شرح أصول السنة للرازيين 26

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 26، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تصنيف الفرق الضالة وأصول البدع وحكم الجهمية

يستعرض المقطع تصنيف الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة للفرق الضالة الخمس الكبرى: المرجئة، والقدرية، والجهمية، والرافضة، والخوارج، مع بيان وصف النبي صلى الله عليه وسلم للخوارج بأنهم مراقون من الدين. ويناقش خلاف السلف في عد الجهمية من ضمن الاثنتين والسبعين فرقة الهالكة أم أنهم كفار خارجون عن الملة، مستشهداً بقول ابن المبارك ويوسف بن أسباط، ويؤكد أن جامع هذه الفرق هو مفارقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

خصائص الفرق الضالة ومنهج أهل السنة مع المخطئ والمبتدع

يبيّن المقطع أن كل من خالف الكتاب والسنة وإجماع السلف دخل في الفرق الضالة كالخوارج والروافض والجهمية، وأن هذه الفرق تتفاوت في درجة الضلالة قربًا وبعدًا من الحق. ويوضح منهج أهل السنة في إنصاف من يرد بدعة كبيرة وإن كان مبتدعًا، مع التفريق بين المخطئ المجتهد الذي يُعذر، ومن جعل خطئه سببًا للولاء والبراء والتفريق بين المسلمين فيكون من أهل البدعة والضلال. كما يحذر من تعظيم الأشخاص والولاء لهم غير النبي ﷺ، معتبرًا ذلك من أصول الفرق الضالة.

حكم القول بخلق القرآن وتكفير القائل والمتردد

يبيّن المقطع أن القول بخلق القرآن كفر أكبر مخرج من الملة، مستدلاً بأقوال أئمة السلف كالأمام أحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة، وأن من شك في كفر القائل مع فهمه للحجة فهو كافر أيضاً، مع التنبيه لاشتراط توفر الشروط وانتفاء الموانع قبل الحكم على المعين.

إعلان عن ملخص قادم لفتنة خلق القرآن

يعلن المتحدث عن نيته عرض ملخص لفتنة القول بخلق القرآن غداً، متناولاً أحداثها وموقف الإمام أحمد بن حنبل منها ومدتها وآثارها على الأئمة وأسباب نشوئها. ويختتم بالدعاء بالهداية والثبات على السنة والجماعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا نزال في هذه العقيدة النافعة، عقيدة الإمامين الكبيرين: أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهما الله تعالى وغفر لهما. وقد نقل ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النافع «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» قطعة من هذا الجزء وهذه الرسالة، فقال: «وهذان الإمامان إماما أهل الدين، وهما من نظراء أحمد والبخاري، رحمهم الله تعالى، كانا إمامين عظيمين في بلاد المشرق». أملى هذا الكتاب، كما تقدم مرارًا، على تلميذهما الإمام الكبير أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى وغفر له. وكان الكلام أمس على الرافضة، قالا رحمهما الله: «والرافضة رفضوا الإسلام». تقدم الكلام في الرافضة وأحكامهم، وشيء من عقائدهم، وبيان لماذا قال هذان الإمامان: «رفضوا الإسلام»، وأنها كلمة عظيمة تحتها علم عظيم يخفى اليوم على طوائف من المسلمين، يغترون بأمر الرافضة ويحسنون بهم الظنون. ثم قالا رحمهما الله تعالى: «والخوارج مراق». تقدم الكلام على الخوارج، وذكر شيء من أصولهم، وبيان أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم عن فرقة من فرق أهل الضلال بمثل ما تكلم وحذر من الخوارج المراق. والخوارج مراق، وهذا اللفظ وهذا الوصف مأخوذ من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وهي أحاديث كثيرة قد تبلغ حد التواتر في صفة الخوارج، ومقالات الخوارج، وعقائد الخوارج، وأفعال الخوارج، والحكم الشرعي في الخوارج، وأيضًا علامات من علامات النبوة ودلائلها في ظهور الخوارج؛ فقد أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم لم يظهروا بعده، فكان كما أخبر عنهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم سواء بسواء. وذكرنا حديث ابن عمر في عدّه صلى الله عليه وسلم عشرين قرنًا أو أكثر من قرون الخوارج، كلما خرج لهم قرن قُطع، والحديث في مسند الإمام أحمد عن صحابيين. والخوارج مراق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يرى شيئًا، ينظر إلى رصافه فلا يرى شيئًا، ينظر إلى فوقه فلا يرى شيئًا». الحديث: «يمرقون من الدين»، وفي لفظ آخر: «تمرق مارقة على حين فرقة من الناس». تمرق مارقة، فوصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمروق، والمروق هو الخروج في سرعة، ولهذا شبههم النبي صلى الله عليه وسلم في مروقهم كما يمرق السهم من الرمية، في بعض الألفاظ: «ينظر في نصله فلا يرى شيئًا، ينظر في فوقه فلا يرى شيئًا»، أي من أثر مروره في تلك البهيمة أو ذلك الحيوان الذي سُدّ بذلك السهم. وهذا كناية عن أنهم يغلون في الدين ثم ينسلخون منه، لا يكاد يبقى معهم من الدين إن بقي إلا قليل، ولهذا اختلف العلماء في تكفيرهم. والخوارج مراق، هكذا وصفهم هذان الإمامان رحمهما الله تعالى. هذا بيان للفرق الضالة أو أصول الفرق الضالة: ذكر رحمهما الله المرجئة، ثم ذكر القدرية، ثم ذكر الجهمية، ثم ذكر الرافضة، ثم ذكر الخوارج، فذكروا خمس فرق. وهذا على قول عند جماعة من أهل العلم أن أصول الفرق الضالة تعود إلى هذه الفرق الخمس الكبرى: إلى المرجئة، والقدرية، والجهمية، والرافضة، والخوارج. فإذا نظرنا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، افترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، ونظرنا في هؤلاء الخمس، كان علينا أن نعد ونحسب كما عد الأئمة بالنسبة إلى حديث «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة». هذا علم غيبي لا نستطيع أن نجزم بأن فرقة معينة هي من تلك السبعين أو من الثنتين والسبعين، لا نستطيع أن نجزم بذلك؛ لأن هذا يحتاج إلى توقيف ودليل، ويحتاج إلى نظر في هذه الطائفة: أحقها أن تكون في المسلمين أم أن تكون مع المنافقين والكافرين؟ فإن عددناها في المسلمين أدخلناها في ذلك الحد، وإن عددناها في الكافرين لا بد من إخراجها من ذلك الحد. هكذا نبه بعض أهل العلم، فلا بد من دليل. وأول من تكلم في تصنيف الفرق الهالكة، وذكر أن أصولها تعود إلى هذه الطوائف الخمس أو الأربع بحذف الجهمية: قيل: منهم من يعد الفرق الضالة الكبرى أربعًا، ومنهم من يعدها خمسًا. ومن يعدها أربعًا يحذف الجهمية، فعلى هذا إن كانت أربعًا فلعل كل فرقة يخرج منها نحو ثمانية عشر فرقة، وإن كانت خمسًا فما بين اثني عشر إلى أربعة عشر فرقة تخرج من هذه الطوائف ليتم العدد، ويكون العدد ثنتين وسبعين فرقة في النار، كلها في النار إلا واحدة. هكذا اجتهد عدد من أهل العلم. أول من صنف هذه الطوائف الخمس: عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، رحمهما الله تعالى، هما أول من عدّى وعين الفرق الهالكة، أول أو من أول وأقدم من عدّى وعين الفرق الهالكة: يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ابن تيمية: «وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين». ثم ذكر كلامهم، وأنهم قالوا: إن الفرق أو أصول البدع تعود إلى أربع فرق: إلى الرافضة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. قيل لابن المبارك: والجهمية؟ قال: أولئك ليسوا من أمة محمد. وهذا قول لأهل السنة في المسألة. تقدم الكلام أمس على أن الجهمية لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع في تكفيرهم، ومن أسباب هذا التفصيل فيهم حصول الخلاف بين أهل السنة والجماعة على قولين في الجهمية: فمنهم القول الأول: من لا يعدهم في الثنتين والسبعين فرقة، بل يعدهم من الكفار، يعدونهم من الكفار، وهذا قول يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك رحمهما الله تعالى وغفر لهما، وتبعهم طوائف من الأئمة والعلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. والقول الثاني: أن الجهمية داخلة في الثنتين والسبعين فرقة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا قولان لأهل السنة والجماعة مع إجماعهم على تكفير غلاة الجهمية، غلاة الجهمية كفار، كما تقدم ذكر هذا أمس في نقول مستفيضة عن سلف الأمة. هذه الفرق إذا تأملنا أمرها وجدنا أنها ضلت بمفارقة الكتاب والسنة وما عليه إجماع سلف الأمة. هذه الفرق كلها يربطها رابط أو روابط، منها: أن الجميع فارقوا كتاب الله عز وجل، وفارقوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفارقوا إجماع سلف الأمة. هذا وصف جامع، جامع لكل هذه الفرق، فكل من فارق الكتاب، وفارق السنة، وفارق جماعة السلف، فإنه داخل في مثل هذه الفرق الضالة، داخل في مثل هذه الفرق الضالة من الخوارج، أو الرافضة، أو الجهمية، أو القدرية، أو المرجئة، أو نحوهم. ولهذا كل من تمسك بالكتاب والسنة، وخضع لهما، وعظمهما، وجعلهما أصلًا، وما عليه سلف الأمة، فإنه من أهل السنة والجماعة. عكس هذه المسألة: كل من تمسك بالكتاب والسنة، والتزم كتاب الله وسنة رسوله، لم يقدم عليه هوى ولا بدعة ولا ذوق ولا شيخ ولا رأي، فإنه من أهل السنة والجماعة. ومن فارق الكتاب والسنة والإجماع وما عليه سلف الأمة، فإنه من الفرق الهالكة؛ لأن جميع الفرق الهالكة بهذا هلكوا، وبهذا ضلوا، وبهذا فارقوا المسلمين، فارقوا المسلمين بهذا. والناظر أيضًا في الفرق لا بد أن يعلم أنها ليست سواء في باب الضلالة، بل هي درجات: فقد يكون عند طائفة من البدع المغلظة والفضائع العظيمة ما لا يكون عند غيرهم، وقد يكون عند غيرهم من البدع الدقيقة التي قد لا ينتبه لها، ويسلمون من البدع الكبرى. فعلى هذا الفرق درجات، بعضها دون بعض، الفرق الهالكة درجات أو قل دركات، بعضها دون بعض، قربًا وبعدًا من الحق وأهله. ولا بد من الإنصاف والعدل في هذه الفرق وهذه الطوائف: فمنها ما يكون قريبًا من السنة وأهلها، ومنها ما يكون نائيًا بعيدًا، منها ما يكون نائيًا بعيدًا. ومن الأمور التي ينبغي أن تعلم أيضًا: أن هذه الفرق قد يرد بعضها على بعض، فموقفنا من ذلك: أن من رد من أهل البدع المخففة على أهل البدع المغلظة، فإننا نعظم الحق حيثما كان، ونشكر الحسنة، نشكر الحسنة. فمن أخذته الغيرة وعنده بدع، فرد على أهل البدع المغلظة، يكون محمودًا عند أهل السنة والجماعة في رده ذلك. هكذا يقرر أهل السنة والجماعة: يكون محمودًا في رده ذلك، مذمومًا فيما خالف فيه الحق، والواجب عليه أن يعود إلى الحق ويستسلم له وينقاد. والغالب أن يتناقض، الغالب في هؤلاء أن يتناقضوا، فيناقشوا أهل البدع بأمور هم واقعون في جنسها أو في أصلها، كما بيّنه ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم. وأيضًا ينبغي أن يعلم أيضًا: أن الميزة عند أهل السنة أن هذه الفرق فيها صفة عظيمة وخطيرة، كلها اتفقت عليها، وهي: أنهم يبتدعون بدعة، ثم يوالون من وافقهم عليها، ويتبرؤون ممن خالفهم فيها، ويبغضونه ويهجرونه ويذمونه، وربما كفره بعضهم، وربما فسقه آخرون، لا يعذرون المخطئ، لا يعذرون المخطئ في خطئه، ولا المجتهد المخطئ في خطئه. هذا أيضًا نوع من أنواع ضلال هذه الفرق جميعًا، اتفقت الخوارج والمرجئة والجهمية والرافضة، الخوارج والمرجئة والجهمية والقدرية والرافضة، ومن نحى نحوهم، على هذا الأصل: أنهم يبتدعون بدعة، ثم يفارقون بها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويفارقون سلف الأمة، ويوالون من وافقهم، ويعادون من خالفهم. أما أهل السنة فلا يبتدعون أصلًا، هذا فارق عظيم: أن أهل السنة لا يدخلون في باب البدع ولا الضلالات؛ لأنهم ملتزمون بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن أخطأ في اجتهاده، وإن كان اجتهاده هذا مخالفًا لكتاب الله عز وجل، ومخالفًا لسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومخالفًا لما عليه سلف الأمة، لكنه اجتهد باحثًا عن الحق فلم يصل إليه وأخطأ، فهذا يُعذر بخطئه، والله عز وجل قد رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، في حديث ابن أبي هريرة وابن عباس: قال الله: «قد فعلت»، قال الله: «نعم». وهذا عند أهل السنة يشمل الخطأ فيما يسمى بالفروع، والخطأ فيما يسمى بالأصول. ويخرج عن هذا من فارق المسلمين في ذلك الخطأ في اجتهاده، ذلك فارق المسلمين ومزق كلمتهم، ووالى وعادى، وحكم على مخالفه بالأحكام الجائرة، فهذا يُحكم عليه بمقتضى ذلك الخطأ: بدعة أو أكبر من البدعة؛ لأن هذا حال آخر وشأن آخر. أما الذي يخطئ بالخطأ ويسكن، فهذا باب آخر عند أهل السنة والجماعة يصبرون عليه. أما من فارق وفرق، ووالى وعادى، ومزق، فهذا من أهل البدعة والضلالة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مثل هذا الموضع: قال رحمه الله تعالى: «ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد من السنة منه، يكون محمودًا فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده، بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد باطلًا بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة». ومثل هؤلاء، ومثل هؤلاء، إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون عليه، كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك. ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلاف. ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين، أي على هذه الصفة من أهل البدع، الخوارج المارقون. إلى آخر كلام. هذه طريقة أهل السنة والجماعة في مثل هذا الموضع: يعذرون المخطئ، إن لم يجعل خطأهم أو مخالفتهم سبيلًا للفرقة بين المسلمين، فحينئذ يكونوا من أهل الفرق الضالة، عياذًا بالله. هذه الطوائف أيضًا لها ميزة، هذه أصول عامة تجتمع فيها هذه الفرق: أنهم ينصبون أناسًا يعظمونهم ويوالونهم، فمن أحبهم ووافقهم قالوا: هذا من أهل السنة، ومن خالفهم أو رد بعض قولهم قالوا: هذا من أهل البدعة، عياذًا بالله. هذا أيضًا مما وقعت فيه الخوارج، ووقعت فيه الرافضة، ووقعت فيه المرجئة، ووقعت فيه غيرها من الفرق. ولهذا نص الأئمة على أن من جعل شخصًا من الناس، كائنًا من كان، عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أحبه ووافقه فهو من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه أو رد قوله فهو من أهل البدعة والفرقة والضلالة، كان هو من أهل البدعة والفرقة والضلالة، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: يكون هو من أهل الفرقة، من أهل الفرقة والضلالة. وهذا موجود اليوم، فالتعصب لا يكون إلا للكتاب وللسنة لا سواه، لا نوالي ولا نعادي مطلقًا إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يقبل قوله كله، هو الذي يقبل قوله كله صلى الله عليه وسلم. أحد العلماء أو المشايخ يؤخذ من قوله ويترك، كائنًا من كان، وليس رد قول الشيخ أو العالم قدحًا فيه أو طعنًا فيه كما يظنه أهل الجهالة، ليس رد قول شيخ من المشايخ، كائنًا من كان، يعتبر من القدح أو سوء الأدب أو الطعن أو غير ذلك، خلافًا لأهل الجهل الذين يظنون ذلك. وهذه المسألة هي من المسائل التي وقعت فيها هذه الفرق الضالة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كلها في النار إلا واحدة، بأنها هالكة، عياذًا بالله، وليست بناجية. إذن لا بد أن تكون الفرقة الناجية متصفة بضد صفات هذه الفرق الهالكة، وأحق الناس بأن تكون الفرقة الناجية كما قال أحمد بن حنبل وغيرهم من سلف الأمة: هم أهل الحديث الذين يتعصبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعظمون سنته، ويوالون أولياءه، ويعادون أعداءه صلى الله عليه وسلم، ويعملون بالسنة، بالسنة. ولهذا كانوا هم أهل العلم وأهل السنة والجماعة. يقول رحمه الله: «والخوارج مراق». قال رحمه الله تعالى: «ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر». هذه الجملة قالها غير واحد من أئمة السلف، هذه الجملة قالها جماعة كثيرة من أئمة السلف، رحمهم الله تعالى وغفر لهم، قالها سفيان بن عيينة، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، ووكيع، وابن مهدي، وجماعة من السلف، قالوا هذا الحكم وهذا الكلام، وغيره، وقاله أيضًا غيرهم، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. «ومن زعم أن القرآن مخلوق»، والمخلوق يفنى، ويبلى، والمخلوق يخطئ ويصيب، والمخلوق ناقص. ومن زعم أن القرآن مخلوق، هذه المقالة هي من أصول الجهمية، بل عدها وكيع بن الجراح أحد أئمة الكوفة هي أعظم بدع الجهمية، هكذا قال وكيع بن الجراح رحمه الله، عدها أعظم بدع الجهمية. ومن زعم أن القرآن مخلوق، والقرآن أصلًا هو كلام الله عز وجل، القرآن كلام الله عز وجل، وكلام الله عز وجل صفة من صفاته، وصفات الله تابعة لذاته، فكما أن الذات غير مخلوق، فكذلك صفات الله غير مخلوق. ومن زعم أن صفة من صفات الله مخلوق، فقد زعم أن الله جل جلاله وتقدس عن هذا الكفر العظيم مخلوق أيضًا، إذ القول في الصفات فرع عن القول في الذات، يحذو حذوه ويقتدي سبيله، لا فرق بين قول في ذات الله أو قول في صفات الله. ولهذا عظم السلف هذه الكلمة: «القرآن مخلوق»، لأن القرآن من كلام الله، لأن القرآن من كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته سبحانه وتعالى. وإذا قلنا إن صفات الله عز وجل مخلوق، أو إن بعض صفات الله مخلوق، فقد زعمنا أن الله جل جلاله مخلوق، تعالى الله وتقدس وتنزه سبحانه وتعالى عن قول الكافرين والجاهلين علوًا كبيرًا. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، كيف لا يكون كذلك؟ كيف لا يكون كذلك؟ وهو يقول في صفة من صفات الله إنها مخلوقة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وما قدر الله حق قدره، هؤلاء ما قدر الله حق قدره، أي ما عظموه حق تعظيم، سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فهو يقول رحمه الله: فهو كافر بالله العظيم، كفرًا ينقل عن الملة. فالكفر كفران: كفر ليس ناقلًا عن الملة، وهذا كفر نعمة ونحوه، وهناك كفر ينقل عن الملة، فمن وقع فيه وتمت في حقه الشروط وانتفت في حقه الموانع صار كافرًا بعينه، كفرًا أكبر، خارجًا عن الإسلام، فإن مات فإنه من أهل النار، عياذًا بالله. يقول رحمه الله: «ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر». وهذه مسألة أيضًا كبيرة، هذه مسألة أيضًا كبيرة. متقدم أن هذا قاله جماعة من أئمة السلف، منهم سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل. يقول الإمام أحمد رحمه الله: «من قال القرآن مخلوق». يقول الإمام أحمد رحمه الله: «من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر». هكذا يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من نقله عنه تلميذه أبو داود رحمه الله. وقال أيضًا يعقوب الدورقي، يعقوب بن إبراهيم الدورقي: سألت أحمد بن حنبل عن من يقول القرآن مخلوق، فقال: «كنت لا أكفرهم». تأملوا في هذا الكلام، فإنه كلام عظيم. هذا وجه آخر في تكفير قائل هذه المقالة. يقول الإمام أحمد: «كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآن، كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآن»، ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾. قال الإمام: فالقرآن من علم الله، فالقرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر، لأن علم الله صفة من صفاته. فهذا وجه آخر في كفر من يقول بهذه المقالة، هذا وجه ثانٍ. يقول الإمام أحمد رحمه الله: «فالقرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر، ومن زعم أنه لا يدري، علم الله مخلوق أو ليس مخلوق، فهو كافر». المتردد في هذا الموضع أو الشاك في هذا الموضع، قال رحمه الله: «فالقرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر، ومن زعم أنه لا يدري، علم الله مخلوق أو ليس بمخلوق، فهو كافر، أشد ممن يقول القرآن مخلوق». انتهى كلام الإمام أحمد. الذي يتردد في هذا الموضع إنما يتردد في صفة من صفات الله عز وجل، ولهذا قال هذان الإمامان: «ومن شك في كفره ممن يفهمه». هذه العبارة مهمة، وهذا القيد مهم، قاله هذان الإمامان، قد لا يوجد في كلام الإمام أحمد أو كلام ابن عيينة أو كلام غيرهم من السلف، لكنه لا بد من ذكره، هذا القيد: «ممن يفهمه»، فيه الإشارة إلى ضرورة إقامة الحجة وبيان المحجة. وإقامة الحجة نوع، وبلوغها وفهمها نوع آخر، يكفي بلوغها لهم بلوغًا يفهم به المقصود، وإن لم يدرك كامل الفهم التام من الحجة، يكفيه أن تبلغه، أن تبلغه الحجة ويفهمها فهمًا يزيل عذرًا، كما قرره الأئمة رحمهم الله تعالى. لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع في مثل هذه المواضع، فقد يُعذر بعض الناس بالجهل، وقد يُعذر بعض الناس بالتأويل، وقد يُعذر بعض الناس بالإكراه وغير ذلك، قد يُعذرون بأعذار معروفة، قد يُعذر بعض الناس بالعجز، فلا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع في الحكم على مثل هذه البدعة لمن تلبس بها بالكفر. سيأتي معنا إن شاء الله تعالى غدًا ملخص لفتنة خلق القرآن، ما الذي جرى فيها، وكيف تعامل الإمام أحمد، وكم دامت هذه الفتنة، وماذا جرى للأئمة، وماذا كان رأي الإمام أحمد فيها، وما أسباب ظهورها، لأنها قامت على هذه الضلالة العظيمة، وكانت من أعظم المحن في الإسلام: فتنة القول بخلق القرآن. فنسأل الله جل وعلا أن يهدينا بهداه، وأن يوفقنا لطاعته ورضاه، ويصرف عنا الأهواء والفتن والضلالات، ويرزقنا السنة ولزومها، والجماعة ولزومها، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وصحبه وسلم.