إرشاد أولي الفهم إلى رفعة العلم

الدرس في إرشاد أولي الفهم إلى رفعة العلم، والتي كانت بمسجد النقيب بصبر لحج 6 جمادى الأولى 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل العلم وأهميته

يُبرز أهمية العلم في الإسلام وفضله، حيث يُعدّ من أفضل الطاعات والقربات. طلب العلم طريق إلى الجنة إذا صلحت النية وأخلص فيها.

رفعة العلم وفضل حفظ القرآن والسنة

يُبين أن حفظ القرآن والسنة يرفع صاحبهما في الدنيا والآخرة، والعلم يرفع صاحبه ويجعله مكرمًا عند الناس. يُقدم أمثلة على علماء يُكرمون لعلمهم.

أثر العلم على الإنسان والحيوان والدعاء للنبي

يُظهر كيف أن العلم يرفع الإنسان والحيوان، ويُشدد على أهمية الإخلاص في طلب العلم. كما يتضمن الدعاء للنبي محمد وعلى آله وصحبه.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله بالصلاة والسلام على رسول الله وعلى صحبه، وعلى آله وصحبه، وعلى من سلك سبيلنا في هذا الوقت، وقت الغبار، وطلاب العلم والنبلاء من محبي الشكر، وعلى أرضنا من الشيء الكثير. عبد يوسف الشدري، عبد الله تعالى، بل واحد مبين بالمئة. ونقول لهم: حملته أهلا، ونزلته سهلا، وتبوأت من المنزلة منزلة. تبتم، وضع المشارك، وليعنى ربنا المفوانة المفوانون. ونسأل سبحانه أن يجعل زيارة ممالي خامس الجمه الكريم، وريادة الميزاني للسمادق. وليل كان سائرنا سائر المسورة، وعند المعامل متقبل المنظورة، ومعند المنظورة. ونرحب به، وكما قلنا: بأنه على الرئيس والمغل إياه الله، وإياه غير الوارد في هذا المزيد النبيل. فنجده إن شاء الله ستكون لشيخ ربيس الشريف من الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها. كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، كنا في رحلة دعوية وزيارة إلى مراكز أهل السنة ودور الحديث السلفية. فمررنا إلى مركز الشيخ بالحسين في عتق، ثم إلى الفيوش في مركز شيخنا عبد الرحمن العدني رحمه الله، ثم إلى المخى في مركز الشيخ نعمان الوتر حفظه الله، ثم إلى الخوخة عند الشيخ سليم الخوخي حفظه الله، ثم إلى الظالع في مركز أخينا الشيخ ياسين حفظه الله ومن معه. ثم مرورا في طريقنا وعودتنا مررنا عليكم، وأحببنا زيارتكم واللقاء بكم. ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا وإياكم في الفردوس الأعلى. زيارة لأهل هذا المسجد المبارك الذي يقوم عليه أخونا الشيخ محمود العدني حفظه الله. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. فالله جل وعلا جعل للمؤمن رفعة ومنزلة، وجعل من أهل الإيمان من له رفعة أعظم على غيره من المؤمنين، وهم أهل العلم. أهل العلم الذين تعلموا دين الله جل وعلا، وتعلموا شرع الله سبحانه وتعالى. وكل ما ورد في الكتاب والسنة في فضل العلم، فهو علم الشريعة، علم الكتاب والسنة. وكل علوم الآلة التي يتوصل بها إلى فهم كتاب الله جل وعلا وفهم سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فالعلم رفعة لصاحبه، هذه العبادة العظيمة وهذه الطاعة المباركة التي هي من أفضل الطاعات ومن أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه جل وعلا. وربنا جل وعلا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قل ربي زدني علما». أمره جل وعلا أن يسأل ربه عز وجل الزيادة من العلم. قل ربي زدني علما، لم يمر أن يسأله الزيادة من متاع الدنيا وحطامها وشهواتها، مما يدل على فضل وعظم العلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. إذا طلب العلم طريق وسبيل يوصل صاحبه إلى جنة الله جل وعلا إذا صدق فيه وأخلص. قال إمام الزهري رحمه الله: لا أعلم شيئا أفضل من طلب العلم. ويقول الإمام الثوري رحمه الله: لا أعلم شيئا من الأعمال أفضل من طلب العلم لمن صلحت فيه النية. فالعلم رفعة لصاحبه في الدنيا وفي الآخرة، في حال حياته وبعد موته. ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما». وفي رواية: «سنا». انظر إلى هذه الرفعة، وهذا إذا لم يكن لهذا المسجد إماما راتبا، وإلا فالإمام الراتب هو المقدم، وإن كان أقلهم حفظا. لكن إذا أراد جماعة يصلون فمن يتقدم ومن يأمهم؟ يقدم الأحفظ لكتاب الله. لا يتقدم إلا الأحفظ لكتاب الله هو المقدم. هذه رفعة العلم. إن كانوا في الحفظ سواء مثلا يحفظ خمسة أجزاء أو عشرة أجزاء أو يحفظ القرآن كله، هذا يحفظ القرآن كاملا وهذا يحفظ القرآن كاملا، ينظر إلى من هو أعلم بالسنة، من هو أعلم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بأحكام الصلاة وغيرها، فيقدم للإمامة. هذه رفعة العلم. وهكذا كذلك بعد الموت، جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دفن قتلى أحد، تعلمون في غزوة أحد قتل من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم سبعون. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدفن الرجل والرجلين والثلاث في القبر الواحد. فكان يسأل عليه الصلاة والسلام: أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ فيقدمه. يقدمه في القبر، مع أنه قد مات، ومع ذلك جعله عليه الصلاة والسلام هو المقدم. هذه رفعة العلم. إذا العلم يرفع صاحبه، يجعله المقدم في الصلاة وفي الإمامة وفي العلم وفي التدريس وفي الخطابة وغير ذلك من الأمور. كذلك يجعل الله عز وجل لصاحب العلم رفعة في قلوب الناس، ومنزلة وهيبة واحتراما وتقديرا. كل هذا من رفعة العلم. كيف لا؟ وهذا الذي تعلم رفع دين الله جل وعلا، حفظا لكتاب الله، وحفظا لما يتيسر من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم عمل بهذا العلم ودعا إليه، ورفع شعار التوحيد، ودعا إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فلا شك أن يكون له نصيب من الرفعة. بل قال شيخ الإسلام تيمى رحمه الله في قول الله عز وجل: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾. لما أخبر الله عز وجل عن نبيه عليه الصلاة والسلام أنه رفع له ذكره، قال: كل من تمسك بالسنة أو نصر السنة كان له نصيب من هذه الآية. أي يجعل الله سبحانه وتعالى له ذكرا ورفعا ومنزلة. ولذلك ربما يكون العالم هو دون الناس في النسب وفي الخلق وفي الحالة المعيشية. ربما يكون فقيرا أو مسكينا، ومع ذلك يجعل الله عز وجل له من الرفعة ما ليس لغيره من ذوي الأموال ومتاع الدنيا. الإمام الأعمش سليمان بن مهران هذا المحدث الكبير كان أعمش العينين، في عينيه عمش ربما تسيل منها ماء. ما كان يقول رحمه الله: وأهل الحديث يزدحمون عليه يزدحمون لسماع الحديث منه. كان يقول: لو كنت بقالا لقذرني الناس، لو كنت أبيع بقالة لما جاء عندي أحد. لما جاء عندي أحد بسبب العمش، لكن لما كان عالما محدثا كان أهل الحديث يزدحمون عليه لسماع الحديث منه. رفعة الإمام عطاء من أبي رباح رحمه الله، مفتي أهل مكة، كان عبدا أفطس الأنف، أسود، قصيرا، رقبته كانت قصيرة. حتى أن امرأة سمعته يقول: اللهم أعتق رقابنا من النار. قالت: هل لك رقبة؟ قالت: هل لك رقبة؟ فكان رحمه الله مع ذلك مع هذه الصفات كان عالما ومفتي أهل الحجاز في موسم الحج. قال الخليفة في زمنه: لا يفتي إلا عطاء من أبي رباح. لا يفتي إلا عطاء من أبي رباح. ويأتي الخليفة بأبنائه ويقول: اجلسوا وتعلموا منه العلم. ولولا العلم لما أتيناه، ولولا العلم لما أتيناه. رفعة يرفع الله عز وجل بها صاحب العلم. الإمام عبد الله بن المبارك إمام أهل خراسان يدخل مرة في زمن هارون الرشيد، فيزدحم عليه الناس من كل مكان، ويرتفع الغبار من شدة الزحام. فتنظر جارية من جوار هارون الرشيد من قصره فتقول: ما هذا؟ قالوا: هذا عالم أهل خراسان، عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا هو الملك الحقيقي، هذا هو الملك الحقيقي، لا ملك هارون الرشيد الذي يأتي إليه الناس إما طمعا فيما عنده أو خوفا منه. هذه الرفعة الحقيقية وهذا الملك الحقيقي هو ملك العلم الذي يرفع الله جل وعلا به صاحبه. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. ورحم الله من قال: رأيت العلم صاحبه شريف، وإن ولدته آباء لئام. ليس يزال يرفعه إلى أن يعظم أمره القوم الكرام، ويتبعونه في كل أفق. كراع الضأن تتبعه السمام. هكذا صاحب العلم رفعته عظيمة. بل إن هذه الرفعة ليست فقط للإنسان، حتى الحيوان. الحيوان قد يرفع بالعلم إذا تعلم. انظروا إلى الهدهد، هدهد سليمان عليه السلام. ما الذي جعله يذكر في القرآن؟ يذكر في كتاب الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة. هو العلم، العلم بالتوحيد. لما أنكر على ملك سبأ ومن معها عبادة الكواكب والشمس والقمر، كان ذلك رفعة له حتى ذكره الله جل وعلا في كتابه. قال جل وعلا: ﴿وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لو عذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بالسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقوما يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾. انظروا، أنكر عبادة غير الله جل وعلا، ودعا إلى توحيد الله، فكانت رفعة له. وهكذا الكلب، الله عز وجل أباح صيد الكلب المعلم، الكلب المعلم الذي علمه صاحبه أحكام الصيد. أنه إذا أرسله ينطلق، وإذا أمره أن يقف يقف، وإذا صاد الصيد لم يأكل منه. أباح الله جل وعلا صيده. وإذا كان الكلب غير معلم فإن صيده لا يحل. قال الله جل وعلا: ﴿مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾. أباح الله عز وجل صيد هذا الكلب، مع أن هذا كلب، وهذا كلب. ما الفرق بينهما؟ ما الذي جعل صيد هذا الكلب حلالا وصيد هذا الكلب حراما؟ ها هو العلم، العلم. سبحان الله، رفعه حتى في الحيوانات. إذا العلم عبادة الله، رفعه للإنسان. وهذا مما يدفع المسلم إلى أن يسلك طريق العلم، أن يتعلم ويتفقه في دين الله سبحانه وتعالى حتى ينال هذه الرفعة. هو لا يطلبها طلب الرفعة والقصد إليها في الدنيا هذا مذموم، وكذلك أيضا خلاف الإخلاص والصدق. لكن صاحب العلم وإن أخلص وصدق فلابد أن يرفعه الله. لا بد أن يرفعه الله، لا بد أن يرفعه الله سبحانه وتعالى. ثم كذلك سيستمر ذكره، وهذا أيضا من رفعة العلم. أن صاحب العلم وإن مات بجسده فهو حي بعلمه وذكره. لا يموت ذكره، لا يموت ذكره. ولهذا كما يقول القائل: ما الفخر إلا لأهل العلم، إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء. وقدر كل مرء ما كان يحسنه، والجاهلون لأهل العلم أعداءه. ففز بعلم تعيش حيا به أبدا، الناس موتى وأهل العلم أحياء. أهل العلم أحياء وإن ماتوا بأجسادهم. كم نذكر قال الإمام البخاري رحمه الله، قال الإمام مسلم رحمه الله، قال الإمام النووي رحمه الله، قال الإمام الثوري، قال الإمام مالك، قال الإمام الشافعي، قال الإمام أبو حنيفة، قال الإمام الأوزاعي، قال الإمام الدارقطني. كم وكم من أهل العلم. قال الإمام ابن باز رحمه الله، قال الإمام ابن عثيمين، قال الشيخ عبد الرحمن رحمه الله. هؤلاء أهل العلم أحياء بعلمهم، وإن ماتوا بأجسادهم. هذه الرفعة لا ينالها إلا أهل العلم، لا ينالها إلا أهل العلم. الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم، ملائكة الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. تبسط أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: ما تضعها للوزراء ولا للرؤساء ولا للتجار ولا لغيرهم من أهل الدنيا. لأهل العلم. ربما يكون مسكينا ومع ذلك من رفعة العلم أن تتواضع له ملائكة الرحمن وتخفض له أجنحتها. هذه الرفعة العظيمة، دون ما يؤتيه الله عز وجل لصاحب العلم في الآخرة من درجات في الجنة عالية. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطلب العلم وتحصيله، والإخلاص والصدق في طلبه. وأن يرفعنا جل وعلا إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة. إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.