شرح كتاب التوحيد 38

الدرس في شرح كتاب التوحيد 38، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

خطر الغلو والتنطع وأثرهما في هلاك الأمم وأصل الشرك

الغلو والتنطع من أسباب هلاك الأمم السابقة، والغلو في الصالحين هو أول شرك وقع في العالم. الإفراط والتفريط كلاهما مذموم لكن الغلو أشد خطراً.

موقف أهل السنة من الصالحين ووسائل الشرك

تقديس أرواح الصالحين وعبادتهم من تزيين الشيطان، والناس ينقسمون إلى غالين وجفاة وأهل سنة وسطيين. وسائل الشرك كالتقرب عند القبور محرمة لكونها ذريعة للشرك الأكبر.

حكم العبادة عند قبور الصالحين وخطر التشبه بهم

العبادة عند قبر صالح بقصد الله وحده تُعد شركاً أصغر وذريعة للشرك الأكبر، ويجب الإنكار الشديد عليها. العلماء يرون فاعلها ضالاً مبتدعاً لا مشركاً، لكن التشديد واجب لسد الذريعة.

ختام المجلس والتنويه بأهمية أبواب الشيخ

يختم الشيخ بالإشارة إلى عظمة أبواب الكتاب وأهمية حفظها وفهمها. ثم يعلن انتهاء الوقت واستكمال الشرح في المجلس القادم مع الصلاة على النبي.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

طيب، نكمل الباب إن شاء الله تعالى. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وهذا من حديث ابن عباس عند أحمد وجماعة. وسبب الحديث: أنهم كانوا في مزدلفة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقط له حصى الجمار، أمر رسول الله ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار، ثم قال: «بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وهو مجاوزة الحدود الشرعية. الغلو: مجاوزة الحدود الشرعية. قال: ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون»، قالها ثلاثاً. والمتنطعون هم المتكلفون، المتنطعون هم المتكلفون المتعمقون الذين يغلون في الكلام. المتنطعون هم المتكلفون المتعمقون الذين يغلون في الكلام. وأصل الكلمة من النطع، وهو غار الفم. النطع: غار الفم الأعلى يسمى نطع، كناية عن تشدقهم في الكلام وتكلفهم فيه، حتى كأنهم يخرجونه من أقصى حلوقهم، فنسب إلى ذلك فقيل: المتنطعون. وهذا اللفظ «هلك المتنطعون» يشمل المتنطعين في أقوالهم أو في أفعالهم أو في عقائدهم. فكل ما خرج عن سنن الشريعة قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً فهو تنطع. كل ما خرج عن سنن الشريعة قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً فهذا هو التنطع. أما البيان: فإن كان في الحق فهذا ممدوح. البيان إن كان في الحق فهذا ممدوح، لما جاء في صحيح مسلم: «إن من البيان لسحراً». فالبيان ممدوح، والفصاحة ممدوحة في الحق، وأما في الباطل فمذمومة. فالمتنطعون يشمل المتنطعين كما تقدر في أقوالهم أو في أفعالهم أو في عقائدهم. والخلاصة: أن التنطع والغلو والإطراء، كل هذا من أبواب هلكة الأمم. الغلو والتنطع والإطراء، كل هذا من أبواب هلاك الأمم. وذلك أن الشيطان يأتي إلى الإنسان فيشام قلبه أن يشمه إلى أي جهة هو. فمن الناس من طبيعته الشدة، فينفق فيه الغلو. ومنهم من طبيعته الليونة، فينفق فيه التفريط، كما ذكر العلماء رحمهم الله. فالإفراط والتفريط مذموم، الإفراط والتفريط مذموم. والغلو أعظم من التفريط؛ لأنه قد يوصل الإنسان إلى أمور أسوأ من الأمور التي قد يوصله إليها التفريط. وكل مذموم، كل مذموم. غير أن من أهل العلم من يقول: كل مذموم، غير أن من أهل العلم من يقول: إن الغلو أعظم وأشد من التفريط. وكل مذموم، كل مذموم. فالشاهد: أن من أسباب عبادة القبور وعبادة الصالحين الغلو فيهم، يعني مجاوزة الحد. هذا مما أدى إلى هلكة الأمم. وهذا أول شرك حصل في العالم: من الغلو في الصالحين. بشراً كانوا أو ملائكة، أنبياء كانوا أو أولياء. هذا أصل شرك العالم. ثم منهم من يصورهم على صورة أصنام، ومنهم من يجعلهم في قبور، ومنهم من يجعلهم في صور وألواح، وهكذا. ومنهم من يجعلهم في الكواكب، يعني أن أرواحهم في كواكب، ويجعل الكواكب أصناماً في الأرض. والكل يرجع إلى تقديس روح الرجل، روح الصالح. كل هذه العبادات ترجع إلى تقديس الرجل الصالح، روح الصالح، إلى تقديس أرواح الصالحين. وأصل ذلك كله من عبادة الشيطان. أصل ذلك كله من عبادة الشيطان؛ فإن الشيطان هو الذي زين هذه العبادة لهؤلاء العابدين. الشيطان هو الذي زين هذه العبادة لهؤلاء، فضلوا وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل. وكذلك الجن: أيضاً من أهل العلم من يقول: أصل الشرك عبادة الجن. هذا كلام صحيح؛ فإن الجن تتصور لهم وتخدعهم، كما تخدع، فتوهمهم أن الصالح يكلمهم وأنه يقضي حوائجهم، وإنما يقضي الجني حوائجهم. قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ ومما ينبغي أن يعلم: أن الناس في باب الصالحين ثلاثة أقسام. الناس في باب الصالحين بين إفراط وتفريط. فمنهم من يغلو في الصالحين وينزلهم منزلة رب العالمين. هؤلاء الغلاة في الصالحين. ومنهم من يحتقرهم ويؤذيهم ويسبهم ويبغضهم. هؤلاء الجفاة. أولئك الغلاة، وهؤلاء الجفاة، وكل مذموم. وأهل السنة والجماعة: نحب الصالح بصلاحه ولا نغلو فيه. نحب الصالح بصلاحه ولا نغلو فيه، فنرفعه إلى مرتبة النبوة إن كان ليس بنبي، ولا إلى مرتبة إلهية أبداً. لا نرفعهم إلى مرتبة إلهية، ولا نهينهم فنسبهم. بل نحن نحترمهم ونعظمهم تعظيماً شرعياً. نعظم الأولياء والصالحين تعظيماً شرعياً، ونتقرب إلى الله بحبهم حباً شرعياً. نتقرب إلى الله سبحانه بحب الصالحين حباً شرعياً، بلا إفراط ولا تفريط. نحبهم محبة شرعية لائقة بهم، ونوالي كل مؤمن على قدر ما فيه من الصلاح. نوالي كل مؤمن على قدر ما فيه من الصلاح، ونبغض العصاة على قدر ما فيه من العصيان، ونبغض الكفار مطلقاً لأنهم ليسوا صالحين أبداً. فنحن نحب الصالح بقدر صلاحه، ونكره الطالح بقدر طلاحه، ونوالي الصالحين بقدر صلاحهم، ونتبرأ من الفاسدين بقدر فسادهم. هذا معتقد أهل السنة والجماعة في الباب، خلافاً للخوارج وللمرجئة. قال رحمه الله: باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ وهذا الباب كما تقدم: فيه بيان أسباب الشرك. فالترجمة معقودة لبيان وسائل الشرك. الترجمة معقودة لبيان وسائل الشرك، وأن هذه الوسائل محرمة. هذه الوسائل محرمة، ووسائل جاءت النصوص بذمها. وسائل الشرك جاءت النصوص بذمها والتحذير منها، وتقبيحها، وبيان شناعتها. هذا ما جاءت الأدلة به في وسائل الشرك. وجاءت الأدلة بالتغليظ على من يفعل وسائل الشرك. جاءت الأدلة فيها التغليظ على من يفعل وسائل الشرك؛ لأن هذه الوسائل ذرائع إلى الشرك الأكبر. هذه الوسائل ذرائع إلى الشرك الأكبر، ولهذا فهي حرام. فمن يأتي عند قبر رجل صالح ثم يعبد الله وحده لا شريك له: هذا مذموم، يجب التغليظ في الإنكار عليه والتشديد عليه وتحذيره والإغلاظ عليه في الإنكار، إذ يعبد الله عند قبر رجل صالح. وإن كنا نجزم أنه ليس من المشركين، نحن نجزم أن هذا الذي يعبد الله عند قبر رجل صالح ليس من المشركين، لكن عنده وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، وعنده ذريعة من ذرائع الشرك الأكبر. ثم هو يفتح الباب لغيره. فهذا الضال يعبد الله وحده عند قبر الرجل الصالح، فيأتي من يتأسى به، ويوحي إليه الشيطان أن فلاناً الصالح إنما كان يعبد ذلك الصالح عند قبره، فيقع الشرك العظيم في الأمة. فإن الناس كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الناس كأسراب القَطا». الناس كأسراب القَطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. هذا معلوم. ولهذا ترى أهل الصنعة يحب بعضهم بعضاً، وأهل البلد الواحد يحب بعضهم بعضاً، وهكذا. وأهل الإقليم الواحد يتقاربون، وإن كانوا في بلدانهم أعداء، لكن إذا تغربوا تقربوا. إذا تغربوا تقاربت قلوبهم بعضها من بعض. الشاهد: من يحب الصالح يحب التشبه به. الناس كأسراب القَطا. القَطا: طيور صغيرة ضعيفة تقلد بعضها بعضاً. الناس كأسراب القَطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. فهذا يزم ويشد عليه في الإنكار، يشد عليه في الإنكار. لكن هل هو مشرك؟ هل هو كافر؟ الجواب: ليس مشركاً شركاً أكبر، لكنه مشرك شركاً أصغر. هذا الذي يعبد الله عند قبر الرجل الصالح: مشرك شركاً أصغر، وليس مشركاً شركاً أكبر؛ لأنه لم يشرك أصلاً، وإنما ظن بركة المكان أو نحو ذلك، وأن الله جعل فيها سبب استجابة. فالحاصل: أن من عبد الله بدعاء أو ذبح أو نذر أو غير ذلك عند قبر رجل صالح، وهو إنما يعبد الله وحده، هذا ليس من المشركين. ليس من المشركين. وقول من يقول: إنه ما خرج من بيته إلى عند ذلك القبر إلا ويريد أن يعبده، هذا كلام فيه نظر. الذي يقوله العلماء: إنه قد يعبد الله وحده، ليس مشركاً إذا عبد الله وحده، ليس مشركاً. لكن إذا عبد صاحب القبر يكون مشركاً. فمن ذبح عند قبر، أو صلى عند قبر، أو قرأ القرآن عند قبر، أو دعا عند قبر، أو نحو ذلك لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له: هذا ليس مشركاً. هذا ضال من الضالين، مبتدع من المبتدعين، لكنه ليس مشركاً شركاً أكبر. مشرك شركاً أصغر. يذن، يغلظ عليه بالإنكار حتى يرعوي هو ولا يفتن غيره. يرعوي هو ولا يفتن غيره. فإن الناس مجبولون على التقليد كما هو معلوم. فكم من أسباب الشرك مثل هذا! كما تقدم في قوم نوح: أناس عبدوا الله سبحانه، فإذا رأوا تلك الصور دعوا الله وبكوا وخشعوا. جاء من بعدهم، أوحى إليهم الشيطان أنهم ما يبكون ولا يعبدون إلا إياهم، فاعبدوهم كما عبدوهم. فلما اندرس العلم، عبدوا. فالشاهد: أبواب الشيخ رحمه الله أبواب عظيمة، وتراجم تعتبر من القواعد التي يحسن حفظها وفهمها. طيب، لعل الوقت قد دخل. نكمل إن شاء الله تعالى المجلس القادم. فإذا كان لكم شيء... اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.