شرح مختصر سيرة الرسول 77

شرح مختصر سيرة الرسول 77

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 77، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحداث صلح الحديبية وبيعة الرضوان

يستعرض الشيخ أحداث السنة السادسة للهجرة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة ومنع قريش له. وقعت بيعة الرضوان تحت الشجرة بعد إشاعة مقتل عثمان، ثم جاء خبر استعداد قريش للقتال.

مفاوضات الحديبية ورد النبي على قريش عبر عروة بن مسعود

عرض النبي صلى الله عليه وسلم الصلح على قريش فتفاوض عروة بن مسعود وهدد بفرار الصحابة. رد أبو بكر رضي الله عنه بقوة فأقر عروة بفضله وامتنع عن المجادلة.

تعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وحصر التبرك بآثاره

يبيّن المقطع تعظيم الصحابة للنبي بأخذ نخامته ووضوئه تبركاً، مؤكداً أن هذا خاص به وحده لا يصح مع غيره. حذر الشيخ من بدع الصوفية في التبرك بآثار المشايخ والسالكين.

ختام الدرس وقبول خطة الرشد

أعلم الشيخ الحضور بملخص ما سبق وعرض عليهم خطة الرشد التي قبلوها. أنهى الجلسة لانتهاء الوقت المحدد.

  • 24 جمادى الأولى 1442هـ - 07/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، على آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبعد انقطاع دام ما يقارب ثلاثة أسابيع، نبدأ إن شاء الله في المواصلة في هذا الكتاب: "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد وصلنا في هذا الكتاب إلى ما ذكره المؤلف من ذكر أحداث السنة السادسة من الهجرة، وذكر من أول هذه الأحداث: صلح الحديبية. وقد قرأنا شيئًا مما ذكره المؤلف في ذكر هذا الصلح، فذكر رحمه الله خبر خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى مكة للعمرة لا للقتال. فكم خرج معه من الصحابة؟ كم كان عدد الصحابة الذين خرجوا معه في هذا الصلح؟ كم كان عددهم؟ نعم، ألف وأربعمائة. وهذا الصلح أيضًا يسمى بيعة أهل الشجرة، وبيعة أهل الرضوان؛ بأن هذه البيعة وقعت مبايعة الصحابة للنبي وقعت تحت الشجرة. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، سُميت أيضًا أهل بيعة الرضوان لقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يُراد بالمؤمنين هنا من بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الهدي، فأشعره وأحرم بالعمرة. فلما كان قريبًا من عسفان أتاه الخبر أن الكفار والمشركين قد جمعوا جموعًا يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم وصده عن البيت. فأرسل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى قريش يخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ لقتال وإنما جاء معتمرًا. ولكن قريش أبت ذلك، أبت أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين. وجاء إشاعة مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى البيعة، فتبادروا إليه دون تأخر ولا تردد، فبايعوه عليه الصلاة والسلام على أن لا يفروا. فأخذ بأيدي كل واحد منهم. وهل بايع عثمان؟ كيف وهو في مكة؟ وكل من بايع عن عثمان عليه الصلاة والسلام فأخذ بيد نفسه وقال: «هذه عن عثمان، هذه عن عثمان». ومن هو الصحابي الذي بايع ثلاث مرات؟ أحسنت: سلمة بن الأكوع. نكمل إن شاء الله. وقفنا عند هذا الموضع. قال المؤلف رحمه الله الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: «وبايعه سلمة، فقال: فبينهم... فبينهم كذلك». إذ جاء بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أهل تهامة، يعني لم يكونوا بشديد العداوة للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: كان بينهم وبين الله صلى الله عليه وسلم شيء من المواصلة والمناصحة. فجاء بديل فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل». ومعنى العوذ المطافيل: أي الأمهات التي معها أطفالها. الأمهات التي معها أطفالها. وكان المشركون يخرجون المقاتلين مع زوجاتهم وأبنائهم حتى لا يفروا، وحتى يدافعوا عن أعراضهم وأبنائهم. فخرج هؤلاء مع نسائهم وأطفالهم. قال: «وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين. وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم». لأنهم هزموا في غزوة أحد، وقبلها في غزوة بدر. قال: «وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم» يعني صالحتهم. «فإن شاءوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا». يعني يخلوا بيني وبين الناس الذين اتبعوني وهاجروا معي. «فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا» أي إلى الإسلام. «وإلا فقد جَمُّوا» يعني سلموا وبقوا على ما هم عليه. «وإن أبوا إلا القتال، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي». والسالفة هي صفحة العنق، صفحة العنق، وهي كناية عن القتل. «أو لينفذن الله أمره» يعني يُمضي الله أمره. قال بديل بن ورقاء: «سأبلغهم ما تقول». فانطلق حتى أتى قريشًا، فقال: «إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولًا، فإن شئتم عرضته عليكم». فقال سفهاؤهم: «لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء». هذا من شدة العداوة، وهذا من السفه. وقال ذو الرأي منهم يعني العقلاء منهم: «هاتِ ما سمعته يقول، هاتِ ما سمعته يقول». قال: «سمعته يقول كذا وكذا» يعني أخبرهم بما أخبره به النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عروة بن مسعود: «إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد» يعني أمر رشد وهو الصلح، «فاقبلوها، ودعوني آته». فقالوا: «ائته» يعنيذن لي أن أذهب إليه. فأذن له، فأتاه. فجعل يكلمه، أي عروة. وجاءت رواية أن المغيرة بن شعبة كان على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف والمغفر. فكان عروة إذا أراد أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم أشار بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، فكان المغيرة يضرب بنصل السيف يده، ويقول له: «أَخِّرْ يدك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: فجعل يكلمه، فقال له نحوًا من قوله لبديل، يعني نفس الكلام الذي كلمه به بديل. فقال عروة: «أي محمد» أي يا محمد، وأيّ من أدوات النداء يُنادى بها القريب. قال: «أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟» يعني إذا أبيت إلا القتال، إذا لم يستجيبوا لك ويدخلوك إلى مكة، هل ستجتاح أهلك؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة. «وإن تكن الأخرى» يعني ستقاتل مع أصحابك، «فوالله إني لأرى أوشابًا» في لفظ: أوباشًا. صح؟ ماذا عندهم؟ أوشابًا. والأوشاب: هم الأخلاط. أشواب وأوشاب: أي أخلاط من أنواع شتى. قال: «فوالله إني لأرى أوشابًا من الناس خليقًا» أي حريًا «أن يفروا ويدعوك» يعني ما يقاومون ولا يصمدون، وإنما يخافون ويهربون. فقال أبو بكر، مخاطبًا لعروة: «امضض بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟» يعني سبه بهذه السبة. فقال له: «امضض» يعني امصص، «بظر اللات» يعني فرج اللات. قال عروة: «من ذا يا محمد؟» من هذا الذي رد بهذا الرد؟ فقال النبي: «أبو بكر». قال: «أما والذي نفسي بيده» أي قال عروة: «لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك». يعني قدم أبو بكر لعروة معروفًا في الجاهلية، ولم يجزه عروة على هذا المعروف، فبسبب هذا المعروف لم يجبه، لم يرد الكلام بكلام مثله. قال: «وجعل يكلم النبي» أي عروة، «وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويرمق أصحابه» يعني ينظر إلى أصحابه. فقال: «فوالله ما تَخَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده». وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في حضرته، فلم ينكر عليهم، بل يقرهم على ذلك، فدل ذلك على جوازه، ويكون ذلك من خصوصيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما غيره فلا يجوز، لا يجوز أن تؤخذ نخامة أحد، ولو بلغ ما بلغ من الصلاح ومن الولاية، لا نخامته، ولا عرقه، ولا شعره، ولا عمامته، ولا ما فضل من وضوئه، ولا شيء من ذلك. فلو كان هذا يجوز مع غير النبي صلى الله عليه وسلم لفعله الصحابة مع أبي بكر، وهو أفضل الصحابة وأفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، فولي أعظم ولاية من أبي بكر من هذه الأمة، فما يفعله الصوفية من أخذ سواك مشايخهم ووضعه في أفواههم تبركًا بما قد يعلق في هذا السواك من الريق والبزاق ونحو ذلك، هذا من البدع، هذا من البدع لا يجوز. وهكذا القول في التفل والنخامة ونحو ذلك، لا يجوز هذا إلا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيقول عروة: قال: «فَوَاللَّهِ مَا تَخَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِّنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ». قال: «وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ» يعني إذا أمرهم بأمر سارعوا وبادروا للاستجابة لأمره، ما يترددون ولا يتأخرون. وهذه هي المحبة الحقيقية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو فعل الصحابة الذين هم من أعظم الناس محبة للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وُضُوئِهِ» يعني تبركًا بما فضل من وضوئه. وهذا قلنا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ» يعني لا يرفعون أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا استجابة لما أمرهم الله به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. قال: «وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ» يعني ما يكررون النظر إليه إلى النبي عليه الصلاة والسلام تعظيمًا له عليه الصلاة والسلام. هذا يحكيه عروة، وكان مشركًا وقبل إسلامه. قال: «فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: يا قومي، يعني يا قومي، أي حرف نداء للقريب. قال: والله لقد وفدت على الملوك: كسرى، وقيصر، والنجاشي، يعني ملوك فارس والروم، وكذلك الأحباش. والله ما رأيت ملكًا يُعظَّم أصحابه كما يُعظَّم أصحاب محمد محمدًا». إن هنا نافية، يعني: ما رأيت ملكًا يُعظَّمه أصحابه، أي التعظيم الشرعي من مبادرة أمره، ومن عدم تكرار النظر إليه، ومن حراسته، والحفاوة به، ونحو ذلك مما فيه معنى التعظيم. فقال: «ما رأيت ملكًا يُعظَّم أصحابه كما يُعظَّم أصحاب محمد محمدًا». قال: «والله ما تَخَمَّ نخامة إلا وُضِعَتْ في كَفِّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده». ثم أخبرهم بجميع ما تقدم، ثم قال: «وقد عرض عليهم خطة رشد فاقبلوها». طيب، لانتهاء الوقت، إن شاء الله نكتفي إلى هنا، والله تعالى أعلم.