شرح كتاب التوحيد 49

الدرس في شرح كتاب التوحيد 49، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تحريم التنجيم والكهانة بالأبجد والأبراج

يبيّن المحور تحريم استخدام حروف الأبجد والأبراج لادعاء علم الغيب، معتبراً ذلك من الكهانة والتنجيم المحرم، وأن من صدّق بذلك لم تُقبل صلاته أربعين يوماً وقد يبلغ الكفر الأكبر. ونقل عن ابن عباس وابن القيم أن فاعل ذلك لا نصيب له في الآخرة.

تعريف النشرة وأنواعها وحديث جابر في النهي عنها

يشرح المحور المعنى اللغوي والاصطلاحي للنشرة بأنها علاج للسحر والمس، ويبيّن أنها نوعان: مشروعة وممنوعة شركية، مستعرضاً حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: «هي من عمل الشيطان»، مع مناقشة سند الحديث.

حكم النشرة الشركية بالاستعانة بالشياطين في الجاهلية

يتناول المحور حكم النشرة الجاهلية التي كانت تمارس بالاستعانة بالشياطين وعبادتهم، مبيناً أنها شرك أكبر وحرام بإجماع، مستدلاً بحديث عائشة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل عن ابن مسعود والإمام أحمد كراهيتها التي تعني التحريم.

مشروعية الرقية الشرعية وفك السحر بفتوى ابن المسيب

يعرض المحور حكم الرقية الشرعية كوسيلة مشروعة لفك السحر، مستعرضاً فتوى سعيد بن المسيب التي أجازتها بشرط قصد الإصلاح، مؤكداً أن ما نفع به الله لم يُنهَ عنه.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

من فعل ذلك له عند الله من خلاق. قال ابن عباس: هذا الباب، قال ابن عباس في قوم يفتحون أبجد، يعني حروف الهجاء، ويجعلون لكل حرف عدد، وهي ما يقال: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ. فإذا بلغت إلى العشرة، وعقدت الأعداد إلى مائة، فالعشرة بعشرة، والعشرين بعشرين، إلى ثلاثين، فأربعين، إلى مائة، فألف، فثلاثة آلاف، وهكذا. ومن الناس من يستعمل هذا على أنه إطلاع على الغيب، وهذا نوع من التنجيم، يدخل في الكهانة؛ لأن المراد منه إدراك الغيب، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وإذا كنت من المواليد برج الأسد يأتيك بيومين حزن شديد لفقد قريب، وإذا كنت من المواليد برج العذراء، وهكذا. فمن اشترى هذه الجرائد لأجل الاطلاع عليها، لا يقبل الله له صلاة أربعين يوماً. ومن اشترى هذه الجرائد لأجل الاطلاع على ذلك، لأجل الاطلاع على ذلك، لا يقبل الله له صلاة أربعين يوماً. وإن زعموا أنهم يعلمون الغيب فقد كفروا، وإن زعموا ذلك فقد كفروا كفراً أكبر، وإن تردد بسبب الشبه فهو كافر كفراً أكبر، ويُخشى عليه من الكفر الأكبر. وإن تردد فهو كافر كفراً أكبر، ويُخشى عليه من الكفر الأكبر، ولا يقبل له صلاة أربعين يوماً. وقال ابن عباس في قوم يبتدئون أبجد وينظرون في النظم، سيأتي الكلام على التنجيم، وأن منه علم التسيير، وأن منه علم التقدير، وهذا من المباحث كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب المستقبل. قال: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق. والأصل في إطلاق الخلاق الكفر، والأصل في إطلاق الخلاق الكفر. فما قال سبحانه في آية البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وقال العلماء، الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله: ﴿وَلَقَدْ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أي: هذا فات، والخلاق: النصيب. ليس له نصيب، والأصل في إطلاقه الكفر. فمن ادعى الاطلاع على الغيب فقد نازع الرب في صفته الخاصة به وهي علم الغيب. وهكذا علم النجوم التأثيري، يظن أن النجوم تؤثر، فهذا أيضاً كافر. قال ابن عباس: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق، أي: ليس له نصيب، لما في ذلك من الافتئات على علم الغيب بما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ويستفاد من أثر ابن عباس أنه لا يغتر بحال أهل الباطل ولو ادعوا علوماً وفهماً، وأنه لا يجوز الاغترار بحال أهل الباطل وإن ادعوا علوماً وفهماً؛ لأن الذي ينظر في النجوم يدعي علماً، والساحر يدعي أنه طبيب وعالم، والعبرة بالكتاب والسنة، هما الميزان. قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء في النشرة. وهذا من حسن تصنيفه رحمه الله، فإن هذا الباب مناسب لما قبله، وهذه الترجمة مناسبة لكتاب التوحيد. والنشرة بضم النون مأخوذة من نَشَرَ يَنشُرُ نَشْراً، والأصل في مادة نَشَرَ (النون والشين والراء) أنها تدل على معنى الإحياء، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ أي أحياه وبعثه، وكما قال سبحانه: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾، قرأ ابن عباس: «ننشرها»، وقراءتنا «ننشزها»، والمعنى: نحييها. ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ أي نحييها. هذا معنى، فمادة نشرة تدل على معنى الإحياء، كما هو معلوم. قال الأعشى: حتى يقول الناس مما رأوا ** يا عجباً للميت الناشري أي: الذي قد أحيي بعد أن مات. حتى يقول الناس مما رأوا: يا عجباً للميت الناشري، أي: الذي قد مات ثم أحيي، هذا عجيب. وقال أبو ذؤيب مبيناً أن المدح لا ينفع الميت شيئاً، المدح لا ينفع الميت شيئاً: لو كان مدحٌ يُحيي أحداً لأنشر ** أحيى آباءك الكرام المآثر يعني: لو كان المدح ينفع أحداً ويحييه لأحيى آباءك الكرام المآثر التي قيلت فيهم، لكن المدح لا يغني عن الميت شيئاً. هذا معنى شاهد مادة النشرة تدل على معنى الإحياء. والنشرة هاهنا ضرب من العلاج يعالج به المسحور ومن به مس الجن، سميت بذلك لأن صاحبها يُنشر عنه، فكأنه يُبرأ مما به، وزال كأنه كان ميتاً فأحياه الله. هذا معنى النشرة من حيث اللغة ومن حيث اصطلاح أهل العلم. هذا الباب كما تقدم مناسب لما قبله؛ لأن السحر أمر عمت به البلوى، والمعالجون للسحر كثيرون، وعلاج السحر نوعان: نوع شرعي ونوع غير شرعي. العلاج المسمى بالنشرة نوعان: نوع شرعي ونوع غير شرعي، وأكثر المعالجين يعالجون بالنشرة الممنوعة. أكثر المعالجين للسحر ونحوه إنما يعالجون بالنشرة الممنوعة، ولما كان هذا الأمر قد عمت به البلوى في بلاد المسلمين، اقتضى الحال من المصنف رحمه الله أن يبين المسألة ويشرحها، ويبين المشروع من الممنوع ويميزه، نصحاً لله سبحانه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا يدل على حرص المصنف على الخير. قال: باب ما جاء في النشرة. النشرة ضرب من العلاج للسحر وللمس، فمن نُشر عنه فكأنه كان مربوطاً فَفُك عنه، فكأنه أحيي بعد الموت. قال: عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». رواه أحمد بسند جيد وأبو داود، وهذا حديث صحيح. والإمام الوادعي رحمه الله يعلّه في أحاديث معلة، وما أعلّه به لا يعل الحديث؛ فإنه أعلّه بقول ابن معين: إن فلاناً لم يسمع من جابر، إنما هو كتاب أو صحيفة، ليس بشيء، أي: بالنسبة إلى السماع. والمكاتب حجة إذا عرف الخط، المكاتب حجة إذا عرف الخط، كما هو مذهب البخاري وجمهور المحدثين. فكون الراوي لم يسمعه من جابر، لكنه يروي عن صحيفة وكتاب عرف بها المروي والمروي عنه، فهذه لا تؤثر. قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة، أي: النشرة الشركية. سئل عن النشرة التي يعملها أهل الجاهلية بواسطة الاستعانة بالشياطين وعبادتهم، وهي النشرة الشركية، وهي التي يفعلها أهل الجاهلية، وهي التي تكون بالاستعانة بالشياطين وعبادتهم من دون الله سبحانه وتعالى، وهي حرام باتفاق. نشرة الجاهلية حرام باتفاق، وهي شرك أكبر، شرك أكبر، لما فيها من الاستعانة بالشياطين وعبادتهم من دون الله سبحانه وتعالى. قال: «هي من عمل الشيطان»، وهذا كافٍ في تحريمها، والأصل في عمل الشيطان الكفر، الأصل في عمل الشيطان الكفر. ومن لم يصحح الحديث، فيكفيه ما ثبت في البخاري من حديث عائشة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله، أفلا تنشر؟ قال: «أما الله فقد شفاني، وكرهت أن أفتح للناس شراً». فدل على أن النشرة شر، هذا حجة في الباب لمن ضعف الحديث. وقال: سئل أحمد عنها، فقال ابنه عبد الله: قال ابن مسعود: يكره هذا، يعني: يكره النشرة وتعليق التمائم. ابن مسعود يكره هذا كله، يعني: النشرة وتعليق التمائم. وظاهر هذا أنه اختيار الإمام أحمد أيضاً، فإنه نقل فتوى ابن مسعود واعتمدها، وظاهر هذا أنه يقرها ويفتي بها. والأصل في الكراهة عند السلف التحريم، الأصل في الكراهة عند السلف التحريم إلا ما خرج بدليل. لقوله في سورة بني إسرائيل: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أي: حراماً. ومنه ما هو كفر. هذا قول السلف، كما نص عليه غير واحد، كابن القيم في إعلامه، والغزالي في مستصفاه، وجماعة تقدم ذكرهم في غير هذا. قال: فقال ابن مسعود: يكره هذا كله، أي: يحرمه. هذا معنى: يكره هذا كله أن يحرمه. هذا الأصل، وإنما المتأخرون هم الذين قالوا بكراهة التنزيه وفصلوها عن التحريم. قال: وللبخاري في صحيحه عن قتادة، قلت لابن المسيب: رجل به طَبٌّ. هذا من باب التفاؤل، وهي من عادات العرب الحسنة، يسمون الأشياء بأضدادها تفاؤلاً. فمن لدغه ثعبان قالوا: سليم، تفاؤلاً بالسلامة. ومن كان أعمى قالوا: بصير، تفاؤلاً بالبصر. ومن كان مسحوراً قالوا: به طَبٌّ، والطَبُّ: البَرَء. طَبٌّ معناه البَرَء، هذا معنى كلمة الطَبِّ، أي: هو صحيح برىء، وهو مسحور. لكن هذا من أساليب العرب، هذا من عوالي أدب الخطاب عند العرب، وهو مما يدل على كمال العقل. ويحكون في هذا الباب أن بعض الأدباء كان في مجلس هارون الرشيد، وفي يده أعواد الخيزران، واسم أم الرشيد الخيزران، فقال الرشيد لهذا الأديب: ما في يدك يا فلان؟ قال: هذه أصول الرماح. ما قال: هذه الخيزران، لأن والدته اسمها الخيزران، فيكون فيه تعريض بأمه. هذا من عوالي أدب الخطاب. قلت لابن المسيب: رجل به طَبٌّ، أي: سَحَرَ أو يُؤخذ عن امرأته، يعني: يعجز عن جماعها مع قدرته في غيرها، يؤخذ عن امرأته أن يعجز عن جماعها مع قدرته في غيرها. وهذا من السحر، عياذاً بالله، وهو موجود في الناس. قال: ما أستطيها، وفي غيرها أستطيع. هذا ضرب من السحر، أو يُؤخذ عن امرأته، أي: يُحل عنه، أو يُنشر، يعني: تُحل عنه، يُحل عنه السحر في عقده، أم يُنشر، أي: رُقى. رُقى شرعية. هذا من باب حسن الظن بفتوى ابن المسيب رحمه الله، هذا من باب حسن الظن، سيأتي الكلام على ذلك. قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما نفع فلم يُنهَ عنه. انتهى. طيب، إن شاء الله تعالى نلتقي بكم غداً، فالباب هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.