الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع يوم عرفة ودنو الله تعالى، مبينا أن الدنو دنو يليق بجلال الله وعظمته. يوم عرفة يوم عظيم يغفر الله فيه الذنوب ويعتق العباد من النار.
يُناقش المقطع كيفية تعامل الصحابة مع آيات الصفات دون سؤال عن الكيفية، ويُشير إلى الإيمان بالصفات دون الخوض في تفاصيلها. كما يُشير إلى محبة الله وفضل يوم عرفة ومغفرة الذنوب.
يوم عرفة يوم عظيم يغفر الله فيه الذنوب ويعتق العباد من النار، وقد ثبت في الحديث أن الله يغفر لهم ويعطيهم ما أمّلوه من الخير. ينبغي للمسلم أن يحرص على الدعاء والثناء على الله في هذا اليوم.
يشرح المقطع معنى العبد المستسعى في الفقه الإسلامي، وهو العبد الذي يعتق نصفه أو جزء منه ويبقى جزء آخر مملوكا. يعمل العبد لجمع المال لفك نفسه من العبودية المتبقية ليصبح حرا كاملا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله، بقصيدته البائية، في ذكره لموقف أهل الإسلام في وقوفهم بعرفة، وعظم ذلك المشهد، قال رحمه الله: "يذنوا بهم جبار جل جلاله، يباهي بهم أملاكه وهو أكرمهم"، أي يباهي الله جل وعلا بأهل الموقف الملائكة، ويشير رحمه الله إلى ما رواه مسلم حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟". قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: قوله "يدنو به" أي في ذلك اليوم، لأن الباء هنا بمعنى "فيه"، يدنو به أي يدنو فيه، أي في ذلك اليوم. والباء قد تأتي بمعنى "فيه"، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ أي في بدر أو في يوم بدر. وكذا قوله جل وعلا: ﴿ونجيناهم بسحر﴾ أي في وقت السحر. قالوا: هذا الدنو دنو لائق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، لأن العلو من صفاته الذاتية، والدنو من صفاته الفعلية، العلو صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل وعلا، والدنو من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله، يفعلها جل وعلا متى شاء. قال: فلا تنافي بينهما، فإن الله عالم على عرشه، ومع ذلك يدنو من خلقه كيف يشاء سبحانه وتعالى. قال: فيجب علينا أن نؤمن بهذا، وأنه حق على حقيقته، ولا نقول "كيف"، لأن التكييف غير وارد هنا، بل السؤال بكيف في هذا الموطن بدعة ومردود على قائله. والواجب فيه الإيمان والتصديق، وهذا هو هدي السلف من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم، فإنهم لا يسألون في باب الصفات بكيف، ولا في باب القدر بلماذا. سمع الصحابة رضوان الله عليهم آيات الصفات من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسألوا، لم يسألوا بكيف، فالسؤال بكيف من البدع والمحدثات، فلا يقال "كيف يدنو"، ولا يقال "كيف استوى"، ولا يقال "كيف مجيئه"، إلى آخر ذلك من الصفات، لا يسأل بكيف. والإمام مالك رحمه الله بهذا الأثر المشهور، لما سأله الرجل: "كيف استوى؟" فرد عليه بقوله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". وما أراك إلا مبتدعا، وأمر بإخراجه. فهكذا العلوم، منها ما يعلمه الله سبحانه وتعالى، يدنو يليق بجلاله وعظمته، ولا نسأل عن كيفيته، لا نسأل عن كيفيته، كسائر الصفات، لا نسأل عن كيفية، والله أخبرنا بصفاته، ولم يخبرنا عن كيفياتها، أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا كيف استوى، نحن نؤمن أنه استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، ولا نعلم كيفية هذا الاستواء، ولا نسأل عنه. قال الشيخ رحمه الله: "يبو عبادي قد أدوني محبة وإني بهم بر أجود وأرحم". قال رحمه الله: "قبله يبو عبادي قد أدوني محبة"، أي أن عباده الذين جاءوا من كل فج عميق، ما جاءوا إلى هذا الموقف، وفارقوا الأوطان، وصبروا على ما حصل لهم من المشقة في أسفارهم، إلا من أجل محبة الله عز وجل، فساقهم إلى ذلك عظيم محبتهم لله سبحانه وتعالى، فأحبوا ما يحبه الله جل وعلا. قال: "وشك ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، فمن بذل ما يحبه لله، أعطاه الله ما يحبه". ولهذا قالوا: "إني بهم بر أجود وأرحم"، ثم قال رحمه الله: "فأشهدكم أني غفرت ذنوبهم وأعطيتهم ما أمّلوه وأنا الغني الحميد". وهذا إشارة من الإمام ابن القيم رحمه الله إلى حديث جابر الذي فيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا كان يوم عرفة، فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا، فأشهدكم أني غفرت لهم". وذكر المغفرة في الحديث، وعبارة "شفعه" تشغل الباني رحمه الله. وأصل الحديث ثابت، يعني في ذكر المتباهى بهم، وأنهم "شعثا غبرا" إلى آخره، فهذا ثابت، إلا ذكر المغفرة، ففيه ضعف. لكن هل معنى هذا أن الله لا يغفر لهم؟ الجواب: لا، المغفرة ثابتة في حديث عائشة الذي مر معنا: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة". في ذكر المتباهى بهم، والعتق من النار متضمن لمغفرة الذنوب، العتق من النار متضمن لمغفرة الذنوب. فالذي يعتقه الله جل وعلا من دخول النار، ويسلمه من النار، ويدخله الجنة، هذا متضمن لمغفرة ذنوبه وخطاياه. قال: يعني رحمه الله أن الله تعالى غفر لهم ذنوبهم، فلا ينصرفون إلا وقد غفر لهم، وأعطوا ما أمّلوه من الخير. ولهذا ينبغي للمسلم في هذا الموقف العظيم، وفي هذا اليوم، أن يحرص على الدعاء والثناء على الله سبحانه وتعالى، ولا سيما في آخر اليوم، عند الانصراف، يعني في يوم عرفة، وعند انتهاء الوقوف، وذلك عند غروب شمس ذلك اليوم. ثم قال رحمه الله: "فبشراكم يا أهل ذا الموقف الذي به يقفر الله القلوب ويرحمها، فكم من عتيق فيه كمل عتقه، وآخر مستسعى وربك أرحم". قوله "كمل عتقه" يعني ما أكثر العتق في هذا اليوم من النار، وحديث عائشة يدل على أنهم كثر، أنه "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة"، إذا العتق في هذا اليوم من النار أكثر من غيره من الأيام. قال: وقوله "آخر مستسعى" يعني سيكمل عتقه فيما بعده، لكونه قد فاته العتق في هذا اليوم، ولكن خفف عنه، فصار كالعبد الذي يستسعى ليكمل عتقه، يعني لم يحصل له العتق في ذلك اليوم، لوجود مانع منع من ذلك، فإنه يرجى له العتق في المستقبل، هو يسعى ويجتهد لأعمال صالحة توقعه أو توصل إلى عتق الله جل وعلا له من النار. وقوله "كالعبد ليستسعى ليكمل عتقه" أي العبد المملوك إذا كان هناك عبد اشترك به اثنان، فأعتق أحد الشريكين نصيبه من هذا العبد، فإن هذا العبد يستسعى، يذهب يسعى ويعمل ويكد ويجمع ما يتيسر من المال حتى يفك نفسه من العبد الذي للشريك الآخر، فينصير حرا بعد ذلك.