التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 18

التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 18

الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

معنى اسمي الله العفو والغفور والفرق بينهما

يشرح الفرق بين العفو والغفور؛ العفو محو السيئات وتجاوز المعاصي، والغفور ستر الذنوب وعدم فضح العبد، والمحو أبلغ من الستر. عند انفراد كل اسم يتناول معنى الآخر، وعلى شبيه ذلك حال الإسلام والإيمان، مع ذكر العفو العام عن جميع المجرمين بدفع العقوبات.

أنواع عفو الله: العام والخاص وشروط التوبة النصوح

يبين نوعين من عفو الله: العفو العام الذي يشمل جميع الخلق حتى الكافرين بإمهالهم ورزقهم، والعفو الخاص للمؤمنين التائبين المستغفرين. التوبة النصوح خالصة لوجه الله دون تردد أو إصرار، والله يغفر جميع الذنوب لمن تاب توبة صادقة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.

شروط التوبة النصوح ومغفرة الله للعبد التائب

يشترط للمغفرة الإيمان الصادق، والإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على عدم العودة، مع أداء الأعمال الصالحة بدلاً من السيئات. باب التوبة مفتوح حتى طلوع الشمس من مغربها أو وصول الروح إلى الحلقوم، والله يغفر لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.

خاتمة الدرس والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ويختم بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: العفو والغفور، أي: اسم الله عز وجل العفو، وكذلك الغفور. قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. فالله جل وعلا جمع بين هذين الاسمين: العفو والغفور، ليكمل بذلك العفو والمغفر للعبد، وسيأتي معنى العفو والمغفر والتفريق بينهما. قال: والعفو هو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، ومنه يقال: عفى الأثر، أي: إذا مُسح وذهب وزال أثره. فالعفو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن الذنوب والمعاصي، فلا يؤاخذ الله عز وجل العبد بما حصل من ذنوب وخطايا إذا عفى عنه، معنى: محاها عنه ولم يؤاخذه بها. وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر. الغفور: أصل الغفر بمعنى الستر، ومنه المغفر الذي يلبسه المقاتل على رأسه يستر به رأسه من الضربات. فمعنى الغفور: أي الذي يستر سيئات عباده، يسترها فلا يفضح العبد ويكشف ستره. والعفو: الذي يمحو السيئات. إذن العفو أبلغ، أبلغ من المغفرة، قال: والمحو أبلغ من الستر. وهذا حال الاقتران، يعني: إذا جمع بين الاسمين العفو والغفور، فالعفو بمعنى: الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، والغفور: الذي يستر سيئات العبد فلا يفضح العبد ولا يكشف ستره. قال: وَأَمَّا حَالُ فِرَادِهِمَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ مَعْنَى الْآخَرِ. أي: إذا ذكر العفو وحده دخل فيه معنى المغفرة، وإذا ذكر الغفور دخل فيه معنى العفو، فيكون من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، مثل الإسلام والإيمان. الإسلام والإيمان: إذا ذكر أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا اجتمع الإسلام والإيمان فالإسلام للأعمال الظاهرة، وهو: نطق الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والإيمان للأعمال الباطنة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وإذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام. وهكذا أيضًا العفو والغفور. قال: وعفو تعالى نوعان: النوع الأول: عفوه العام عن جميع المجرمين من الكفار وغيرهم، بدفع العقوبات المنعقدة أسبابها والمقتضية لقطع النعم عنهم. فهم يؤذونه بالسب والشرك وغيرها من أصناف المخالفات، وهو يعافيهم ويرزقهم، ويدر عليهم النعم الظاهرة والباطنة، ويبسط لهم الدنيا، ويعطيهم من نعيمها ومنافعها، ويمهلهم ولا يهملهم، بعفوه وحلمه سبحانه. هذا النوع الأول من أنواع العفو العام، أي: عفوه جل وعلا على جميع الخلق، منهم الكافر والمجرم والعاصي والفاسق. هؤلاء يعصون الله، وربما آذوا رب العالمين سبحانه بالسب والشتم، واتخاذ الأنداد، والشرك في عبادة الله، وارتكاب الفواحش والمنكرات، ومع هذا الله جل وعلا يرزقهم ويعافيهم، ويمُن عليهم بالنعم، وربما يدفع عنهم أنواعًا من المصائب وأنواعًا من العقوبات. هذا من عفو الله، هذا من عفو الله سبحانه وتعالى، العفو العام. قال: والنوع الثاني: عفوه الخاص الذي لا يكون إلا لأهل الإيمان. قال: ومغفرته الخاصة للتائبين والمستغفرين، والداعين والعابدين، والمصابين بالمصائب المحتسبين. فكل من تاب إليه توبة نصوحة، وهي: الخالصة لوجه الله، الشاملة التي لا يصحبها تردد ولا إصرار، وهي التوبة التي أمر الله عز وجل بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾، أي: توبة صادقة ليس فيها شيء من التردد في ترك المعصية والذنب، وتكون خالصة لله سبحانه وتعالى، لا لأجل دنيا أو شيء من مصالح الدنيا. فإن الله يغفر له من أي ذنب كان، يعني: إذا أذنب الإنسان ذنبًا ولو عظم، ولو كان كفرًا أو شركًا، ثم تاب إلى الله، فالله يتوب عليه ويعفو عنه سبحانه وتعالى؛ لأنه العفو الغفور. لو أشرك في عبادة الله واتخذ أندادًا مع الله ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه. لو أنه قتل النفس الحرام ثم تاب، تاب الله عليه وعفى عنه. لو أكل الربا أو ارتكب الزنا أو شرب الخمر ثم تاب إلى الله، تاب الله عنه وعفى الله عز وجل عنه؛ لأنه العفو الغفور سبحانه وتعالى. قال: من أي ذنب كان، من كفر وفسوق وعصيان، وكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾، يعني: بالذنوب والمعاصي، أكثروا على أنفسهم بذلك، ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، أي: لا تيأسوا، لا تيأسوا من رحمة الله، أن الله عز وجل لا يرحمكم ولا يتوب عليكم ولا يغفر لكم، لا تكونوا كذلك ولا تعتقدوا ذلك. ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، أي: جميع الذنوب، ليس هناك ذنب لا يغفره الله. كل ذنب إذا وقع فيه العبد ثم تاب إلى الله وطلب العفو والمغفر من الله، فإن الله عز وجل الغفور الرحيم يغفر له ويرحمه ويعفو عنه. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: وأبواب عفوه وغفرانه مفتوحة، ولم يزل ولا يزال عفوًا غفورًا. أبواب عفو الله ومغفرانه مفتوحة لا تغلق، التوبة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى تطلع الشمس من مغربها»، وهذه من علامات الساعة الكبرى، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. لكن قبل ذلك، فالله عز وجل يقبل التوبة، يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر، أي: ما لم تبلغ الروح الحلقوم، مادام أنه حيًّا لا يزال في حال الحياة، ولو كان مريضًا وهو لا يزال في حياته، فإن الله يقبل التوبة منه إذا تاب وأناب إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. هذه أسباب المغفرة: وهي الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾، وغفار على وزن فعال، وهي من صيغ المبالغة التي تدل على الكثرة، أي: كثير المغفرة. لكن لمن؟ قال: ﴿لِّمَن تَابَ﴾، لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى. الله عز وجل يغفر لمن تاب، من تاب إلى الله تاب الله عليه. أما المصر على الذنب الذي لا يبالي بمغفرة الله وبرحمة الله، هذا لا يغفر الله له. إنما من تاب إلى الله وأناب إلى الله، وندم على ما حصل منه، وأقلع عن الذنب، وعزم أنه لا يعود إليه، هذا يتوب الله عليه. وكذلك بشرط الإيمان، أما إذا كان كافرًا ليس له توبة، إذا كان مصرًا على الكفر وعلى الشرك، فهذا لا توبة له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. إذا، من شروط المغفرة: الإيمان، الإيمان بالله. وهكذا أيضًا العمل الصالح، أنك تعمل صالحًا بدل ما كنت تعمل من السيئات، تحرص على أن تعمل الأعمال الصالحة. قال: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾، أي: كان على هداية وعلى استقامة وعلى خير، بدلاً مما كان عليه من الضلال والغواية. فإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ تنال مغفرة الله سبحانه وتعالى. وهكذا تنال عفو الله عز وجل. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.