التعليق على مقدمة المجموع 19

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية العلم في تصحيح العبادة

يُبين الشيخ أهمية العلم في تصحيح العبادة وترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة، مستدلاً بكلام السلف وفضل العلماء على العباد. العلم يعم نفعه صاحبه والمسلمين بينما العبادات النافلة مختصة بصاحبها.

التوجيه نحو اتباع شرع الله دون تقليد

يناقش المقطع مفهوم التقليد واتباع العلماء، ويوضح أن اتباع قول معين أو مذهب دون غيره ليس من دين الله. يجب على الناس اتباع شرع الله دون التزام بعالم واحد، مع أهمية العلم وتبقيه بعد صاحبه.

تفضيل الأعمال المفروضة وأهمية النفع المتعدي

يناقش المقطع مسألة تفضيل فرض العين على فرض الكفاية، ويبين أن فرض العين أفضل لأنه واجب على كل فرد. كما يشير إلى أهمية النفع المتعدي في بعض الحالات، حيث يكون أفضل من النفع المحدود للفرد نفسه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكر الشيخ الإمام النووي رحمه الله في كلامه على ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة، ذكر العدل على ذلك كلام السلف، ثم قال رحمه الله: «ومن دلائله، سوى ما سبق، أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به». ولأن العلم مصحح، فغيره من العبادات مغتفر إليه، ولا ينعكس على المصحح، أي للعبادة. وأيضا العلم يبين أحكام هذه العبادة، فالذي يعبد الله عز وجل بغير علم كان كما قال بعض السلف: «كان يفسد أكثر مما يصلح»، فلهذا فالعلم لا بد منه، فهو مبين ومصحح للعبادة. ولهذا تجد كثيرا من الناس من يفعل العبادات ويبطل فيها ما ينقض هذه العبادة، ويبطلها بجهله، وهو لا يعرف؛ لأنه لم يتعلم، لم يتعلم كيف تصح مثلا، كيف يؤدي هذه العبادة. فمثلا الصلاة تجد كثيرا من الناس يفعل أشياء في الصلاة قد تبطل الصلاة دون أن يعرف أنها تبطل الصلاة، فلهذا فالعلم لا بد منه. فمن الأمور التي ذكر هنا، كما قال رحمه الله، من الدلائل أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، ولأن العلم صحح وغيره من العبادات مفتقر إليه، مفتقر إلى العلم. قالوا: لأن العلماء ورثة الأنبياء، ولا يوصف المتعبدون بذلك، أن ورثة الأنبياء هم العلماء وأهل الطريقة، أهل الطريقة التي سلكها الأنبياء هم العلماء والدعاة إلى الله عز وجل. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، فالذين اتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام واتبعوا الأنبياء جميعا هم الذين تعلموا العلم ودعوا الناس إليه؛ لأن العالم، أو لأن النبي إنما يدعو قومه، وهؤلاء أخذوا هذه الخصلة، دعوا الناس إلى دين الله جل وعلا. وأما هؤلاء العباد فغالبا مشغولون بأنفسهم، مشغولون بأنفسهم، فلا ينتفع بهم الناس إلا أحيانا، أن بعض العباد ينتفع الناس برؤيتهم واجتهادهم، هذا قد يحصل أحيانا، لكن الغالب أن الذي ينتفع به الناس هو العالم والداعي إلى الله الذي يدعوه إلى الخير. قالوا: لأن العابد تابع للعالم، مقتد به، مقلد له في عبادته وغيرها، أنا مقلد له، أي يريد الظاهر أنه يأخذ بقوله، يأخذ بقوله لأنه يعرف الأدلة. قال: «واجب عليه طاعته»، ولا عكس. لكن هذا واجب عليه طاعته قد يحمل على الجميع، أما أنه يريد عالما واحدا يجب عليه طاعته، فليس هذا صحيح. وإنما تجد العام أو العابد إذا استفتى العالم وأعطاه قولا، فمشى عليه، فهو معذور، فهو مقلد. وليس معنى ذلك أنه يقلده في كل شيء، أو يقلد عالما فقط مثل ما يفعل المتعصبة، المتعصبة المذاهب، لا يأخذ بقول الآخرين، وإنما بقول فلان فقط، وهذا ليس من دين الله بشيء؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾، فالناس مأمورون أن يتبعوا شرع الله جل وعلا، ولا يتبعوا فلانا ولا فلانا. فإلزام الناس مثلا باتباع مذهب معين أو قول معين هذا خطأ، وأيضا كذلك ليس من دين الله جل وعلا. فبعضهم يقول: هذا العام أو غيره لا علم له، فيتبع هذا العالم. نقول: صحيح، هذا لا علم له، ويتبع ويتبع العالم. لكن إلزامه بعالم واحد يتبعه، لا يتبع غيره مهما أتى له مثلا بالأدلة وغيره، فهذا غير صحيح؛ لأن العالم يصيب ويخطئ مهما بلغ شأنه ومهما بلغ علمه. فلهذا إذا استفتى مثلا الإنسان أو العابد هذا عالما، فأخذ بقوله، ليس هذا التقليد؛ لأنه أعطاه قول الشرع. لكن أن يلزم بقوله ولا يأخذ قول غيره، فهذا ليس صحيحا. ولعل هنا الإمام النووي رحمه الله لم يرد هذا، وإنما يريد على العموم، «واجب عليه طاعته»، أي على الأمر العام، أن العابد يتبع العالم، وليس المراد عالما واحدا. قالوا: لأن العلم يبقى، فإذا تهاوت بعد صاحبه. ولهذا من الأمور التي تبقى العلم، العلم يبقى في صاحبه، كما جاء في الحديث الذي خرجه الإمام مسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، ولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به». فالعلم صدقة جارية. وجاء في حديث: «قبرا نير أو علما نيرا أو علما علمه». هذا العلم الذي علمه يبقى له إلا من ثلاث: أخذ هذه الفائدة وعمل بها، أجرت عليها، الدال على الخير كفاعله، أو علمها لآخرين، أجرت عليها، بقي أجرك يمشي ويجري لك وأنت في قبرك، حتى بعد موتك يجري لك هذا الأجر. قال: «والنوافل تنقطع بموت صاحبها؛ لأن هذه النوافل التي تطوع بها هي له، وليست متعدية لغيره». قال: «ولأن العلم صفة لله تعالى». وهذا الكلام ليس صحيحا، يعني ليس كل صفة لله تكون محمودة للخلق. صحيح أن العلم من صفات الله عز وجل، لكن هل كل صفة لله عز وجل فهي محمودة للخلق؟ لا. فالعظمة والكبرية لله سبحانه وتعالى، وهي مذمومة للخلق، مذمومة للخلق. فلهذا فليس كلام المؤلف رحمه الله فيه شيء، أو فيه من التحقيق. فقال: «لأن العلم صفة لله»، أنا زاد شرف العلم؛ لأنه صفة لله. لكن من ناحية هل هذا هو شرف أيضا للمخلوق؟ صحيح أن العلم شرف، لكن هل لأنه صفة لله صار شرفا للمخلوق؟ فهذا بلا شك ليس هذا قياس صحيح. وكما ذكرنا أن بعض الصفات معناها هي لله عز وجل، لكن المخلوق إذا تصف بها أو فعلها فهو مذموم. قالوا: لأن العلم فرض كفاية، عن الذي كلامنا فيه، وكان أفضل من النافلة؛ لأن العلم يقسم إلى قسمين: علم واجب وفرض عين، وهو ما لا يسع، كما قال الإمام محمد: «ما لا يسع المرء جهله»، ما لا يسعه جهله، تعلم الواجبات، تعلم التوحيد، تعلم الصلاة، هذه الأشياء واجبة، فلا يجب عليه أن يتعلمها، لكن أراد التعمق في المسائل وكذا، فهذا يعتبر من فروض الكفايات. قال: «فكان أفضل من النافلة؛ لأنهم تعجل». قال: «وقد قال إمام الحرمين رحمه الله في كتاب الغياتي: فرض الكفاية أفضل من فرض العين من حيث أن فاعله يسد مسد الأمة، ويسقط الحرج عن الأمة، وفرض العين قاصر عليه بالله التوفير». وهذا الكلام فيه ما فيه، فليس فرض الكفاية أفضل من فرض العين، بل كما قرره بعض العلماء كالشيخ الإسلام، أن فرض العين واجب وهو أفضل، والواجبات أفضل من النوافل، الواجبات أفضل. وكيف يكون فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟ لكن هنا نظر الإمام الحرمين نظر إلى أن نفعه أفضل من فرض العين، لكن ليس صحيحا. فهل يقال: فروض الكفايات مثلا صلاة الجنازة أفضل من أن يصلي الفريضة؟ هذا غير صحيح، هذا غير صحيح. بل فرض العين واجب وهو من أفضل الأشياء، الصلاة الفروض والواجبات من أفضل الأعمال التي يعملها العبد، وهي أفضل من المستحبات، أفضل من المستحبات. فلهذا الصواب أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ لأن فرض العين مطلوب من العبد أن يأتي به، وأما فرض الكفاية فهو ليس على واحد بذاته. فلهذا كما قلنا أن كلام المؤلف في تفضيل فرض الكفاية على فرض العين ليس على إطلاقه. وقد نبه على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبيّن أنه ليس كل نفع متعد هو أفضل من النفع القاصر، ليس كل نفع متعد هو أفضل من النفع القاصر، بل إطلاق مثل هذا الكلام خطأ عظيم. فالتوحيد، توحيد الله عز وجل، إذا وحد العبد ربه هذا أمر قاصر، كذلك الصلاة، كذلك أركان الإسلام أكثرها نفع قاصر على صاحبه، إلا الزكاة، فهذه عبادات الإسلام ودعائم الإسلام من العبادات القاصرة. فيطلق أن النفع المتعد أفضل من النفع القاصر، إطلاقها خطأ. لكن في بعض الأشياء يكون النفع المتعد أفضل من النفع القاصر.