عليه السلام لملائكة الرحمن. ثم كان بدرس أمس النظر في أدلة السنة حول ما جاء من فضائل الضيافة. ومما يذكر كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب ألا وهي مسألة حكم الضيافة، فما حكم الضيافة؟ فقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه». وجاء كذلك بلفظ قال عليه الصلاة والسلام: «الضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة». فهذه الأحاديث وما كان بمعناها تبين أولًا فترة الضيافة، وأنها ثلاثة أيام، وما بعد ذلك فهو صدقة. أن يعود للمضيف صاحب البيت وصاحب الدار إن شاء استقبل وإن شاء ترك. واختلف العلماء في حكم الضيافة هل هي واجبة أم مستحبة؟ جمهور العلماء، مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، يرون أن الضيافة هي من الأمور المستحبة، وأنها من الأمور المشروعة، وذلك لهذه الأدلة، وأنها لا تصل إلى حد الوجوب؛ لأنها من مكارم الأخلاق ومن محاسن الآداب، فمن تحل به فحسن. والإمام أحمد رحمه الله تعالى، وجماعة من العلماء، يرون أن الضيافة واجبة، وخاصة في اليوم الأول، لقوله عليه الصلاة والسلام: «وجائزته يوم وليلة». فذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى وجوب الضيافة في اليوم الأول مع ليلته. والإمام الخطابي رحمه الله تعالى يرى أن الضيافة تكون واجبة عند الضرورة، عند الضرورة كان ينزل ضيف عليك في وقت متأخر، وهو يخاف أن لا يجد مأوى أو سيموت من الجوع والظمأ، هذه ضرورة، إذن لابد أنك تستضيفه في بيتك. فهذه مسألة العلماء في حكم الضيافة، فمن قائل باستحبابه وهم الجمهور، ومن قائل بوجوبه. والعلماء اتفقوا رحمهم الله تعالى على أن الأيام الثلاثة للضيافة ليست سواسية، فاليوم الأول ينبغي أن تكرم هذا الضيف غاية الإكرام، الكل متفق على هذا، إذا جاءك الضيف اليوم الأول عليك أن تبذل ما تستطيع من بذل وعطاء في باب الإكرام. أما اليوم الثاني والثالث، فإنك تجعله يأكل مما تأكل أنت، ليس هناك ميزة، ليس هناك ميزة، وذلك لهذا الحديث، قوله عليه الصلاة والسلام: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة». فالحفاوة والإكرام يكون في اليوم الأول، والثاني والثالث يكون من الأكل الاعتيادي. ثم أشار نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه»، أي بعد الثلاثة أيام، انتهت مدة الضيافة، فعلى المضيف أو على الضيف عليه أن يتق الله فلا يؤذي من زارهم ومن أتى إليهم ومن نزل في ضيافتهم، فلا يبقى عندهم؛ لماذا؟ حتى لا يجعل المضيف في إثم؛ لأن المضيف لربما عنده قدرة على أنه يتحمل أكثر من ثلاثة أيام، فإذا احتاج إلى مأوى وتحتاج إلى سكن وتحتاج إلى أكل وتحتاج إلى ماء وإلى فطور وإلى عناية ورعاية، ولربما هذا أحرجه أيما إحراج، فلربما وقع في الإثم بسببك بسبب طول مكثك. ولهذا على الشخص أن يحاول ألا يزيد عن ثلاثة أيام، وإن انتهى قبل الأيام الثلاثة فحسن، وذلك حتى لا يثقل على من نزل عليهم. قال العلماء، كما أشار إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى: إلا إذا كان جلوسه من قبل صاحب البيت، هذا أمر آخر، إن كان صاحب البيت هو الذي يحثك على البقاء، أنت نزلت في اليوم الأول والثاني والثالث، ثم أردت الانصراف، فإذا بصاحب البيت هو الذي يلح عليك بالجلوس، فحينها لا بأس بالزيادة. هذا إخواني في الله ما يتعلق بحكم الضيافة. نأتي إلى مبحث آخر وهو كذلك من مباحث الآداب، وهي الآداب العامة. يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في باب الضيافة. من الآداب العامة إخواني في الله، قالوا: إن المضيف يؤثر الضيف بما عنده، يؤثر الضيف بما عنده، لا العكس، لا أنك تقدم للضيف الرديء أو الذي لا يؤكل أو التالف أو الذي لا أحد يحبه، فتقدمه للضيوف بينما تدخر الألذ والأطيب والنفيس لك، هذا ليس من آداب الضيافة. وإنما من آداب الضيافة أنك تدخل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، تؤثر الضيف على نفسك، هذا من آداب الضيافة، فتحرص على هذا. وقد مر معنا كيف أن إبراهيم عليه السلام قدم لضيفه الطعام نوعًا وكيفًا، وهو أنه قرب عجلًا سمينًا. وكذلك من آداب الضيافة النهي عن التكلف، وهذا مما يقابل الفقرة الأولى، يقابل الفقرة الأولى، إذا كان الضيف يسعى لإكرام الألذ والأطيب من المضيف، لكن ليس معنى هذا أنه يعطى له الذي فيه كلفة ومشقة على صاحب البيت، لا، فصاحب البيت إخواني في الله لا إفراط ولا تفريط، فلا يدخل نفسه في التكلف بشيء لا يقدر عليه بحجة الإكرام، بل هذا مما نهي عنه. فقد جاء ذلك في صحيح البخاري من حديث أنس أن عمر قال: «نهينا عن التكلف». وجاء كذلك من حديث سلمان قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف للضيف». والحديث حسن، وشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع. فأنت يا عبد الله يا صاحب الضيافة تقدم الذي تقدر عليه، ابحث عن الأنفس عندك، الأغلى عندك، أحب الأطعمة عندك، قدمها ولا تكلف نفسك. والكلفة هنا ليس عندي حدًا معينًا أو حدًا مقدرًا، فقال علماء: هذا يرجع إلى عرف الناس، يرجع إلى عرف الناس، فما تعارف عليه الناس أنه من التكلف فهو تكلف، فلا تقحم نفسك فيه. ففرق إخواني في الله بين الإكرام وبين الإسراف، فالإكرام مطلوب، وأما الإسراف فهو منبوذ. ولهذا إذا رأيت من أحوال سلفنا الصالح أن منهم من لربما قدم للضيف خبزًا، ومنهم من قدم له خلًا، هل هذا من الإكرام؟ نعم، هذا من الإكرام؛ لأن هذا الذي يقدر عليه، وفيه إشارة إلى أن المضيف وهو صاحب الضيافة لا يحتقر الذي يقدمه لضيفه، إذا اتقى الله يقول لأخيه: هذا الذي أقدر عليه، واعذرني، والمعذرة فما فيه شيء. وأيضًا من الآداب العامة في باب الضيافة إخواني في الله عدم أن تقوم هذه الضيافة على منكرات، لا تقوم الضيافة على منكرات مما حرم الله سبحانه وتعالى الوقوع فيها. من ذلك مثلًا: هل من الإكرام للضيف أن تفرش له الحرير؟ لا، هذا ليس من الإكرام؛ لأن هذا منكر، لبس الحرير والجلوس على الحرير وإن كانت مفارش لا تجوز. أو أن تشغل له الغناء والموسيقى وآلات الطرب واللهو من باب ماذا؟ إكرام الضيف؟ وأنك تروح له عن نفسه، هذا لا يجوز؛ لأن هذا معصية. أو كذلك تقدم له الوليمة والوجبة على أواني من ذهب وفضة، وقد مر معنا أن الأكل والشرب من أواني الذهب والفضة قد جاء النهي عن تحريمهما، وخاصة في هذا الباب في باب الطعام والشراب. فلا يجوز إخواني في الله أن تكون الضيافة قائمة على منكر، وأعظم من ذلك أن لا تكون هي الضيافة أصلًا قائمة على منكر، وهذا مما ينبغي التنبه عليه. إخواني في الأحيان لا نقول أن هناك منكرات وجدت في الضيافة، بل هي أصل الضيافة أقيمت على منكر، مثاله: وهذا مما قد يبتلى به بعض الناس في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد، ما يسمى بالمآتم، المآتم يموت الميت على أحد الناس، ثم بعد ذلك تعد الولائم، ويستقبل الضيوف على ماذا؟ هذه الضيافة أقيمت على مأتم، هذا بدعة. وقد صرح ابن الهمام رحمه الله تعالى في كتابه «شرح الهداية» عندما ذكر أن مما اتخذه الناس ضيافة وهو الولائم المعدة على المآتم، قال رحمه الله تعالى: هي بدعة قبيحة. وهكذا مما يذكر إخواني في الله كذلك من آداب الضيافة الترحيب بالضيوف، وقد مر ذلك معنا كيف أن إبراهيم عليه السلام عندما قال القوم: «سلامًا»، أي آتوها بالنصب، رد عليهم بالرفع، قال: «قال سلام». وذكر العلماء وجه أن إكرام إبراهيم عليه السلام كان في التحية أيضًا؛ لأنه رد عليهم بالرفع، وذكروا أن الرفع أقوى من النصب. والسنة كذلك بيّنت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وفد عليه الضيف من الضيوف كان يرحب بهم. ولهذا كان من آداب الضيافة ليس فقط يا عبد الله أن تكرم بالطعام والشراب، لا، وكذلك تكرمهم بالمعاملة، وذلك بأن تهش وتبش، وأن تظهر الفرح والسرور، ويظهر ذلك على لسانك بأن ترحب بهم. فمن ذلك ما جاء أن وفد عبد قيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنهم، قال: من القوم؟ قالوا: ربيعة، فقال عليه الصلاة والسلام: «مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى». والحديث متفق عليه، قال: «مرحبًا بالقوم»، فرحب بهم عليه الصلاة والسلام. وأيضًا كذلك قال علماء: من آداب الضيافة العامة أن يستحب تبادل الحديث مع الضيف، تبادل الحديث مع الضيف، وأن لا يعم السكوت أو الصمت في المجلس، تجد يدخل الضيف، وقوم السكوت، حتى أن الضيف يتوجس خوفًا، لماذا هذا ساكت؟ لماذا ما يتكلم؟ لو ربما يتكلم، إذا سكت سكت المضيف، لا، المضيف يحاول أنه يتبادل أطراف الحديث مع ضيفه، وأن لا يجعل الوقت يمر عليهم بهذه الوحشة بالصمت والسكوت والذهول، وإنما يتبادل يسعى في حاله وحال أهله وعياله وعن عمله وهكذا، حتى يدخل الفرح ويبعد الوحشة عن النفوس. بقى هناك كذلك مسائل عامة متعلقة بآداب الضيافة، وهكذا مسائل متعلقة بالضيف، وهي مسائل على الضيف نفسه هو أن يتحلى بها إذا نزل عند قوم. وسأتي هذا بإذن الله في درس قادم. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.