ما يستقبل به رمضان 6

الدرس في ما يستقبل به رمضان 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإعلان عن المجلس العلمي حول أحكام الصيام

يُعلن عن مجلس علمي سيقام في المسجد المبارك بعد صلاة المغرب برعاية الشيخ أبي همام عبد الله باسعد. المجلس العلمي سيتناول موضوعات متعلقة بأحكام الصيام.

أهمية الاستعداد لرمضان في شعبان

ينصح بالاستعداد لرمضان بالطاعات في شهر شعبان، مثل الصيام وقراءة القرآن، حتى يسهل أداء العبادات في رمضان. السلف كانوا يستعدون لرمضان بزيادة الطاعات في شعبان.

الصبر في رمضان وأهميته في قبول الأعمال

يُشدد على أهمية الصبر في رمضان، حيث يشمل الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر على أقدار الله المؤلمة. يُعتبر رمضان فرصة لتدريب النفس على الصبر، ويُعد الصبر مفتاحًا لقبول الأعمال وزيادة الأجر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أولًا إخواني في الله، هذا إعلان عن مجلس علمي سينعقد هذه الليلة في هذا المسجد المبارك، بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وهذا المجلس العلمي سيعقده أخونا الشيخ الفاضل أبو همام عبد الله باسعد، حفظه الله تعالى ورعاه، وسيخص الكلام حول مسائل أحكام الصيام، وذلك بذكر مسائله وأحكامه وما يتعلق به. فإن شاء الله نحرص جميعًا، إخواني في الله، على استغلال الأوقات، وخاصة في هذا المقام مما له تعلق بمعرفة أحكام الصيام. سينعقد هذا المجلس بإذن الله هذه الليلة في هذا المسجد المبارك بين مغرب إلى صلاة العشاء. ومواصلًا، إخواني في الله، فيما لا زلنا فيه في هذه الأيام من طرحه وطرحه حول ما يستقبل به رمضان، وإن مما أعظم ما ينبغي أن يستقبل به، إخواني في الله، ما يكون من التسلح بالصبر. التسلح بالصبر أمر عظيم، وخاصة لما نحن قادمون عليه من هذا الشهر الكريم، نتسلح بالصبر لأن الشهر القادم بإذن الله هو شهر الصبر. قد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على ذلك، قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: «الصابرون هم الصائمون على قول الأكثرين»، أي أن أكثر المفسرين فسروا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ أي إنما يوفى الصائمون أجرهم بغير حساب. فسمى ربنا جل وعلا أهل الصوم بأهل الصبر، وجاء ذلك صريحًا وضحًا مبينًا في كلامه عليه الصلاة والسلام، فكان من وصاياه لأصحابه أن قال لبعضهم: «صوم شهر الصبر»، رمضان «صوم شهر الصبر»، وهكذا جاء من قواله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر هو صوم الدهر». فوصف نبينا صلى الله عليه وسلم رمضان بشهر الصبر، إذن نحن قادمون على شهر نحتاج فيه إلى أن نتسلح بالصبر، إذ لا قوام لأحدنا إلا بما يتحمله من الصبر. ووجه ذلك كذلكم، إخواني في الله، زيادة على ما جاء من وصف القرآن والسنة، ما أشار إليه العلماء من أن رمضان قد احتوى على أنواع الصبر الثلاثة. من قرأ في كتب الأخلاق والآداب يعلم أن العلماء يقسمون الصبر إلى أقسام ثلاثة: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، وصبر على القضاء والقدر أو ما يقدره الله من الأقدار المؤلمة. قال العلماء: إن هذه الأنواع الثلاثة موجودة في شهر رمضان، موجودة جميعًا في شهر رمضان. فاجتمع في رمضان الصبر على الطاعة، وهذا لا شك ولا ريب، لأن من سيكون من أهل رمضان سيلزم بأداء طاعات وعبادات منها واجبة ومنها نفل، من شعيرة الصيام ومن زكاة الفطر، وزد على ذلك ما يكون من صلاة القيام من التهجد والتراويح، ومن الاعتكاف ومن قراءة القرآن، ومن البذل والإحسان ومن إطعام الطعام، ومن كثرة الدعاء، فإنه شهر ترفع فيه إجابة الأدعية. فمن يقوم بهذا؟ يقوم بهذا الصابر، من تسلح بالصبر سيستطيع أن يضرب من كل عبادة بسهم، من هنا ومن هنا يكون مصليًا، يكون قائمًا، يكون ذاكرًا، يكون تاليًا، يكون داعيًا لله يدعو الله في صلواته وفي أجواب الليل وهكذا. أما العاجز، فإنه لا يستطيع أن يقوم بهذه الحظوظ العظيمة والمقامات الرفيعة. فرمضان يحتاج إلى التسلح بالصبر على الطاعة. زد على ذلك النوع الثاني: الصبر عن المعصية، وهذا لابد منه، وإن كانت الصبر عن المعصية في كل زمان وفي كل مكان، إلا أنها في رمضان آكد. تصبر يا عبد الله عن المخالفات، تصبر عن الطعام وعن الشراب وعن غشيان النساء، تصبر لربما النفس تدفعك دفعًا إلى هذه المقتضيات من مقتضيات الجبلة، لكن تعلم أن الله نهاك عنها فتمسك نفسك. زد على ذلك ما كان من الذنوب والمعاصي، إذ أنها تضر من الصيام، تضر من الصيام من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. قول الزور قول الحرام، فعل الزور فعل الحرام، فالأقوال المحرمة والأعمال المحرمة هي محرمة على الدوام، لكن في رمضان آكد لأنها ستؤثر على صيامك. فكان ينبغي أن تتسلح بهذا، تتسلح بأن تصبر عن المعصية، وهذا تصبر عن الأخلاق الردية والآداب الرزية. إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل ولا يشتم، كل هذه نواهي من هذا الذي يستطيع أن يملك زمام نفسه، ما يستطيع أن يملك زمام نفسه إلا من كان صابرًا، وإلا من كان ضعيف العزم فإنه سيقع في هذه المخالفات. وهكذا النوع الثاني من أنواع الصبر: الصبر على أقدار الله المؤلمة، وذلك ما يجده الصائم من ألم الجوع ومن حرارة العطش. ما منا من أحد إلا وسيجد ذلك، ربما وجد من الألم ألم الجوع تتوق نفسه إلى شراب أو لربما وافق هذا الصيام حرارة الجو وشدة الحرارة، فلا يزال يكابد التعب والجهد الجهيد في أن يتحمل الجوع والعطش والتعب والحرارة، وهذا من أقدار الله العلية يصبر. فذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن في رمضان اجتمعت فيه أنواع الصبر الثلاثة، فكان بحق شهر الصبر، من دخل من أوله وختمه إلى آخره فهو من عداد الله الصابرين: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة. ولهذا كان أجر الصائم هو أجر الصابر لا حساب له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، هذا لكل عمل، قال الله: «إلا الصوم»، معنى الصوم ما يدخل في هذه المعادلة، هذه المعادلة عظيمة جدًا، الحسنة تضربها في عشرة، هذا لكل عمل، ثم تضرب إلى سبعمائة ضعف هذا على حسب الإتقان والإحسان، هذا لكل العبادات إلا الصوم، فإن المعادلة مختلفة، إن موفى الصابرون أجرهم بغير حساب، ما هناك حساب للصابر للصائم لأنه صابر. ولهذا، إخواني، إذا علمنا ذلكم، كان على كل مسلم ومسلمة أن يتسلح بالصبر، ويتحمل بالصبر، إذ أنه لا قوام لرمضان إلا للصابرين. قد يقول قائل: كيف أتسلح بالصبر؟ وكيف أتزود بالصبر؟ قد أشرنا إلى هذه المسألة، إخواني في الله، في مسألة أحكام شعبان، وهو التدرب على الطاعة والعبادة من الآن. مر معنا، إخواني في الله، عندما تذكرنا ما كان من هديه عليه الصلاة والسلام من كثرة الصيام في شعبان، وأشرنا حينها إلى أقوال العلماء في ذكر العلل والأسرار والمقاصد والغايات التي لأجلها أكثر نبينا من صيام شعبان، ومنها مسألة التدرب. قد أشار إليه العلماء كما نبّه على ذلك الحافظ بن رجب رحمه الله: أن النبي من تشريعه لكثرة الصيام في شعبان أراد أن يعود الأمة على الصيام في رمضان تعويدًا، لأن الآن تتعود على عبادة الصيام، وهذا ليس خاصًا بالصيام، بل كان من شأن سلفنا أنهم يتدربون وأنهم يقبلون على الطاعات في شعبان في كل المجالات: في الصيام وفي غيره. كما قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «ولما كان شعبان مقدمًا لرمضان، فإنه شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن»، حتى من الآن تبدأ، تبدأ من الآن تتمرن على قراءة القرآن، حتى يسير الفكين ويسير اللسان ذربًا على قراءة القرآن، لا تنتظر يا عبد الله إلى أن يحل أول يوم من رمضان فتقرأ، دعا رمضان، تبدأ الختمة. لكن من الآن اقرأ أي شيء من القرآن، تتمرس، تتمرس، تتمرس، كحال من ترك الصيام، كما أشرنا في دروس سابقة، من ترك الصيام ثم إذا أراد أن يبدأ في هذا العام يتعب يتعب جدًا لأنه معتاد، ما تسلح بالصبر على هذه الطاعة، فتعب، لكن بخلاف الذي تعود على الصيام في أيام شعبان، يجد صيام رمضان سهلًا ميسرًا. وهكذا قس على ذلك قراءة القرآن، وزد على ذلك باقي الأعمال، حتى قيل عن بعض السلف: أنه إذا أقبل شعبان أغلق حانوته، أغلق دكانه وأقبل على الطاعة، حث الناس بأن يغلقوا دكاكينهم أو محلاتهم، كل في عمله يعمل، لكن المراد من هذه الآثار أن نفهم كيف أن السلف كانوا يستعدون لاستقبال رمضان بإعداد العدة من الآن. يتمرنون على الطاعة والعبادة حتى كان شعبان يسمى عند السلف بشهر القراء، لكثرة من يقرأ فيه بالقرآن، ومنهم من كان يبذل بالمال، يعطي النفقة ويعطي البر ويعطي الإحسان ويعطي على الفقراء والمساكين، لماذا يعطيهم فيه شعبان؟ قال: حتى يستعد الفقراء لاستقبال رمضان. فكان يمرنهم أنفسهم تمرينًا على البذل والعطاء، وهو كذلك إعانة للمساكين، فتجد أن من كان مضى في أيام شعبان يتمرس على الطاعات والعبادات: ذاك بصيام، ذاك بقرآن، ذاك ببذل، ذاك بإحسان، وهكذا، فإذا دخل عليهم رمضان قد تسلحوا بمثل هذه العبادات. وهذا من التسلح بالصبر على الطاعة والعبادة أن تتمرس عليها، بخلاف الذي ما يفعل شيئًا، كثير منا ما يفعل شيئًا من الطاعات، لكن يجلس وينتظر الساعة فيسأل: ها يا أخوة في إعلان هلال رمضان؟ ولا عاد ما في خبر، إلا أن ينتظر إذا جاء الخبر بأن الليلة بدأت ليالي رمضان المباركة، قال: الآن سأبدأ، سأبدأ بالقيام وسأبدأ بالوتر وسأبدأ بالنوافل القبلية والنوافل البعدية، وأبدأ بختم القرآن. كل ذلك يأتي، فإذا به يرى المشقة، يرى المشقة، دخل في مضمار عظيم يحتاج إلى جهد جهيد، وهو شهر الصبر، شهر المكابدة، تكابد على الطاعة وتكابد عن المعصية وتكابد على ما يقدره الله، تجد هناك مكابدة لأنه ما تمرن. ولهذا من الخطأ العظيم ما يفعله الكثير من الناس، أنه يقف الآن ما يفعل شيئًا، يعد العد على حد زعمه، إذا أقبل رمضان ليفعلن ويفعلن، لا يا عبد الله، افعل من الآن، فإن هذا مما يعين، فإن كان من إخفاق، إن كان من إخفاق ففي شعبان الأمر أهون، الأمر أهون، ثم إذا سقطت تقوم وهكذا حتى تقوم على قدمك. فما تجد نفسك إلا ودخل عليك رمضان وأنت شامخ الرأس، تستطيع أن تؤدي العبادات وتمتنع عن المعاصي والمخالفات بكل أريحية. فالشاهد، إخواني في الله، أن من أعظم ما يستقبل به رمضان وهو أن يكون من التسلح بالصبر، وذلك عن طريق التزود من الطاعات والتمرس والتدرب والتمرن عليها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وأذكر بالإعلان الذي قد ذكر سلفًا عن المجلس العلمي المقام هذه الليلة في هذا المسجد المبارك بعد صلاة المغرب لأخينا الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، حفظه الله تعالى ورعاه.