الدرس في المختصر في أحكام البيوع 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض هذا المحور أبرز البيوع المحرمة كالبيع بعد أذان الجمعة وبيع ما يعين على المعصية والبيع على بيع الأخ. وتستند هذه الأحكام إلى نصوص تحرم التعاون على الإثم وتوجب السعي لذكر الله.
يشرح المحور حرمة السوم على سوم الأخ عند وجود تراضٍ، ويبين جواز بيع المزايدة مع عدم جواز الفسخ فيه. كما يذكر تحريم بيع النجش ويبدأ في تفصيل بيع العينة.
يبيّن المحور أن بيع العينة محرم بإجماع الجمهور لكونه حيلة على الربا ويشبه حيل اليهود. أما بيع التورق فيجوز عند أكثر العلماء بشرط قبض السلعة ووجود حاجة حقيقية.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله النفع بالقول والسمع واتباع أحسن القول وصلاح الأحوال. ثم يختم بالحمد والصلاة على النبي ويطلب من المشاهدين الاشتراك في القناة.
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أحكام مختصرة فيما يتعلق بالبيوع والمعاملات. فمن المسائل المهمة المتعلقة بالبيوع: بيوع منهي عنها. مر معنا أن القاعدة في المعاملات والبيوع والتجارات أن الأصل فيها الحل والإباحة، وأحل الله البيع وحرم الربا، ولا يمنع منها شيء إلا ما ورد المنع فيه عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وشرعنا الحكيم نهى عن بعض البيوع لما يترتب عليها من تضييع لما هو أهم وأعظم، كأن تشغل عن أداء بعض العبادات الواجبة، أو يترتب على هذه البيوع المنهي عنها إلحاق الضرر بالآخرين. وبهذا نعلم أيها الأحبة في الله أن شرعنا وديننا الإسلامي هو شرع حكيم، وهكذا أحكامه فيها السماحة. فمن هذه البيوع المنهي عنها: أولاً، النهي عن البيع والشراء بعد الأذان يوم الجمعة. إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة وصعد الخطيب على المنبر، فعندها لا يجوز البيع والشراء. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فهذا النهي عن البيع والشراء في هذا الوقت وهو بعد الأذان من يوم الجمعة يقتضي التحريم، ولهذا ذهب جماعات من أهل العلم إلى عدم صحة البيع وأنه يعتبر باطلًا. أيضًا من هذه البيوع المنهي عنها: أن يبيع أشياء لمن يستعين بها على معصية الله عز وجل أو تستخدم في المحرمات. ومثال هذا كمن يبيع العصير لمن يتخذه خمرًا: اشترى عصيرًا، ماذا تريد من هذا العصير؟ أراك تكثر من شراء العصير. قال: يا أخي، أدعو لي، أنا ابتليت بشرب الخمر، آخذ هذا العصير فأصنعوا منه خمرًا. قال: حرام، لا يجوز بيعه. يأتي آخر ويشتري عنبًا: لماذا تكثر من شراء العنب؟ قال: أتخذ منه خمرًا وسكرًا. نقول: لا يجوز البيع لمن يستعين بهذا المبيع على معصية الله عز وجل أو يستخدمها في المحرمات. يأتي شخص ويريد أن يشتري منك مسدسًا أو سكينًا. طيب، إيش تريد من هذا المسدس؟ قال: بيني وبين فلان مشكلة وأريد أن أتخلص منه. يقال: ما يجوز أن تبيع له ما يستعين به على المعصية أو يستخدمه في محرم، فإن ذلك يعتبر من التعاون على الإثم والعدوان. قال ربنا عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. أيضًا من هذه البيوع المنهي عنها: أن يبيع المسلم على بيع أخيه، يبيع على بيع أخيه. وهكذا نظيره أن يشتري على شراء أخيه. في حديث ابن عمر في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يبيع بعضكم على بيع بعض». مثاله: شخص اشترى سلعة من شخص آخر، اشترى جوالًا مثلًا. بكم الجوال؟ قال: هذا بعشرين ألف. عاد شي كلام، ولا خلاص؟ قال له: هذا آخر كلام. قال له: خلاص، اشتريت. قبل أن يتم الاستلام والتسليم، قد اتفق. يأتي شخص للمشتري فيقول له: بكم اشتريته؟ قالوا: بعشرين. قالوا: رجع له، أنا أبيع لك أحسن منه بخمسة عشر. هذا ما يجوز، هذا لا يجوز، فيعتبر من البيوع المحرمة. وأيضًا لو حصل العكس: بكم ستبيع هذا الجوال لفلان؟ قال: بعشرين ألف. اتفقنا على هذا. قال: افسخ البيع، أنا أعطيك خمسة وعشرين. فحصل الشراء على شراء الأخ المسلم، وهذا لا يجوز. لماذا لا يجوز يا إخوان؟ لأن فيه إلحاق الضرر بالآخرين، وأيضًا يعتبر سببًا للخصومات والمنازعات بين الإخوان. ويقرب من هذا مسألة أخرى، ألا وهي مسألة السوم على سوم الأخ. اثنان يتبايعان: بكم؟ قال: بعشرين. طيب، عدق بتنزل أو لا؟ قال: وشوف، هذا آخر كلام، تريده خذه، ما تريده هو تركه. لم يتم إكمال العقد، لم يتم إكمال العقد، وإنما حصل شيء من التراضي والركون. فيأتي واحد ويقول: خلاص، هذا الجوال عندي بخمسة وعشرين. طيب، انتظر حتى ينتهي الموضوع بين البائع وبين المشتري. ما دام أن هناك ركونًا وتراضيًا بين الجانبين، فلا يجوز للثالث أن يدخل بينهما. وهناك نوع من أنواع البيوع يسمى بيع المزايدة، بيع من يزيد، يسمونه بيع الحراج. حراج: حراج، كم نقول؟ قال: عندي عشر آلاف. الثاني يقول: عندي أحد عشر. الآخر يقول: عندي اثني عشر، والكل يزيد حتى ينتهي الثمن عند من يدفع أكثر. فمن دفع أكثر أخذ السلعة. هذا النوع من أنواع البيوع جائز، وهذا الذي عليه الجمهور من أهل العلم، بل منهم من نقله إجماعًا كابن عبد البر، وهكذا ابن قدامة وغيرهما ذكروا أو نقلوا الإجماع على جواز بيع المزايدة. وقد ورد الخلاف في هذا البيع عن بعض السلف كإبراهيم النخعي والأوزاعي وإسحاق، إلا أنه كما سبق: أكثر أهل العلم على جوازه. هنا فائدة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ما يتعلق ببيع المزايدة، ألا وهو أنه لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة. آخر واحد قالوا: أحمد، عندك هذا الصيد، الصيد بكم؟ بخمسة عشر ألف. قال: الله يبارك، أحمد راح يحسب حسابه، يقول: لعلي تورقت، لا، ماشي منه. يا يا صياد، قالوا: نعم. قالوا: الصيد حقك، ما أريده. لا، ما يجوز يا إخوان، لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة. خلاص، عندك، عندك، لا تقول: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. لماذا لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة؟ قالوا: لأن البائع قد خسر جميع المشترين، كلهم ذهبوا، البيع عند من؟ عند أحمد. فيحصل ضرر على البائع، يحصل ضرر على البائع. فلهذا قالوا: لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة، لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة، ويلزم من استقرت عليه البيعة أن يأخذ هذه السلعة، أن يأخذ هذه السلعة. أيضًا من البيوع المنهي عنها: هناك بيع يسمى ببيع النجش. بيع النجش هو أن يزيد الشخص في ثمن السلعة المعروضة للبيع، يزيد في ثمنها بينما هو لا يريد شراءها، وإنما يريد أن يخدم البائع ويغري المشتري. كم نقول؟ قال مثلًا: نقول عشر آلاف. يأتي واحد ويقول: عندي بإحدى عشر ألف. هو ما يريد يشتري، وإنما يريد حرك السوق. يأتي المسكين الثاني يقول: عندي بخمسمائة، إحدى عشر ألف وخمسمائة. هذا قال: عندي اثني عشر ألف. قالوا: خمسمائة. هذا يسمى بيع النجش: يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع ولا يريد شراءها، وإنما ليغري غيره بها ويرقبها فيها ويرفع سعرها، فيكون بذلك قد خدم البائع. هذا يسمى بيع النجش. وقد جاء في حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش، نهى عن النجش، فيعتبر من البيوع المحرمة التي لا تجوز. أيضًا من هذه البيوع المنهي عنها: بيع العينة. بيع العينة ذكر العلماء له صورًا عديدة، لكن من أشهرها: أن يبيع شخص سلعة لآخر بثمن معلوم، لكنه مؤجل. مثلًا يأتي عند صاحب جوالات: بكم هذا الجوال؟ قال: هذا الجوال سعره ثمانين ألفًا. ثمانين ألفًا، طيب تصبر علي؟ قال: أصبر عليك إلى متى؟ قال: أعطني شهر. قل: خذ الجوال، بعد شهر تسدد هذه القيمة للجوال. أخذ الجوال، قال له: تعال، أنت إيش تعمل بالجوال؟ أنت ما تريد الجوال، تريد إيش؟ فلوس. ما رأيك أشتري منك الجوال بنقد الآن؟ أعطيك الفلوس. صاحب المحل سيشتري الجوال من هذا الزبون، بكم؟ قال له: سبعين، لكنها نقد في اليد. قال: بعتك الجوال. فرجع الجوال إلى من؟ إلى صاحب المحل. عين السلعة رجعت إلى صاحب المحل. هذا يسمى بيع العينة. والجمهور من أهل العلم على تحريمه. لماذا حرام يا جماعة؟ لماذا حرام؟ أليس الله عز وجل أحل البيع وحرم الربا؟ الجواب: بلى. هذا حرام لأنه حيل على الربا. الرجل ما يريد شيء، ما يريد السلعة، يريد مالًا. فهذا البائع كأنه أعطاه سبعين وسجلها عليه كم؟ ثمانين. لكن لو كان سبعين بثمانين، كل الناس بتقول إيش؟ بيقولوا: ربا. إذن لا بد من التحايل. وهذه المصيبة يا إخوان: الحيل لا تزيد المحرم إلا حرمة. وهذا يا إخوان كان دأب اليهود، عليهم من الله ما يستحقون، عليهم من الله ما يستحقون. حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فابتلاهم أن الصيد كله يأتي يوم السبت، وفي غير يوم السبت لا يأتي شيء. ماذا فعلوا؟ أتوا يوم الجمعة ونصبوا شباكهم، يوم السبت الجماعة ما لهم إجازة، راحة، ليش راحة؟ قالوا: الله نهانا عن الاصطياد يوم السبت. أتوا يوم الأحد وجدوا الشباك ما لها مليئة بالصيد. قالوا: يوم السبت ما اصطدنا شيء. هذه حيلة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، حسنه بعضهم، قال ابن كثير في التفسير: إسناده جيد، قال: «لا تستحلوا» أو «لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحلوا ذلك بأدنى الحيل، بأدنى الحيل». إذن الحيل لا تزيد المحرم إلا حرمة، لا تزيد المحرم إلا حرمة. هناك نوع من أنواع البيوع يسمى بيع التورق، يسمى بيع التورق. وهذا النوع من أنواع البيوع لربما تكثر الحاجة إليه في زماننا هذا. وبيع التورق: قالوا صورته قريبة من صورة بيع العينة، وهو أن يشتري شخص سلعة لكن بثمن آجل، بثمن آجل. مثلًا يشتري ثلاجة بالتقسيط من عند صاحب محل. بكم؟ قالوا: هذه الثلاجة بالتقسيط بثلاثمائة ألف. بثلاثمائة ألف، كل شهر تدفع قسط. أخذ الثلاجة، هو يريد ثلاجة يا جماعة؟ هو يريد سيولة، يريد مالًا. فخرج، أخذ الثلاجة، وخرج، فقام يبيعها لشخص آخر نقدًا. بكم؟ مائتين وخمسين، بمائتين وخمسين. طيب، ليش ما تبيعها لي صاحب المحل الأول؟ قال: لا، سيكون من بيع العينة. قام يبحث له عن شخص آخر ثالث يبيع له هذه السلعة بثمن نقد. مسجل عليه ثلاثمائة، باعها خارج المحل في السوق، في البيت، باعها بمائتين وخمسين، مائتين لكن نقد في اليد. هذا النوع من أنواع البيوع يسمى بيع التورق، يسمى بيع التورق. وبيع التورق: منع منه بعض العلماء كما جاء عن عمر بن عبد العزيز، وهكذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أو مال إليه. لكن أكثر أهل العلم على جوازه، أكثر أهل العلم على جوازه. لكن اشترطوا فيه شرطين: الشرط الأول: أن يكون المشتري قد قبض السلعة، ثلاجة أخذها من المحل وحازها إلى بيته، إلى سيارته، أخرجها من المحل إلى الشارع، قبض السلعة. الشرط الثاني: قالوا أن يكون للحاجة لا للاستكثار من المال. فعلى ذلك محتاج، فعلى ذلك لأجل حاجة، كأن يكون عنده مريض أو عنده غيرها من الحوائج. فقالوا: بهذين الشرطين يجوز. والأحوط هو ماذا؟ البعد. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. وينصح التجار بإعانة المحتاجين بالقرض الحسن وترك التورق. هذا المسكين جاء يريد مالًا، عنده ظرف، فيا صاحب المحل لو أنك تعاونت معه، أقرطته مئتين، مئتي ألف لمدة شهر، شهرين، ثلاثة أشهر، ويعيدها لك بنفس المبلغ، مئتي ألف، لكان ذلك قرضًا حسنًا تؤجر عليه عند الله تبارك وتعالى. فهذه بعض أنواع البيوع المنهي عنها، والحديث له تتمة، يسر الله إكمالها في دروس لاحقة. أسأل من المولى تبارك وتعالى أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله أجمعين. اشتركوا في القناة