باب الوضوء 10

الدرس في باب الوضوء 10، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

قاعدة اليقين لا يزول بالشك في نواقض الوضوء

يشرح المقطع قاعدة فقهية كبرى وهي أن اليقين لا يزول بالشك، مستدلاً بها على حكم أكل لحم الجزور ونقض الوضوء. ويبين أن من تيقن طهارته ثم شك في حدثه بقي على طهارته، ومن تيقن حدثه ثم شك في طهارته بقي على حدثه.

قاعدة اليقين لا يزول بالشك في الطهارة والحدث

يشرح المقطع قاعدة فقهية أصيلة مفادها أن اليقين لا يزول بالشك، فيبقى المتوضئ على طهارته حتى يتيقن الحدث. ويستدل لذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وقول النووي إن هذا الحديث أصل من أصول الإسلام.

أحكام الشك في العبادات وقاعدة اليقين

يستعرض المقطع أحكام الشك في الصلاة من حيث الحدث وعدد الركعات مستدلاً بالأحاديث النبوية. ويقرر قاعدة فقهية كلية هي: إذا طرأ شك بضده عمل يقينه، ويطبقها على الطلاق والصيام.

ختم الدرس والصلاة على النبي

يعلن المتحدث عن تعليق القراءة لاستئنافها بعد الصلاة. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذا الكتاب النافع «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد» للعلامة أحمد بن الحسين بن رسلان رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: «واختير من أكل للحم الجزور، ومع يقين حدث أو طهر إذا طرأ شك بضده عمل، ويجوز إذا طرأ شك بضده عمل يقينه، وسابق إذا جهل، خذ ضد ما قبل يقين حيث لم يُعلم بشيء فالوضوء ملتزم». تقدم الكلام على قوله رحمه الله: «واختير»، وهذا اختيار الإمام أبي زكريا النووي رحمه الله تعالى، وهو أن أكل لحم الجزور -أي الإبل- ناقض من نواقض الوضوء. يقول رحمه الله تعالى: «ومع يقين حدث أو طهر إذا طرأ شك بضده عمل يقينه»، أو «عمل يقينه». وهذه مسألة مهمة، وهي قاعدة من قواعد الفقه الكبرى. فإن قواعد الفقه الكلية الكبرى خمس قواعد، ومنها هذه القاعدة: «أن اليقين لا يزول بالشك». ومن القواعد الكبرى: «الأمور بمقاصدها»، ومنها: «أن العادة محكمة»، ومنها: «أن الضرر يزال»، ومنها هذه القاعدة: «اليقين لا يزول بالشك». اليقين لا يزول بالشك، قاعدة من القواعد الكبرى. من أول من اشتهر بهذه القاعدة الفقهية علماء الحنفية، ثم أخذ بها جمهور العلماء. من أول من أشهر هذه القاعدة علماء الحنفية، ثم اشتهرت عند سائر علماء المذاهب: اليقين لا يزول بالشك. «ومع يقين حدث أو طهر» يعني: إذا كنت على يقين من طهارة، ثم طرأ في نفسك شك في حدث، لكن هذا الشك لم يبلغ درجة اليقين. رجل قال: «أنا توضأت، لكني أشك أني قد أحدثت». يقال: اليقين لا يزول بالشك. أنت على طهارة، أنت على وضوء، صل بوضوءك، صل بطهارتك، لا شيء عليك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. قال قائل: عكس هذه الصورة: أنا على يقين أني أحدثت، لكني في شك: هل توضأت أم لا؟ أنا على يقين أني أحدثت، لكني على شك: هل توضأت أم لا؟ يقال: أنت على يقينك، ابقَ فأنت محدث، توضأ. اليقين لا يزول بالشك، اليقين لا يزول بالشك. هذه القاعدة قاعدة تدخل على أغلب أبواب الفقه، ليس باب الوضوء فقط، أو باب النجاسة، أو باب المياه، بل هي تدخل في أبواب الصوم، وأبواب الصلاة، وأبواب الطلاق، وأبواب العتق، وغيرها من الأبواب: اليقين لا يزول بالشك. معنى هذه القاعدة: أنه إذا جاءك يقين، ثم طرأ شك في وجود مانع من صحة هذا العمل، فإنك تبقى على اليقين. المراد بالشك هو التردد بين وجود الشيء وعدمه. المراد بالشك عند الفقهاء: هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء استوى طرفاه أم كان الأغلب أحدهما. ولهذا، الشك هو التردد بين وجود الشيء وعدمه. هو على يقين من الطهارة، لكنه شاك في وجود الحدث، شاك في وجود الحدث. قلنا: الأصل الطهارة، ابقَ عليه، لا تلتفت إلى الشك، لا تلتفت إلى الشك؛ لأن القاعدة أن اليقين لا يزال، لا يزال بالشك، اليقين لا يزال بالشك. فإذا تيقن حدثاً أو طهراً، ثم شك، فإنه يعمل بضده، أي: بضد الشك. «ومع يقين حدث أو طهر إذا ترى شك بضده عمل»، أو «بضده عمل»، أي: العامل إذا طرأ شك بضده عمل. اليقين أقوى، والشك أضعف، ولهذا يجب البقاء على اليقين، لا يزال اليقين، بل يبقى على يقينه، ولا يلتفت إلى شكه. «إذا ترى شك بضده عمل»، أي: عمل العامل، أو «بضده عمل»، أي: الذي يجب أن يعمل هو التمسك بضده، التمسك بضد الشك. هذا الذي يجب أن يكون عليه العبد المسلم في مثل هذا. هذه القاعدة لها أدلة كثيرة معروفة، هذه القاعدة لها أدلة كثيرة وهي معروفة، منها ما نزل به من القرآن الكريم، ومنها مما هو في السنة النبوية. الأدلة على هذه القاعدة كثيرة عند أهل العلم. الأدلة كثيرة، من أشهرها وأصرحها ما جاء في صحيح الإمام مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟». رجل وجد في بطنه قرقرة أو نحوها، شك: هل أخرج حدثاً؟ هل خرج منه فَساء أم لم يخرج؟ هل خرج منه ضراط أم لم يخرج؟ لكنه على يقين أنه توضأ وتطهر، لكنه الآن في منزلة الشك: هل أحدث أم لا؟ إذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. فإن وجد صوتاً، أو سمع صوتاً، أو وجد ريحاً، نناصحه: هل سمعت شيئاً؟ قال: لا، لكن أنا متشكل. طيب، هل شممت رائحة؟ قال: لا. قلنا: ابقَ في صلاتك، ابقَ في مسجدك، لا تخرج، ابقَ في قراءتك للقرآن، فأنت متوضئ؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. الإمام النووي رحمه الله تعالى عند هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم يقول: «هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي: أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك». لا بد أن تتيقن أنك أحدثت، فإذا لم يكن يقيناً وكان شكاً، فإنك تبقى على ما أنت عليه من أمر الطهارة. قال رحمه الله تعالى: «هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي: أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ». انتهى كلام. الشك الذي يطرأ لا يضر، بل يبقى الإنسان على يقينه. يقول الناظم: «ومع يقين حدث أو طهر»، أنت متيقن أنك تطهرت، أو متيقن أنك أحدثت. «إذا أطرى شك بضده عمل»، أو «بضده عمل». إذا جاءك الشك، الواجب أن تعمل بضد الشك. فإن شككت في الطهارة فأنت متطهر، وإن شككت في الحدث فأنت محدث. «بضده عمل». من أدلة هذه القاعدة النافعة أيضاً ما جاء في الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، قال: «شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة». هذه شكوى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يصلي، ثم يخيل إليه أنه أحدث، أي: فَساء، أو خرج منه شيء. يشك: هل خرج منه بول؟ هل خرج منه فَساء؟ هل خرج منه ضراط؟ هل خرج منه كذا؟ فالصحابة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن زيد: «شُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة». قال صلى الله عليه وسلم في جواب هذا السؤال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». هذا الحكم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. في الباب أيضاً في كتاب الصلاة: حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى: ثلاثاً أم أربعاً؟». إذا شك أحدكم في صلاة فلم يدري كم صلى: ثلاثاً أم أربعاً؟ «فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن». يطرح الشك: شك فيه ثلاث أم أربع؟ اليقين أين؟ أنه صلى ثلاثاً، هذا يقين. الرابعة فيها شك. «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى: ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم». فإن صلى... فإن كان صلى خمساً، شفعنا له صلاته. فإن كان صلى خمساً، هكذا الرواية: «فإن كان صلى خمساً شفعنا له صلاته»، أي: تحولت الصلاة الوترية إلى شفعية. الآن هو صلى خمس ركعات بسبب الوهم، ركعتي سجدتي السهو تنقلب الصلاة إلى شفعية، فتعود أربع ركعات. هذا معنى الحديث: تعود أربع ركعات، وهو إنما صلى كم؟ صلى خمس ركعات بسبب الشك، شك فزاد ركعتين. قال صلى الله عليه وسلم: «فإن كان صلى خمساً» -أي بحقيقة الأمر التي يعلمها الله سبحانه- «شفعنا له صلاته»، أي: صارت صلاته شفعاً. «وإن كان صلى إتماماً لأربع ركعات، فإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان». أخرجه مسلم في صحيحه. شاهد: الشك إذا طرأ، عمل بضده وهو اليقين. قال الناظم... قال الناظم: «إذا طرأ شك، إذا طرأ شك بضده عمل يقينه». ضد هو اليقين. انتهت المسألة: «إذا طرأ شك بضده عمل يقينه». رجل شك: هل طلق امرأته أم لا؟ يعني: طلق أو ما طلق؟ قال: «أنا شك: طلقتُ المرأة أو ما طلقتها؟» نقول: اليقين أنها زوجتك. قال: نعم، اليقين أنها زوجتي، والشك أين؟ قال: الشك أنه طلقت أو ما طلق. قلنا: أسقط الشك ولغِه تماماً. زوجتك، وما طلقتها أبداً، ما حصل منك شيء. «إذا طرأ شك بضده عمل يقينه». هذه القاعدة: إذا طرأ شك بضده عمل... الشك أين؟ قال: طلقت، ما طلقت. قلنا: خلاص، هذا الشك اشطب عليه؛ لأن اليقين أنها زوجته. وهكذا في سائر الأبواب: شك في الصوم، هل صام أو ما صام؟ قلنا: الأصل أنك صمت رمضان، الأصل أنك صمت، وهو اليقين. قال ربنا... عظم رحمه الله: «إذا طرأ شك بضده عمل يقينه». هذه المسألة. ثم دخل رحمه الله في مسألة أخرى، قال رحمه الله: «وسابق إذا جهل، خذ ضد ما قبل يقين حيث لم يعلم بشيء فالوضوء ملتزم». طيب، نقرأ إن شاء الله بعد الصلاة، إنها مسألة متصلة. نقف ها هنا. وهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.