المختصر في أحكام البيوع 4

الدرس في المختصر في أحكام البيوع 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أحكام البيوع المنهي عنها وضوابط المعاملات

يبيّن المقطع أن الأصل في البيوع الإباحة ما لم يرد نهي، ثم يستعرض صوراً من البيوع المحرمة كبيع ما بعد أذان الجمعة، وبيع ما يعين على المعصية، والنجش، والعينة، والبيع على بيع الأخ. كما يوضح حكم بيع المزايدة (الحراج) وجوازها عند الجمهور مع لزومها وعدم جواز الفسخ فيها.

بيع العينة والتورق وبيع السلعة قبل القبض

يشرح المقطع حكم بيع العينة باعتباره حيلة على الربا ومحرماً عند الجمهور، ثم يتناول بيع التورق ويبين خلاف العلماء فيه مع اشتراط القبض والحاجة للجواز. كما يوضح النهي عن بيع السلعة قبل قبضها مستدلاً بالأحاديث النبوية وأقوال العلماء.

بيع الثمار قبل بدو الصلاح والبيع بالتقسيط والإقالة

يبيّن المقطع تحريم بيع الثمار قبل بدو صلاحها لوجود الغرر، مع جواز البيع إن كان القطع فورياً أو للعلف، ثم ينتقل لحكم البيع بالتقسيط مجيزاً إياه بشرط ملكية البائع للسلعة وحيازتها عند العقد محذراً من غرامات التأخير. ويختم ببيان مشروعية الإقالة (فسخ العقد بالتراضي) وفضلها العظيم عند الله تعالى.

الدعاء الختامي وخاتمة الدرس

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه من الله الفقه في الدين والنفع بالعلم، واتباع أحسن القول، ويصلي على النبي محمد ويختم بالحمد والشكر للجميع.

  • 23 جمادى الأولى 1442هـ - 06/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّة معنا ضمن المجالس المختصرة فيما يتعلق بأحكام البيوع، وهكذا ما يتعلق بالتجارات والمعاملات. ذكرنا البيوع المنهي عنها، ومما تقدم ذكره أن هذه البيوع التي دلت الأدلة على تحريمها وأن نهي عنها، هذا التحريم وهذا المنع من أسبابه أنه قد يكون في هذه البيوع مشغلة عن أداء بعض العبادات الواجبة، أو يترتب عليها إلحاق الضرر بالآخرين. وذكرنا قاعدة مهمة فيما يتعلق بالمعاملات والبيوع والتجارات: أن الأصل فيها هو الحل والجواز ما لم يرد الدليل من الكتاب أو السنة الذي يدل على النهي عن هذا النوع من أنواع البيوع. ومما تقدم ذكره من هذه البيوع المنهي عنها: البيع والشراء بعد أذان الجمعة، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾. يأتي بعض الناس لصلاة الجمعة فيجد سيارة تبيع جلباً، أو أخرى تبيع قصباً، أو ثالثة تبيع خضروات أو غيرها، قد أذن المؤذن لصلاة الجمعة وصعد الخطيب على المنبر، فعندها يحرم البيع والشراء. وهكذا أيضاً من هذه البيوع المنهي عنها: بيع الأشياء لمن يستعين بها على المعصية أو يستعملها في فعل المحرم، فربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾. وهكذا أيضاً من هذه البيوع المنهي عنها: بيع المسلم على بيع أخيه، أو أن يشتري على شراء أخيه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ». ويدخل في هذا ما يسمى بالسوم، يعني يحصل كلام بين البائع والمشتري ويحصل شيء من التراضي وركون كل منهما إلى الآخر، غير أن العقد لم يتم والموافقة لم تحصل على البيع، هذا يسمى سوم، لا يجوز لثالث أن يدخل بينهما حتى يتم البيع أو يتفرق البائع والمشتري. تطرقنا لبيع المزايدة، بيع من يزيد، الذي يسمى بيع الحراج، وقلنا الجمهور من أهل العلم على جوازه، بل نقله بعضهم إجماعاً كابن عبد البر وابن قدامة وغيرهما، والصحيح أن فيه خلاف، لكن الصحيح هو جوازه أيضاً. ذكرنا فائدة تتعلق ببيع المزايدة، بيع الحراج: أنه لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة، لا يجوز الفسخ، رست البيع على شخص، قالوا: الله يبارك، شوية إلا قال: يا جماعة أنا معادي أريد الصيد، هذا الصيد، خلاص ما أريده، كيف أنت قد رست عليك البيعة؟ قال: لا أنا ما أريده، يقال: لا، ملزم بأخذه، ملزم بأخذه. ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه لا يجوز الفسخ في بيع المزايدة، فيكون ماذا؟ البائع قد خسر جميع المشترين، قد خسر جميع المشترين إذا فسخ العقد، رست عليه البيعة، رست عليه البيعة. أيضاً تكلمنا حول بيع يسمى ببيع النجش، وهذا قلنا لا يجوز، يزيد شخص في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ولكن ليغري غيره بأن يشتري هذه السلعة أو أن يزيد في سعرها، وهذا كما سبق لا يجوز، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش، وقال: «وَلَا تَنَاجَشُوا». أيضاً ذكرنا بيعاً ذكرنا بيعاً يسمى بيع العينة، ﴿ إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ﴾، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من أنواع البيوع، وقلنا له صور، من أشهرها: أن يبيع شخص سلعة لآخر بالآجل، بالآجل، ثم بعد ذلك يقوم البائع بشرائها من المشتري بثمن نقد، ويكون في الغالب أقل من ثمن البيع السابق، باعها عليه بمئة ألف فيها إلى آخر الشهر أو شهرين ثلاثة أشهر، مدة معلومة وثمن معلوم آجل، بعد أن يأخذ السلعة يقول له: ما رأيك تبيعها لي بثمانين نقداً الآن؟ فهذا هو بيع العينة، وقلنا هو يعتبر حيلة على الربا، حقيقته أعطاه ثمانين ألف وسجلها عليه مئة، فهذا قرض جرّ لصاحبه نفعاً، جرّ لصاحبه نفعاً، والجمهور من أهل العلم على تحريمه. ذكرنا مسألة شبيهة ببيع العينة، ألا وهو ما يسمى ببيع التورق، بيع التورق، من أهل العلم من عدّ التورق صورة من صور العينة فمنع منه، كما جاء ذلك عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ومال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر أهل العلم على جوازه، على جوازه، قالوا صورته: أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن معلوم لكنه آجل، مؤجل، مؤجل، ثم يأخذ هذه السلعة ويبيعها على شخص ثالث، ليش ما رجع بها إلى الأول؟ آه، ليش؟ الكل سيقول هذا من بيع العينة حرام، ربا، حيلة على الربا، قال: خلاص أنا سأخذ هذه السلعة من البائع الذي باعها لي آجل، وأخذها وأبيعها لشخص ثالث، شخص ثالث نقداً، اشتراها بمئة، باعها على الآخر بثمانين، سبعين، خمسة وسبعين، لكنها نقد، لكنها نقد. قلنا أكثر أهل العلم على جواز هذا النوع من أنواع البيوع، إلا أنهم اشترطوا فيه شرطين: الأول: قالوا أن يقبض السلعة، اشتراها من الأول بالآجل، قبض السلعة، ما هي السلعة؟ أي شيء، ثلاجة، غسالة، دراجة نارية، سيارة، أخذ السلعة إلى رحله، خرجت الثلاجة من المحل إلى الشارع إلى السيارة إلى بيته، ثم باعها لشخص آخر، فيكون قد قبض السلعة. الشرط الثاني: قالوا أن يكون فعل ذلك لحاجة، ليس لأجل الاستزادة من المال والمرابحة والمتاجرة، وإنما محتاج، عنده مريض سيجري عملية، عنده زواج قد حان وهو لا يملك من المال ما يكفي، حاجة ماسة تدفعه لذلك، فأجاز أكثر أهل العلم هذا النوع من أنواع البيع. وكما سبق أن الذي ينصح به التجار هو القرض الحسن، مساعدة المحتاجين، يأتيك واحد عنده مرض، آخر عنده زواج، ثالث عنده ظرف صعب يمر به، لا تجعله يلجأ إلى مثل هذه المعاملات، وإنما أقرضه قرضاً حسناً يضاعفه الله عز وجل لك، فيترك التورق، هذا هو الأحوط، وهذا هو الأكمل، وهذا هو الأكمل. أيضاً من هذه البيوع المنهي عنها: بيع، أو بيع السلعة قبل قبضها، قبل قبضها، ومعنى ذلك: أن يشتري سلعة من شخص ثم يبيعها قبل أن يقبضها ويحوزها، ذهب إلى وكالة المكائن البحرية، اشترى مكينة أربعين خيل بكم؟ قال: بكذا وكذا، فقبل أن يأخذها من محل المكائن يذهب ويتفق مع شخص على أن يبيع له هذه المكينة، طيب هل أخذتها إلى رحلك؟ أخرجتها من مكانها؟ الجواب: لا. نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا النوع من أنواع البيع، جاء في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، حَتَّى يَقْبِضَهُ»، وجاء في حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، إلى رحالهم. حديث أبي هريرة متفق عليه، وحديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى، والعلماء متفقون على أنه لا يجوز أن يبيع الطعام قبل قبضه، في الطعام اتفاق، وفي غير الطعام من السلع الأخرى هناك خلاف بين أهل العلم، والصحيح هو أن النهي عام، في الطعام وفي غيره، وفي غيره، وهو قول ابن عباس وجابر، وهكذا أيضاً هو مذهب الشافعي، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا تلميذه ابن القيم رحمة الله عليهم، وهكذا غيرهم من أهل العلم، لعموم الأحاديث، وهكذا قياساً على الطعام، وهكذا قياساً على الطعام. إذن لا يجوز أن يبيع سلعة هو قد اشتراها، أن يبيعها لآخر حتى يقبضها، حتى يقبضها، وذلك لأنه لم يضمنها بعد، لم يضمنها بعد. أيضاً من هذه البيوع المنهي عنها: قالوا بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، بيع الثمار قبل بدو صلاحها، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: قال أنس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ، مَالَ أَخِيهِ». وهكذا في حديث ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع، نهى البائع والمبتاع. الآن أتيت إلى شخص عنده نخل والنخل لا يزال أخضر، يسمى غاسي، طيب هل يجوز شراء هذه الثمرة من هذا النخل؟ الجواب: لا، ما يجوز، لماذا لا يجوز؟ لأنه لم يبدو صلاحه بعد، قد يأتي مطر ويتلف، قد تأتي جائحة ويتلف هذا الثمر. طيب إذن ما هو الحل؟ يقال: ينتظر حتى يبدو صلاحه، يحمر أو يصفر، فإذا بدى صلاحه جاز، جاز بيعه، جاز بيعه. ويعرف بدء الصلاح في النخيل بإحمراره أو إصفراره، وفي العنب قالوا: حتى يسود، حتى يسود، وتبدو فيه الحلاوة، وأما في الحب فقالوا: بأن ييبس ويشتد، ييبس ويشتد، ونحو ذلك في بقية الثمار، في بقية الثمار. لو بدأ الصلاح في خيل، خيلين مثلاً، وبقية النخلة لم يبدو الصلاح فيها، قال العلماء: بدء الصلاح في بعض النخلة أو بعض الشجرة، ليمون، بدأ الصلاح في كم حبات منها، فهذا يعتبر صلاحاً لجميعها، بدون خلاف بين أهل العلم. طيب لو عندك بستان فبدأ الصلاح في بعضه والبعض الآخر لم يبدو، فيجوز أن يباع البستان بكامله إذا بدأ الصلاح في بعض أشجاره، في بعض أشجاره. وأكثر أهل العلم على ما سبق وهو عدم جواز بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، ونقله بعضهم إجماعاً، لكن متى هذا؟ إذا كان سيتركه، أخذه غير ناجح، لم يبدو صلاحه وسيتركه في الشجرة حتى ينجح وينضج، يقال: ما يجوز. لكن إذا كان سيقطعه في الحال، فيجوز هذا النوع من أنواع البيع، إذا كان سيقطعه في الحال يجوز ذلك، يجوز ذلك، إذا كان سيقطع في الحال أو ممكن أن ينتفع به كأن يكون علفاً للمواشي وما شابهها، فالحكم كما قال أهل العلم يدور مع علته وجوداً وعدماً. أخيراً بقي معنا أمران: الأمر الأول: مسألة تسمى ببيع التقسيط، بيع التقسيط، ما حكمه؟ يجوز أن يبيع الشخص السلعة على أقساط، على أقساط؟ الجواب: أكثر أهل العلم على جوازه، أكثر أهل العلم على جواز بيع التقسيط، وهو قول الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، بل نقله بعضهم إجماعاً، نقله بعضهم إجماعاً، والذي يظهر أن هذا النوع من أنواع البيع فيه خلاف يسير، فيه خلاف يسير، إلا أن أكثر أهل العلم على، على جوازه. ويشترط في صحة بيع التقسيط، إضافة إلى شروط صحة البيع التي سبق ذكرها، يشترط أن تكون السلعة بحوزة البائع وتحت تصرفه عند العقد، كيف يفعل بعض الناس اليوم؟ يبيع سلعة لشخص آخر تقسيط، كل شهر تدفع جزء معين من ثمن هذه السلعة، يكتب عقد ويحدد الأقساط، السلعة عادتها ما هي موجودة، البائع بعد أن يكتب العقد سيذهب ويأتي بالسلعة، يشتريها من محل ويبيعها على هذا المسكين، هذا لا يجوز لأنه يعتبر من بيع ما ليس عنده، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». أيضاً قد يعجز المشتري عن بعض الأقساط، يقول له: شف، إذا جاء آخر الشهر ولم تدفع القسط عليك غرامة زائدة، عليك غرامة زائدة، لا، هذا لا يجوز، فلربما جره إلى أن يقع في الربا، أن يقع في الربا. الأمر الأخير: هو ما يتعلق بالإقالة في البيع، ومعنى الإقالة: هو أن يرفع العقد الذي وقع بين المتعاقدين ويفسخ، ويفسخ، مثلاً اشترى شخص من آخر، اتفق على البيع وعلى الثمن، قبض المشتري السلعة وأخذ البائع الثمن، تفرق البيعان بالخيار ما لم يتفرق، ندم أحدهما على البيع وأراد أن يرجع عن البيعة، البيع ملزم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هذه من الأمور التي ينبغي أن يحصل فيها التسامح وأن يحصل فيها العفو بين المتعاقدين، بين البائع وبين المشتري. نسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن ينفعنا بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم أجمعين.