آداب التقبيل 3

آداب التقبيل 3

الدرس في آداب التقبيل 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب وأحكام تقبيل اليد

تحدث الشيخ عن آداب تقبيل اليد وضوابطها، وأجاز العلماء تقبيل يد الكبير والشريف مع ضوابط. يُشترط عدم اتخاذها عادة والابتعاد عن التكبر والتفاخر.

ضوابط وأحكام تقبيل الأيدي

يناقش المقطع حكم تقبيل الأيدي، ويُعتبر مكروهًا إذا اتخذ عادة. يحذر من الاعتقاد الخاطئ بأن تقبيل اليد يحل البركة، ويعتبر هذا من البدع.

تحذير من سوء استخدام تقبيل اليد

يُنبه الخطيب على خطورة تقبيل اليد للتزلف أو التملق، ويشير إلى كراهة العلماء لهذه الفعلة. يُوضح أن تقبيل اليد يجب أن يكون لاحترام وليس لغرض دنيوي.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام التوجه الديني والاعتراف بقدرة الله تعالى.

  • 11 جمادى الآخرة 1442هـ - 24/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فلازلنا إخواني في الله في باب الآداب، في ذكر آداب التقبيل، وكيف أن لهذا الباب تعلق بالآداب السابقة، وهي آداب السلام، ومن ثم آداب المصافحة والمعانقة، فكان العروج إلى مسألة التقبيل، وذكرنا في دروسٍ سابقة الأقسام التي ذكرها العلماء في أنواع التقبيل، وتحدثنا عن تقبيل اليد، إذ أنها من الظواهر المنتشرة في أكثر المجتمعات، وبينا أن تقبيل اليد نعم قد جاءت في بعض الآثار الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كيف أن في بعض الوقائع قد قُبِّلت يده عليه الصلاة والسلام، وكذلك مؤثر عن تقبيل بعض أيدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وعلى هذا أكثر العلماء على جواز تقبيل يد الكبير والشريف كالأبوين ومن كان من أهل العلم، إلا أنهم ذكروا ضوابط قد ذكرناها كذلك في دروسٍ سبقت، من ذلكم أن تقبيل يد العالم أن لا يكون ذلك على حساب المصافحة، وهذا أمرٌ مهم، فالمصافحة مقدمة على تقبيل اليد، إذ أن المصافحة من الأمور المؤكدة. كذلكم مما يذكر من هذه الضوابط والقيود أن هذا التقبيل لا يكون مدعاة إلى التكبر لدى العالم، فإذا وجد من أمره عتوة ورفعة وكبر على الناس، إذا رأى الناس يقبلون يده فلا يتمادى في هذا الباب. وأيضًا ما ذكره شيخ الإسلام من قيدٍ مهم، وهو إذا رؤي أن هذا العالم هو الذي يمد يده وهو الذي يطلب من الناس أن يقبل يده فلا يفعل، وأن هذا لا يجوز، وأن هذا ليس من دأب العلماء أنه يستغفل الناس، فإذا مرّوا عنده مدَّ لهم اليد كأنهم يقولون قبلوا، قبلوا هذه الأيدي، فهذا لا يجوز. ومما يُذكر إخواني في الله من المباحث، وهي التي تتعلق بدرس يومنا بإذن الله، أن أتكلم عن مواضيع أو مواضع لا يجوز فيها التقبيل، إما مواضع، أي تقبيل اليد، أزمان وأوقات وأشخاص لا يصح معهم تقبيل الأيدي. ومن أعظم الصفات والشروط التي ينبّه عليها العلماء في مسألة تقبيل اليد أن لا تُتَّخذ هذه عادة، أن لا تُتَّخذ هذه عادة. نعم هي جائزة كما جاءت الأدلة، لكنها لا تبلغ إلى هذا الحد، إلى حد أن الناس يعتادوا عليها حتى أصبحت من تمام التحية، من تمام المصافة التقبيل. فمثلاً بعض المصلين إذا صلى ترى أنه يرى أنه من باب الاحترام أنه يصافح يمينه مع تقبيل يده، وذاك بالمثل يأخذ يده فيقبل يده، فالكل يأخذ ويقبل، إذا التفت إلى شماله فعلى ذلك هذا يأخذ ويرفع، هذا يأخذ ويرفع، أصبحت عادة عند الناس بتقبيل الأيدي. أو قل كذلك في حق عالم من العلماء، نبه على ذلك أهل العلم، أنه ليس يكون هذا ديدن كلما جاء في الدرس قبلت يده، في درس العصر قبلت يده، في المغرب قبلت يده، فترى أن تمام التحية ما تتم إلا بتقبيل اليد، هذا لا تفعلها. ولهذا نبه العلماء إلى عدم اتخاذ هذه الظاهرة عادة جارية، إذا نفعلها أحيانًا من حيث الجواز هي جائزة، نفعلها على قدر، افعلها على قدر. وعلى هذا فتوى العلماء، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وقد سئل عن عادة المصلين مثلاً في تقبيل يد بعضهم بعضًا، قال رحمه الله تعالى: «لكن لا ينبغي أن يتخذ عادة؛ لأنه ليس من عادة الصحابة مع نبيهم عليه السلام»، أي هذا ما أثر أن الصحابة مع حبهم وتوقيرهم وتقديرهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، كانوا في كل مقام يقبلون يده. فقال: «لأنه ليس من عادة الصحابة مع نبيهم عليه السلام»، ثم قال: «أما اتخاذ تقبيل الأيدي عادة فلا ينبغي، بل هو مكروه»، فلا ينبغي، بل هو مكروه. وعلى هذا كذلك فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء، حيث قالت: «إذا قبل إنسان يد إنسان على سبيل التكريم أو لعلم أو أبويه أو نحو ذلك، ولم يتخذ عادة عند كل لقاء فلا بأس به»، فلا بأس به، فهم يشترطون عدم اتخاذه عادة. لأن عند إخواني في الله في التحايا أعظم ما ينبغي أن تحرص عليه السلام، وبعد السلام المصافحة، هذا الذي ينبغي أن يتخذ عادة، أما ما عدا ذلك مثل المعانقة مثل التقبيل، هذا كما قلنا بعد أمد أو بشروط، عند قدوم من سفر أو ذهاب من سفر أو عند طول غيبة أو نحو ذلك، أو أحيانًا، فهذه قيود لابد أن تراعى في هذا الباب. كذلك من الأمور المهمة في تقبيل الأيدي يا عبد الله، أنك عندما تقبل يد أحد من خلق الله، إياك والاعتقاد فيه، إياك وأن تعتقد فيه الاعتقادات، كحال بعض الناس من يتعمد أنه إن صافح فلانًا من الناس أنه يحرص على تقبيل يده لماذا؟ لأنه يعتقد فيه ما يسمى السر، يعتقد فيه السر، وأن تقبيل يد هذا الرجل أو ذاك الشخص أن هذا فيه تحل بنا البركة، وأن الله يمدنا بمدد من عنده عن طريق هذا الشخص. وهذا الذي يفعله بعض الناس ممن يعتقدون في الصالحين، وهذه مسألة إخواني في الله ينبغي أن يتنبه لها. ولهذا العلماء كما ذكر ذلك ابن مفلح رحمه الله تعالى، عندما بحث مسألة المصافحة والمعانقة والتقبيل، قال رحمه الله: «وتباح المعانقة وتقبيل اليد تدينًا وإكرامًا واحترامًا»، تدينًا أي لعلمه وصلاحه، وإكرامًا واحترامًا. فتجد أنهم يدورون إلى هذه المعاني، وقد مر معنا عندما قسم العلماء تقسيم القبلة وأنها تقسم إلى خمسة أقسام، تجد أن منها رحمة، ومنها مودة، ومنها شفقة، ومنها تدين، ليس هناك تبرك، ليس هناك تبرك. فمسألة التبرك يا عبد الله ليس بالأمر الهي حتى ينقدح عند جماعة من الناس أنه يتعمد أن يأتي إلى فلان فيقبل يده معتقدًا أن البركة ستحل في جسده. من أين هذا الاعتقاد؟ الجاء الذي جاء عبد الله، وهذا لا يجوز، فالبركة من الله كما قال عليه الصلاة والسلام، ليست بيد أحد، فضلاً أن يعطيها لغيره، البركة من الله، ليست لأحد أن يدعيها لنفسه، فضلاً أن يدعيها لنفسه ويهيب ولغيره، هذا لا يجوز، بل هذه من البدع المحدثة التي ابتلي بها جماعة من الناس. جماعة من الناس أنهم على هذا المنوال، حتى وجدنا إخوانًا في الله في غلو هؤلاء الناس ممن اعتقد أن البركة تحل فيه، وأن بإمكانه أن يعطي البركة لغيره، حتى وجدنا أن بعضهم من لربما وقد رؤي هذا، رؤي هذا في بعض المناسبات، أنه إذا أكل لربما يطعم غيره، هذا يقع في بعض المآدب من مآدب الطعام وموائدها، أن بعضهم ممن يتجاسر على هذا المقام، فيرى أنه بيده حملت البركة، حتى أنه إذا أكل لربما أخذ من هذا الرز وأطعم الذي بجواره، يطعم هذا ويطعم هذا، كأنهم أطفال. وهذا قد رآه لعل بعضهم قد رأى هذا يطعمهم طعامًا وهم يأكلون كالأطفال، وهم أناس بلحاهم وبشواربهم، ومنهم من قد كبر من السن عتية، ولماذا يأكلون من يد هذا للاعتقاد الذي اعتقدوه في هذه اليد، أن هذه اليد سأكل من أصابعه وأنامله وأتحصل على بركته، من أين جاء هذا الاعتقاد الفاسد؟ حتى أن من أمثالها أولًا لربما إذا أكل أكلة ترك موضع الطعام، ثم قام، فإذا بالحاشية يتكالبون على هذا المكان الذي أكل منه السيد، الكل يتكالب على هذه المنطقة، لماذا؟ يلتمسون بركة يده التي أكلت، ما هذا الغلو؟ ما هذا الاستعباد الذي وقع فيه بعض الناس؟ ليس حديث مع هؤلاء الذين قد بلغوا من الكبر هذا المبلغ العظيم، بل حديث مع السفهاء من الحمقى والمغفلين ممن ارتضى لهذا المستوى المتدني أن يكون عبدًا ذليلًا لاعتقادات فاسدة. إذ أنه انطرح في قلبه وفي ذهنه واستولى على صدره أن فلان يوزع البركة بيده، ولهذا كما قلنا إذا جاء عند يد هذا الرجل لربما قبلها، بل لربما لحس بلسانه، ما هذا الإذلال يا عبد الله؟ فاحذر من ذلك. فتقبيل اليد يا عبد الله كما يقول العلماء هي لها عدة أمور ومقامات، إما احترام، إما إكرام، إما مودة، إما شفقة، هذا مرجعها، ما أحد قال قط أنك تقبل يد هذا الرجل وأنت تعتقد فيه بأنه ماذا؟ بأنه يعطيك ويمدك ببركة من بركاته، فاحذر يا عبد الله من هذه الظاهرة. فإن كنت تفعل ذلك لهذا الوجه فاعلم أن هذا غلط، وأن هذا لا يجوز، وابتعد يا عبد الله، وانأ بنفسك عن هذه الظاهرة. المقام الثالث والأخير، وأختم به هذا المقام من الظواهر التي لا تجوز في تقبيل اليد يا عبد الله، أن تقبل يد أحد من خلق الله من باب التزلف أو من باب التملق، التملق. مثل تعرف أن رجلًا من آل فلان أعطاه الله من المال ومن السلطان ومن الوجاهة ومن الغناء، حتى أصبحت تلتمس ما عنده بهذا التملق، إذا جاء عندك أخذت وقبلتها معظما له، لماذا تفعل هذا؟ احترام، إكرام، هو نعم يقول لك احترام، لكن في قلبي لا تزلف، يظهر أنه محترم لهذا حتى يعطيه شيء، يقول: «مزك، مزك يا فلان، مزك الله»، فيعطيه شيء من البخشيش على هذا الإطراء وعلى هذا التملق، هذا لا يجوز. وقد كره العلماء هذه الفعلة، إن فعلت ذلك مع أحد من الناس لحاجة من حوائج الدنيا، يقول العلماء كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى: «قال: تقبل أو تقبل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو نحو ذلك من الأمور الدينية»، قال: «ولا يكره»، قال: «فإن كان لغناه أو لشوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة»، فمكروه شديد الكراهة. هذا يفعله بعض الناس، الأسف ممن يحب أن يتملق عند بعض الوجهاء والكبراء والزعماء بأن يتذلل بين يديه فيقبلها، ويشممها على هذا النحو، لا لشيء وإنما لعل وعسى أن يعطيني أو يمدني بمال من عنده. ولهذا قال إمام المرذوي رحمه الله تعالى: «قال: سألت الإمام أحمد سألت الإمام أحمد عن قبلة اليد»، فقال رحمه الله تعالى: «على طريق التدين فلا بأس»، تدين كما قلنا لعلمه وصلاحه لمقامه لا بأس. قال: «إن كان على طريق الدنيا فلا»، أما إن كان على طريق الدنيا كما قلنا تملق وتزلف، فهذا لا يجوز. وأدخل العلماء في هذا الباب كذلك كل من لا يستحق التقبيل، رجل معروف بالدعارة، بالفساد، بالعهر، بالانحلال، بالانحراف، مهما كان شأنه ومهما كان نسبه وأصله، لكنه فاسد، هذا لا يستحق التعظيم. لأن كما قلنا تقبيل اليد إنما يخرج مقام الإحترام والإكرام، فهل هذا الذي أمامك يستحق الإحترام والإكرام؟ إن كان مجرمًا، إن كان سفاحًا، إن كان معروفًا لأنه مروج للمخدرات، أو أنه كان رئيس جماعة ضالة من الجماعات، هذا لا يستحق. ولهذا يقول ابن الوردي رحمه الله تعالى في أبيات شعرية: «أنا لا أختار تقبيل يد قطعها أجمل من تلك القبل»، أنا لا أختار تقبيل يد، أي هذه اليد حقها أن تقطع، لا أن تقبل. ففرق بين الأيدي التي تقطع لأنها لفسادها وخبثها ودناءتها، فهذه حقها في الشريعة أن تقطع، لا أن تقبل. فيا عبد الله، فمسألة ظاهرة التقبيل اليد هذه من المسائل الذي ينبغي لمن ابتلي بها أن يراعي مثل هذه الظروف ومثل هذه المواصفات التي أشار إليها العلماء. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.