الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل أهمية طلب العلم وترجيحه على بعض العبادات، مع استعراض بعض الأحاديث والآثار التي وردت في فضل العلم وتقييم درجة صحتها. يُظهر ضعف العديد من الأحاديث المذكورة في هذا السياق.
يُبين هذا الفصل قيمة طلب العلم وتعليمه في الإسلام، حيث يورد أقوال السلف الصالح في تفضيل العلم على العبادات التطوعية، ويوضح أن العلم له أهمية كبيرة في تصحيح العبادات الأخرى.
يُناقش هذا الفصل ترجيح طلب العلم على نوافل العبادات مثل الصلاة والصيام، ويستشهد بآثار السلف الصالح التي تؤكد أن نفع العلم عام للمسلمين بينما النوافل خاصة بالفرد.
يحذر هذا الفصل من تتبع القصاص الذين يروون أحاديث موضوعة، ويبين المفاسد التي تترتب على ذلك في دين الله، ويشير إلى استكمال الموضوع في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ذكرنا في كتاب مقدمة المجموع للإمام النووي رحمه الله فصلا في ترجيح الاشتغال بالعلم على الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات القاصرة على فاعلها. وذكر المؤلف العيات التي تدل على فضل العلم والأحاديث، كحديث عبد الله بن مسعود: «لا حسد إلا في اثنتين»، قد رواه عن عبد الله بن مسعود أكثر أو كثير من أصحابه، كأبي وائل وعلقمة وغيرهما. وحديث: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، حديث الزهري عن حميد عن معاوية بن أبي سفيان. وحديث أيضا: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، خرجه الإمام مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. وأما حديث فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، فهو حديث أبي الدرداء، جاء من حديث كثير بن قيس، وقيل قيس بن كثير، وجاء أيضا من طرق كما ذكرنا عن أبي الدرداء. وهكذا ذكر أحاديث، ثم ذكر بعض الأثار من كتاب الفقيه والمتفقه للإمام الخطيب البغدادي. قالوا: منها عن عبد الله بن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة»، وهذا لا يصح عن عبد الله بن عمر ولا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ففيه عبد الله بن آدينة وهو متروك، وكذلك فيه مجاهد أو عبد الوهاب بن مجاهد وهو أيضا متروك، فالحديث لا يصح بل هو موضوع. قالوا: على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسير الفقه خير من كثير العبادة»، وهذا أيضا لا يصح، وفيه رجل يقال له مقاتل الضبعي وهو أيضا متروك لا يصح عنه. قالوا: عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقه واحد أفضل عند الله من ألف عابد»، وهذا أيضا فيه سمعان بن مهران المجهول، ومحمد بن مقاتل قد روى عنه نسخة موضوعة لا يصح منها شيء. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل العباد الفقهاء»، وهذه كلها أحاديث مسلسلة بالضعفاء والمجاهيل. قالوا: عن أبي الدرداء قال: «ما نحن لو لا كلمات الفقهاء»، وهذا أيضا خرجه الإمام الدارمي وغيره، وإسناده لا بأس به عن أبي الدرداء. قالوا: عن علي رضي الله عنه: «العالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله»، وهذا ليس بصحيح، فقد جاء من طريق السلسلة المعروفة طريق آل البيت، وهي سلسلة موضوعة، وقد وضعها أكثر من واحد، منهم هلال الحنفي، فإنه أيضا في هذا السند. قد قال الإمام الذهبي رحمه الله في حديثه: «الضعف لا يخفى على حديثه»، الضعف لا يخفى على حديثه. قالوا: عن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما قال: «باب من العلم نتعلمه ونعمل به أحب إلينا من ألف ركعة تطوع»، «وباب من العلم نتعلمه عمل به أو لم يعمل أحب إلينا من مئة ركعة تطوع». وقال: «سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد»، وهذا أيضا لا يصح، فيه هذا الحنفي منكر الحديث. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لأن أعلم بابا من العلم في أمر ونهي أحب إلي من سبعين غزوة في سبيل الله»، وهذا أيضا فيه رجل قال له أبو عبد الله الأزدي: لا يعرف، وظاهر أنه مجهول. قالوا: عن أبي الدرداء: «مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة»، ذكره عنه معمر والأوزاعي، ولا شك أن معمر والأوزاعي لم يدركا أبي الدرداء فهو منقطع. ذكروا عنه أنه بلغهم عن أبي الدرداء أنه قال: «مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة». قالوا: عن الحسن البصري رحمه الله قال: «لأن أتعلم بابا من العلم فأعلمه مسلما أحب إلي من أن تكون لي الدنيا كلها في سبيل الله تعالى»، وهذا جاء عن الحسن بإسناد صحيح، إسناده صحيح عن الحسن. ويقول رحمه الله: «لأن أتعلم بابا من العلم فأعلمه مسلما يتعلم ويعلم خير من تعلم القرآن وعلمه»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عثمان رضي الله عنه. قال: «لأن أتعلم بابا من العلم فأعلمه مسلما أحب إلي من أن تكون لي الدنيا كلها في سبيل الله تعالى»، هذا يدل على شرف العلم وعظمة تعلمه وتعليمه. قال: وعن يحيى بن أبي كثير قال: «دراسة العلم صلاة»، وهذا ذكره الخطيب وهو صحيح عن يحيى بن أبي كثير. ويريد دراسة العلم صلاة عبادة مثل الصلاة. قالوا: عن سفيان الثوري والشافعي: «ليس شيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم»، يعني بعد الفرائض التي فرضها الله عز وجل على عباده ليس هناك أفضل من طلب العلم. قال: وعن أحمد بن حنبل وقيل له: أي شيء أحب إليك؟ أجلس بالليل أنسخ أو أصلي تطوعا؟ أي شيء أحب إليك؟ أجلس بالليل -يعني يسأله رجل- أيهما أفضل عندك وأحب إليك؟ أجلس بالليل أنسخ -أي أنسخ العلم- أكتب ما قد سمعته أو أصلي تطوعا أصلي الليل؟ قال رحمه الله: «فنسخك العلم لتحفظ به أمر دينك لهو أحب إلي من الصلاة التطوع»، لأن هذا نفعه متعد إلى الناس في هذا الوقت أو في هذا المكان، وصلاة التطوع وقته أو نفعها للشخص نفسه. قالوا: عن مكحول: «ما عبد الله بأفضل من الفقه»، وهذا أيضا صحيح عن مكحول. وعن الزهري: «ما عبد الله بمثل الفقه»، خرج عنه عبد الرزاق بإسناد صحيح. وعن سعيد بن المسيب قال: «ليست عبادة الله بالصوم والصلاة ولكن بالفقه في دينه»، يعني ليس أعظمها وأفضلها الصوم بل الفقه. والمراد من هذه الآثار أن السلف كانوا يرون أن العلم أهم شيء، إذا شغل العبد بالعلم فلو ترك مثلا شيء من التطوع لعجل انشغاله بالعلم فهذا لا بأس أن يقدم العلم في هذا الباب. أما إنسان مثلا عنده وقت لكتابة العلم أو لحفظه أو لكذا ثم يترك التطوع فهذا خطأ، ليس المراد هنا كما يظن بعض طلبة العلم. ليس المراد أن الإنسان يترك النوافل لا، وإنما إذا شغل إذا تزاحم العلم مع النوافل حصل التزاحم بينهما، هل يقدم هذا أو هذا؟ إنسان مثلا عنده مسألة يريد أن يحققها ويبحثها جيدا فكان يبحث فيها فجاء مثلا وقت الضحى وهو يصلي الضحى، فهل يقطع هذا البحث ويصلي الضحى أم يستمر؟ فالأفضل له أن يستمر، أفضل له أن يستمر، فإذا فرغ صلى إن كان هناك وقت. كذلك في صلاة الليل أو مثلا الرواتب، لكن إذا كان ليس كذلك، عنده مثلا الوقت الذي سيبحث فيه وعنده كذلك وقت طويل قد يأتي إلى هذه المسألة من أبوابها ومن مداخلها، فعنده وقت أنه يتنفل، فالأفضل له أن يجمع بين التنفل والعلم، وفضل العلم يجمع بين هذا وهذا. وإنما هذا الذي ذكره العلماء عند المزاحمة، عند المزاحمة. والآن إلا من رحم الله تجد أن الأوقات كثيرة، قد يجلس الشخص أو طالب العلم يتكلم في كلام ليس له دخل في العلم، فتجد يجلس مجالس مثلا وقتا طويلا يأخذه في الكلام. فإذا حضر وقت الصلاة مثلا أو النافلة قال: الآن عندي كذا وكذا من المسائل أو سأبحث كذا وكذا من المسائل. أو إذا كان مثلا الإنسان عنده درس والدرس هذا مهم مثلا يسمعه، فلا بأس أنه يترك النفل في ذلك الوقت ويسمع هذا الدرس حتى لا يفوته، فهذا لا بأس. فعند التزاحم أما عند عدم التزاحم لا ينبغي الإنسان أن يترك، وخاصة الطالب العلم لا ينبغي له أن يترك التطوع سواء كان تطوع الصلاة أو الصيام. قال رحمه الله: وعن إسحاق بن منصور عن عبد الله بن فروة قال: «أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد»، فالعلماء دلّوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأهل الجهاد جاهدوا على ما جاءت به الرسل. وعن سفيان بن عيينة: «أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وعباده»، وهم الرسل والعلماء. وعن سهل التستري، سهل بن عبد الله قال: «من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء»، فعرفوا لهم ذلك. هذه بعض الآثار التي ذكرها المؤلف، أكثرها من كتاب الخطيب البغدادي الفقيه والمتفقه، وكتاب عظيم ذكر فيه عن السلف أشياء كثيرة من هذا القبيل. قال: فهذه أحرف من أطراف ما جاء في ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة، وجاء عن جماعة من السلف أو جماعات من السلف ممن لم أذكره نحو ما ذكرته. والحاصل أنهم متفقون على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغالات بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن. ومن دلائله سوى ما سبق أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به. ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات، مفتقر إليه ولا ينعكس، ولهذا فالعالم يعرف ويستفيد منه الناس. ولهذا ذكر الخطيب البغدادي عن ابن عباس، وإن كان في إسناده شيء من الانقطاع، لكن ذكر أن إبليس لما قيل له: أي جندك تهتم بأمر العالم أكثر من اهتمامك بأمر العابد؟ قال: «قوم نسأل العابد»، فجاء إلى العابد وقال له: أريد أن أسألك. فقال له بصورة رجل: سل. فقال: هل يستطيع ربك أن يجعل هذه الدنيا كلها في بيضة؟ قال: والله لا أدري. قال: انظروا كفر بسؤال، أو شك في قدرة الله عز وجل. قال: ثم ذهب إلى عالم عند أصحابه يتعلمون منه، فقال له هذا السؤال: هل يستطيع ربك أن يجعل هذه الدنيا في بيضة؟ قال: نعم. قال: كيف؟ قال: يقول له: كن فيكون. فقال: فانظروا هذا يفسد علي الناس، ويضل كثيرا منهم، يتعلمون. أما العابد فهو في نفسه، وأيضا كذلك لا علم له. ولهذا تجد معنى إفساد العباد في دين الله عز وجل أكثر بكثير من غيرهم، فتجد جاءت من عندهم البدع، وكذلك جاءت من عندهم الأحاديث المكذوبة، وجاءت من عندهم كذلك القصص المكذوبة. من تتبع القصاص تتبع الأحاديث الموضوعة، أكثرها من طريق العباد وغيرها من هذه المفاسد التي حصلت في دين الله جل وعلا بسببهم. هذا ما ذكروا، إن شاء الله أن نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.