حث الرحمن على العفو والمعروف والإحسان

الدرس في حث الرحمن على العفو والمعروف والإحسان، والتي كانت بدار الحديث بالصبيحة بلحج 5 جمادى الأولى 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل العفو والتسامح في الإسلام

يُشجع الإسلام على خلق العفو والتسامح ويبين فضله مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. العفو والتسامح يُعدان من أعظم الفضائل التي تحث عليها الشريعة الإسلامية.

أهمية الصدقة والإصلاح بين الناس

الصدقة والإصلاح بين الناس لهما أهمية كبيرة في الإسلام، حيث يضاعف الله أجر الصدقة ويبارك في المال. كما يحذر الإسلام من الشيطان الذي يسعى لإفساد العلاقات بين الناس.

أثر الصدقة والمعروف في الدنيا والآخرة

الصدقة والمعروف لهما أثر كبير في الدنيا والآخرة، حيث تبارك المال وتنميه وتكون سببًا في النجاة من النار ودخول الجنة. كما أن بذل المعروف والإحسان إلى الآخرين حتى الحيوانات يُثاب عليه الإنسان.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أجارني الله وإياكم من البدع والضلال والنار. عباد الله، إننا نحمد الله عز وجل الذي يسر لنا زيارتكم في هذا المركز المبارك في هذه المنطقة الطيبة التي نسمع عنها وعن أهلها خيرا كثيرا. كما أننا نشكر شيخنا الشيخ يسلم حفظه الله تعالى ومن كان معه، والقائمين في هذا المكان على إكرامهم لنا وحسن استقبالهم لنا وحسن ظنهم بنا. وهذا هو شأن ودأب أهل السنة والجماعة. عباد الله، إن ديننا الإسلام حثنا على أمور كثيرة، وإن من الأمور التي حث عليها الدين الإسلامي وبين أنها من الأمور المهمة التي تكون بين الفرد والجماعات ويحتاج إليها الجميع هذا الخلق، أعني به خلق العفو والتسامح. ربنا سبحانه وتعالى حث عليه في كتابه لأنه يعلم سبحانه وتعالى أنه يحصل بين الناس سوء التفاهم وأمور لا يرضاها البعض من الآخر. ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. ادفع بالعفو والتسامح، هذا هو المقام الحسن والأفضل في دفع ما يحصل بينك وبين أحد من الناس. فادفع بالحسن وذلك يكون بالعفو والتسامح والصفح عنه، فهذا خلق عظيم. ومما يدل على عظمته وعلى أن المسلم محتاج إليه حتى طالب العلم محتاج إلى أن يتخلق بالعفو والصفح. كيف لا والله عز وجل يحث نبيه ويأمره به؟ قال سبحانه وتعالى لنبيه: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾، وقال سبحانه وتعالى لنبيه: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. فيا طالب العلم ويا أيها المسلم عموما، ويا طالب العلم خصوصا، تخلق بهذا الخلق. تخلق بهذا الخلق، فليكن من شأنك ودابك أنك تعفو وتصفح وتتنازل عن حقك. أتدري أن الخلق والصفح هو من صفات المتقين؟ قال الله عز وجل: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. فمن صفات المتقين أنهم يعفون عن الناس. فهل أنت منهم؟ الكل يرضى أن يكون ويتمنى أن يكون من المتقين لأن للمتقين مفازة لهم أهل الجنة. فالكل يتمنى أن يكون منهم، فهل حرصت على أن تتصف بصفاتهم؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: حقيقة العفو إسقاط حق ثابت كرما وجودا مع القدرة على الانتقام. فمن مثل لا يأخذ بحقه بسبب أنه ضعيف لا يقدر أن ينتزع ملكه من شخص قوي، هذا ما يسمى عفو. لكن العفو لما تكون قادر تستطيع أن تنتقم ممن آذاك، عندك القوة أن تأخذ حقك، لكن تقول: أعفو عنه، تتنازل عن حقك كرما وجودا، هذا هو العفو. في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه». رواه مسلم. الشاهد يا عباد الله: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا». فيظن بعض الناس لما يعفو يتنازل عن حقه يقول: ليش أنت تهين نفسك؟ لماذا تهين نفسك؟ أليس لك شخصية؟ أليس لك احترام؟ أليست لك قدرة تأخذ حقك؟ تنتقم من جارك؟ تنتقم ممن آذاك؟ فلما لا تنتقم ولا تأخذ بحقك؟ أنت ذليل. لا، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا». أصبح هذا الإنسان الذي عفى عمن أساء عليه عزيز عند الله عز وجل. أترضى أن تكون عزيزا عند الله؟ نعم، سهل أن أعيش حياتي عزيزا عند الناس، المهم أن أكون عزيزا عند الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿فمن عفى وأصلح فأجره على الله﴾. لا إله إلا الله، تعفو تصفح تتنازل عن حقك، هل يضيعك؟ لا، من يكافئك؟ الله عز وجل، فأجره على الله. أجر لك عند الله عز وجل بسبب أنك قد عفوت عن من أساء إليك. فيا طالب العلم ويا عبد الله، تخلق بهذا الخلق العظيم. لك هذه الأجور: العزة عند الله، أجرك على الله. وجاء في صحيح البخاري ومسلم أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كان تاجر يدين الناس يتاجر، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فتجاوز الله عنه». رواه البخاري. أيها المسلم، فتجاوز الله عنه. ما أعظمه من أجر أن يتجاوز الله عز وجل عنك، يعفو عنك وعما أخطأت وعما وقعت فيه من الخطأ والزلل. يتجاوز عنك، لربما أدخلك بهذا التجاوز الجنة. وهكذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما تكلم من تكلم في عرض عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وعن الصحابة أجمعين. منهم مصطح ابن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، كان رجلا ثريا، وكان أبو بكر ينفق عليه. فلما برأها الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر الصديق: والله لا أنفق عليه. أنزل الله عز وجل: ﴿ولا يأتلي أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾. سمع أبو بكر هذه الآية، قال: بلى، أحب أن يعفر. فكفر عن يمينه وأعاد النفقة عليه. رضوان الله تعالى عنهم أجمعين. وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: كل من ذكرني فهو في حلم مسامح للجميع يعفو عن الجميع. هؤلاء سلفنا الصالح، وقبلهم النبي عليه الصلاة والسلام كانوا متخلقين بهذا الخلق يعفو ويصفح عن الناس. فاعفو يا عبد الله وسامح، لا سيما طلبة العلم. فإن من مداخل الشيطان على طالب العلم وعلى الدعاة القائمين بالدعوة أن يحصل بينهم شيء فيأتي الشيطان ويقول: لماذا تسامح؟ لماذا تعفو؟ هذا ما أذن مر بجانبك ولم يسلم عليك. فأصبحت القلوب ممتلئة على بعضها البعض. وما أن تأتي أي شيء وأي شر وأي فتنة إلا وإذا بالناس يفترقون ويختلفون. فلا يعبد الله. وهكذا من مداخل الشيطان على طالب العلم وهو في درسه وهو في سكنه ومسكنه يدخل عليه الشيطان بعض الأشياء بينه وبين جاره الذي يدرس معه. فيقول: هذا يفعل لك كذا، سرق عليك كذا. بسبب هذا الذي بجوارك هذا تكلم ويقصد لي ولو كان يصدك. قل: عفوت عنه، سامحت. لا تدخل ولا تجعل للشيطان مدخلا لك فيفسد بينك وبين أخيك المسلم وبين المسلمين أجمعين. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من العافين عن الناس. اللهم اعفو عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا زيارتكم واللقاء بكم في هذه القرية الطيبة وفي هذا المركز المبارك. وهذه الدار من دور العلم السلفية التي يقوم عليها أخوان الشيخ الفاضل يسلم الصبيه حفظه الله ومن معه. وهذه نعمة عظيمة أن يمن الله جل وعلا على أهل البلد بمن يعلمهم ومن يفقههم ومن يضيء لهم الطريق في سيرهم إلى الله جل وعلا. ينصحهم ويوجههم ويبث فيهم العلم الذي به حياتهم في الدنيا والآخرة. هذه نعمة عظيمة تحتاج منكم إلى شكر وإلى معرفة عظم قدرها وعظيم منزلتها. العلم عباد الله غيث تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بغيث السماء. الله عز وجل ينزل الغيث على الأرض الميتة على الأرض القاحلة فتحيا هذه الأرض بنزول الغيث عليها فتنبت النبات وتخرج الزرع وتظهر الثمار وتأكل البهائم منها فيحصل في ذلك النفع العظيم. النبي صلى الله عليه وسلم شبه هذا العلم الذي بعثه الله به كالغيث كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا». العلم كالغيث الذي ينزله الله سبحانه وتعالى فينتفع الناس منه من مكثر ومقل. العلم يحيي القلوب كما تحيى البلاد إذا ما مسها المطر. والعلم يجلي العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر. فهذه النعمة العظيمة يحتاج من الجميع من أهل هذه البلاد أن يحمدوا الله جل وعلا عليها وأن يحافظوا عليها وأن يعينوا القائمين عليها بما يكونوا سببا في حفظها ودوامها واستمرارها. سمعنا في كلمة أخينا الفاضل عايض النمور حفظه الله تلك الكلمات النافعة والكلمات الطيبة في ذلكم الخلق من الأخلاق الكريمة التي حث عليها الإسلام ورغب فيها. دين الإسلام هو دين الخلق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». كما في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ولذلك رغبت الشريعة في كل خلق كريم كان عليه الناس قبل الإسلام في الجاهلية. فجاء الإسلام بالحث عليه والترغيب فيه. وكل خلق ذميم كان عليه الناس قبل الإسلام جاء الإسلام بالنهي عنه والتحذير منه. قال إمام القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين: الدين كله خلق. فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين. أي كلما كان العبد أكمل في أخلاقه وفي أقواله وأفعاله متخلقا بالأخلاق الحسنة والأخلاق الفاضلة كلما كان بذلك أكمل إيمانا من غيره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا». كما في الصحيح. وجاء في خارج الصحيح قال: الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون. ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف. أي الذي لا يألف الناس ولا يستطيع أن يعيش معهم لسوء خلقه وفساد طباعه ولا يألفه الناس فلا يحبون الجلوس معه ولا كذلك مصاحبته لما هو عليه من أخلاق سيئة. هذا من دلائل ضعف إيمانه. فإذا كمل إيمان العبد كملت أخلاقه. فلذلك كان هذا الدين كما سمعنا من أكمل الأديان في أحكامه وفي شرائعه وفي أوامره ونواهيه في باب العقائد وفي باب العبادات وفي باب المعاملات وفي سائر أبواب الدين. وقد أمرنا الله جل وعلا أن نأخذ هذا الدين من جميع جوانبه كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾. أي خذوا الدين من جميع جوانبه. فلا تهملوا جانبا على حساب آخر. سأذكر في هذا المقام وفي هذا المجلس آية من كتاب الله جل وعلا فيها ذكر خلق من هذه الأخلاق الفاضلة المباركة. ننظر شيئا من معانيها وفضائلها. وهي قول الله عز وجل: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نوتيه أجرا عظيما﴾. فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه لا خير في كثير من نجوى الناس. أي فيما يتكلمون به ويتناجون به فيما بينهم. والنجوى هو كلام المرء مع أخيه بصوت منخفض بحيث لا يسمعهما أحد. قال عز وجل: ﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾. أي من كان ما كان كلامهم في مثل هذه الأمور الثلاثة فهو من خير ما يتكلم به وما يتناجى فيه. من أمر بصدقة. وما أدراك ما عظم الصدقة وعظيم نفعها وكبير أجرها عند الله جل وعلا. وربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم مخبرا بعظم أجر ما ينفقه المسلم. قال سبحانه: ﴿مثل ما ينفقون في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾. الله عز وجل فضله كبير وعطاؤه جزيل. الذي ينفق أمواله في سبيل الله يتصدق على الفقراء وعلى المساكين وعلى الأيتام وعلى طلاب العلم الذين يقبلون على تعلم دين الله جل وعلا. قال عز وجل: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾. حبة واحدة يغرسها في الأرض فتخرج هذه الحبة سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة. أي ضاعف الله عز وجل هذه الصدقة الواحدة إلى سبع مئة ضعف. أنظروا إلى عظيم أجر الله عز وجل وثوابه. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما نقص مال من صدقة». فلا تظن أنك إن تصدقت فإن ذلك ذهاب لمالك وأنه سبب لنقصانه. بل هو سبب لزيادته والبركة فيه. كما قال عز وجل: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾. يمحق الله الربا أن يذهب بركتها فلا ينتفع صاحب الربا بهذه الأموال مهما تكاثر منها ومهما زاد في اقتنائها فإنها لا بركة فيها. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة». والحديث صححه شيخنا الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وأكبر شاهد على ذلك الواقع. فكم تجد من أهل الربا الذين يتعاملون بالمعاملات الربوية لربما يجدون في اللحظات مئات الآلاف. وما تدري إلى وقد ذهبت عليهم إما بسرقة أو إحراق أو أمراض وأسقام أو غير ذلك من المصائب والابتلاءات. لا بركة فيها ولا خير فيها. لكن الصدقة يبارك الله عز وجل فيها. يمحق الله الربا ويربي الصدقات. أي ينميها ويضاعفها ويكثرها لصاحبها. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من تصدق بصدقة من كسب الطيب فإن الله عز وجل لا يقبل إلا الطيب فإن الله يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوة حتى تكون مثل الجبل». يربيها أي ينميها ويكثرها الله عز وجل له. كما يربي الواحد فلوة أي الصغير من الخيل حتى تكبر وتعظم فتكون كالجبل. ويصدق يسيرة وصدق قليلة لكنها عند الله سبحانه وتعالى عظيمة. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام مخبرا بعظم الصدقة التي تصدق بها المسلم والتي ينفقها في وجوه الخير وفي وجوه البر. لرب صدقة يسيرة تكون سببا في نجاتك من النار. كما جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم. وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم. وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار. فاتقوا النار ولو بشق تمرة. ولو بشق تمرة نصف تمرة تتصدق بها تكون سببا في نجاتك من النار. وفي حديث عائشة في الصحيح لما جاءتها مسكينة ومعها ابنتان تسألها. قالت: فلم أجد غير ثلاث تمرات. عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خير نساء هذه الأمة وزوجها خير الخلق وخير الرسل والأنبياء. لا تجد في بيتها إلا ثلاث تمرات. ومع ذلك فتتصدق بها وتنفقها. والواحد منا لربما يوجد في بيته من الطعام ما يكفيه شهرا أو شهرين أو أكثر من ذلك. ثم تجده من أبخل الناس في باب الصدقة والإنفاق. فتعطيها عائشة رضي الله تعالى عنها هذه الثلاث التمرات. فتأخذ ابنتها الأولى تمرتها فتأكلها. ثم تأخذ الثانية تمرتها فتأكلها. والأم تريد أن تأكل تمرتها. وإذا بابنتيها ينظران إليها. فتشفق عليهم فتبسم التمرة بينهما. تعطي لهذه نصف وللأخرى نصف الآخر. ولم تأكل شيئا. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام أخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم بما رأت من هذا المنظر ومن هذا الحال ومن هذا الفعل من هذه الأم مع طفليها وابنتيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قد أوجب لها الجنة أو حرم عليها النار أو كما قال عليه الصلاة والسلام». ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحكرن من المعروف شيئا». لا تحكرن من المعروف شيئا ولو كان شيئا صغيرا ولو كان شيئا قليلا. فإنه عظيم عند الله جل وعلا إلى صدقة فيه النية وأخلصت فيه النية فإنه يعظم عند الله سبحانه وتعالى. الصدقة أيها المسلم قد تكون سببا عظيما في زيادة رزقك وإنعام الله سبحانه وتعالى عليك. سواء كانت الصدقة الواجبة من إخراج زكاة المال التي أوجبها الله جل وعلا في الأموال التي تجيب فيها الزكاة. أو كانت صدقة مستحبة. فكذلك. ففي صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل يمشي في فلات من الأرض يمشي في فلاء في صحراء». قال: إذ به يسمع صوتا في السحاب سحاب تجمع. فيسمع صوتا في هذا السحاب يقول: اسقي حديقة فلان ابن فلان. اسقي حديقة فلان ابن فلان. سحابة مرسلة من الله جل وعلا. قال: فتتبع هذه السحابة. قال: فأفرغت ماءها في شرجة من الشراج مسيل الماء. وتتبعها حتى أتى على رجل وهو في مزرعته. وإذ به يوزع هذا الماء في مزرعته. فقال: يا فلان، مسمك؟ قال: اسمي فلان ابن فلان. الاسم الذي سمعه في السماء. قال: يا هذا، لما تسألني عن اسمي؟ قال: قد سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماءه يقول: اسقي حديقة فلان ابن فلان لاسمك. فما تصنع فيها؟ قال: ما إذ قلت ذلك. فإني أنظر إلى ما يخرج من هذه الأرض فأقسمه أثلاثا. ثلثا أتصدق به وثلثا أنفقه على أهلي وثلثا أرده في الأرض. انظروا إلى عظيم أجر الصدقة. يتصدق بثلث ما يخرج من هذه الأرض يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. فيرسل الله عز وجل له سحابة باسمه لا تسقي غير أرضه ولا تسقي غير مزرعته. انظروا عباد الله كم نشتكي في هذه الأزمان من قلة الأمطار ومن قحط الأرض وقلة الغيث. ولو نظر الواحد منا في نفسه كيف هو مع ما أوجب الله عز وجل عليه من الصدقة والزكاة والإنفاق وإخراج ما أوجب الله جل وعلا استجابة لأمر الله ورغبة فيما عند الله. وكذلك محبة لأوامر الله سبحانه وتعالى. ستجد التفريط الكثير والتضيع الكبير من كثير من المسلمين إلا من رحم الله جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث من عمر: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع القطر من السماء». ولولا البهائم لم يمطروا. لأن الله عز وجل يرحم هذه البهائم التي تمشي في الأرض. ولولا رحمة الله لهذه البهائم لما أنزل الله عز وجل عليهم غيثا ولا أنزل عليهم مطرا. إذن الصدقة باب عظيم من أبواب الخير ومن أبواب البر ومن أبواب المعروف التي يتقرب بها المسلم إلى الله جل وعلا. ويتأكد ذلك على من وسع الله عليه وأنعم عليه سبحانه فأغناه من كنوز خزائنه. ينبغي أن لا يبخل بما أتاه الله في أبواب البر وفي أبواب الإحسان وفي أبواب الخير. وليعلم أن ذلك خير له وسيجد ذلك عند الله سبحانه وتعالى. وما تنفقون من خير تجدوه عند الله. هو خيرا وأعظم أجرا. وقال عز وجل: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾. أنت أيها المسلم تحتاج في الآخرة إلى حسنات تثقل موازينك وإلى أعمال تنجيك من عذاب الله وتكون سببا في فوزك بنعيم الله سبحانه وتعالى. ومن هذه الأعمال ما يتعلق بباب الصدقة والإنفاق. ستأتي هذه الأموال التي أنفقتها والتي تصدقت بها في ميزان حسناتك يوم القيامة. وهكذا أيضا المعروف. إلا من أمر بصدقة أو معروف. فإن فعل المعروف من الأعمال الفاضلة والأعمال المباركة التي أجرها عظيم وفضلها كبير. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول حين سئل: من أحب الناس إلى الله؟ قال: «أنفعهم للناس». أنفعهم للناس. كما جاء عند الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. الذي يبذل لهم المعروف ويبذل لهم الإحسان. سواء كان هذا المعروف حسيا أو كان معنويا. المعروف الحسي كيعانتهم بالأموال. يسد حاجة فقير أو حاجة مسكين أو حاجة يتيم. وينفق بأبواب الخير والبر. أو كذلك يعين من لا يحسن العمل. يعينه في عمله. ويعين من يريد أن يعينه أحد في رفع متاع أو في دفع دابة أو غير ذلك مما هو من باب المعروف. أو كذلك أيضا يريد من يشفع له بوجهته ورفعته ومنزلته عند الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اشفعوا توجروا». ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب. أو غير ذلك من وجوه الإحسان والبر. أو كان المعروف معنويا من نصحهم وتوجيههم وتعليمهم. فإن بث العلم وتعليم الناس من أعظم أنواع المعروف. بل هو أعظم من المعروف الحسي. لأن المعروف الحسي قد ينتفع به في الدنيا. وأما هذا المعروف فإنه سينتفع به في الدنيا وفي الآخرة. هكذا عباد الله. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولأن أمشي مع رجُل في حاجة فأقضيها له أحب إلي من أن أعتكف شهرا في مسجد». تعلمون أن الصلاة الواحدة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. ومع ذلك يجعل عليه الصلاة والسلام ذهابه مع أخيه المسلم لقضاء حاجته وتفريج كربته أحب إليه من بقائه واعتكافه في مسجده. انظر أيها المسلم إلى فضل المعروف. لا تتقاعس ولا تتكاسل ولا تتكبر إذا طلب منك أخوك المسلم أن تعينه في حاجته. أن تذهب إليه معه لشفاعة أو قضاء حاجة أو كذلك قيام بعمل من الأعمال التي يحتاجها. فإن ذلك من أفعال البر والخير. يا عباد الله، أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. الذين يبذلون الخير للناس وينفعونهم. ولا كذلك يكتمون عنهم ما يستطيعون أن يوصلوه إليهم من الخير. هم أهل المعروف في الآخرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة». وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة. وأول قوم يدخلون الجنة هم أهل المعروف. رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي عثمان رضي الله تعالى عنه. انظروا عباد الله إلى فضل المعروف. أنه سبب لدخول العبد إلى الجنة. وماذا تريد في هذه الحياة؟ ماذا تريد في هذه الدنيا من عبادتك لله ومن طاعتك وتقربك إلى الله إلا أن تنال جنة الله جل وعلا وأن تكون من أهلها ومن سكانها ومن من يرثون الجنة عند الله جل وعلا. هذا عمل من الأعمال اليسيرة ومن الأعمال القليلة التي لا تصعب على كثير من الناس. أن يبذل المعروف للناس. أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة. وأول قوم يدخلون الجنة هم أهل المعروف. إذن بذل المعروف سبب عظيم لنجاتك في الدنيا والآخرة. لنجاتك في الدنيا والآخرة. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». والحديث صححه علامة الألباني رحمه الله. النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن صنائع المعروف. أي فعل الإنسان المعروف وبذله للناس وإحسانه إليهم وكشف كرباتهم. وكذلك أيضا القيام معهم لما يحتاجون إليه. سبب لأن يدفع الله عز وجل عن العبد المصائب والابتلاءات. صنائع المعروف تقي مصارع السوء. فقد ينجيك الله جل وعلا من حادث من الحوادث الشديدة بسبب فعلك للمعروف. قد ينجيك الله عز وجل من هلاك ومن موت ومن مصيبة ومن كربة بسبب فعلك للمعروف. ومما ذكره أهل العلم عن رجل يقال له: ابن جدعان. هذا الرجل كان له إبل. كان له إبل كثيرة. وعنده جار مسكين ذو عيال. ففي فصل الربيع حين سمنت هذه الإبل وجعل يشرب من ألبانها. تذكر جاره المسكين فقال: لا تصدقن عليه بناقة ينتفع بها ويشرب هو وأولاده من ألبانها. فاختار أحسن ناقة حتى يهبها له. وهكذا ينبغي للمسلم إذا أراد أن يتصدق وإذا أراد أن ينفق. فلينظر إلى الأفضل وإلى الأكمل وإلى الأحسن. وربنا عز وجل يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. فنظر إلى أحسن ناقة فوهبها لجاره. وفرح جاره بها فرحا عظيما. فجعل يشرب هو وأولاده من ألبانها. ثم مرت الأيام وجاء فصل الصيف وقلت المياه. فذهب الرجل يبحث عن الماء. كعادة أهل البوادي إذا قلت المياه وجفت الأرض. فذهب يبحث عن مواضع المياه. فجاء إلى موضع وإذا بالماء في أسفل هذه الحفرة. فخرج الرجل بحثا عن الماء وإذا به يتيه في هذه الحفرة المظلمة. ثم بقي أياما وأبناؤه ظنوا أنه قد مات. ولم يسعوا السعي الحثيث في البحث عنه والنظر في حاله. ثم لما ظنوا أنه قد مات وحكموا عليه بذلك. نظروا إلى أمواله وإذا بالناقة التي وهبها لجاره لم يجدوها. فأتوا إلى الجار وقالوا: هاتي الناقة التي وهبها لك أبونا. قالوا: وما السبب؟ قالوا: إن أبانا قد مات. قالوا: ومتى ذلك؟ قالوا: منذ كذا وكذا. قالوا: وأين ذهب؟ قالوا: إلى المكان الفلاني. قال: فخذوني إليه. فأخذوا جارهم إلى ذلك الموضع الذي نزل فيه والدهم وذهبوا. وهذا الجار لم ينس هذا المعروف الذي أحسن به إليه. فربط حبلا على بطنه ثم نزل في تلكم الحفرة يبحث عنه. حتى وصل إلى موضع سمع فيه صوت الماء. وإذ به يسمع أنين الرجل في آخر رمقات حياته. فأنقذه وأخرجه وأحسن إليه. فلما ردت إليه روحه قال: ما الذي حدث؟ أخبره بما حصل له من تيه وضياعه في بحثه عن الماء. ثم إنه قال: كيف كنت في ذلك الموضع؟ ما هو غذاؤك؟ وما هو طعامك؟ قال: كنت أشرب من الماء. حتى إذا كاد أن يهلكني الجوع. قال: وإذ بإناء من لبن. وإذ بإناء من لبن. قال: فشربت في اليوم الأول. ثم في اليوم الثاني. ثم في اليوم الثالث. يتي هذا الإناء الذي فيه اللبن فيشرب منه حتى يرتوي. قال: ثم في اليوم الفلاني انقطع هذا اللبن. فقال له جاره: أتدري ما هو السبب؟ قال: وما هو؟ قال: إن أبنائك أتوا في ذلك اليوم فأخذوا الناقة التي وهبتها لي. انظروا عباد الله كيف أنجاه الله جل وعلا بسبب هذه الصدقة وهذا المعروف الذي بذله لجاره. أنجاه الله جل وعلا في ذلك الموضع في أشد الأحوال التي يحتاج فيها إلى من يعينه وإلى من ينجيه. فأنجاه الله سبحانه وتعالى بإحسانه ومعروفه. هكذا عباد الله، صنائع المعروف تقي مصارع السوء. فما أحسن المسلم أن يتقرب إلى الله جل وعلا بفعل المعروف. فكما أن بذل المعروف سبب للنجاة. سواء كان ذلك مع إنسان أو حتى مع الحيوان. لو أحسنت وبذلت المعروف مع الحيوان فإنك تؤجر على ذلك وتثاب. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «بينما رجل في فلات فأصابه العطش فوجد بئر فنزل فش