الدرس في شرح كتاب كشف الشبهات 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المحور أن الإله عند المشركين هو كل من صرف له تعلق القلب من خوف ورجاء ومحبة، مبيناً أن لا إله إلا الله تعني لا معبود بحق إلا الله. كما يفرق بين لفظ السيد بمعنى السيادة الجائزة وبين إطلاقه بمعنى الربوبية والنفع والضر الذي هو شرك أكبر.
يبيّن المحور أن معنى لا إله إلا الله هو إفراد الله بالعبادة لا مجرد الإقرار بالربوبية، منتقداً جهل علماء الكلام بهذا المعنى. ويؤكد أن المعرفة النافعة هي معرفة القلب، وأن الشرك الأكبر ظلم لا يغفره الله، والدين المقبول هو الإسلام بتحقيق التوحيد.
يؤكد المحور أن التوحيد دين جميع الأنبياء ولا يقبل الله سواه، وأن معرفته نعمة تفوق أموال الدنيا، آمراً بالفرح بفضله ورحمته. ويحذر من الأمن من مكر الله موضحاً أن سمة الموحدين الخوف الشديد من الشرك مستدلاً بخوف الأنبياء والسلف.
يحذر المحور من الاستدراج الإلهي والغرور بالأماني، مبيناً أن الكلمة الواحدة قد تهوي بصاحبها في النار حتى لو قالها جاهلاً أو مازحاً. ويوضح أن الجهل لا يعذر من بلغه العلم وأعرض عنه، وقد قامت الحجة بالقرآن على من سمعه.
طيب، مذاكر إن شاء الله تعالى بعض ما تقدم مما تقدم في كلام المصنف رحمه الله تعالى وغفر له: أن الإله هو الذي يقصد عندهم لأجل هذه المعاني، سواء كان ملكا أو غيره. فهل هذه الدعوة من المصنف رحمه الله صحيحة؟ أن الإله فعند المشركين هو المقصود بتلك المعاني المعلومة عندك. فصل: يعني الإله المقصود بتلك المعاني، وما هي تلك المعاني؟ تعلق القلب من خوف ورجاء ومحبة وتعظيم ونحوها. فكل من صرف له شيء من ذلك فقد صار إلها عند العرب. وهل تعرف أحدا نص على هذا من العلماء؟ الأزهري نص على هذا في تهذيب اللغة، نقله أيضا صاحب لسان العرب. وذكرنا أن العرب عندهم قاعدة: أن كل معبود يسمى إلها. ولهذا لما عبدوا الشمس سموها إلها. فما الدليل على هذا عندك؟ قال العرب: قال عتيبة بن الحارثة: لرب عيتة تروحنا من اللعباء أثرا وأعجلنا الإلهة أن تروحها. وما معنى الإلهة؟ الإلهة: أي الشمس. أي الشمس، واللعباء، واللعباء: ما معنى اللعباء؟ أرض سبخة بين البحرين، أرض سبخة بين البحرين والقطيف. فالإلهة هي الشمس. هذا موجود في كثير من البلدان يسمون الإلهة الشمس. موجود: تروحنا من اللعباء أثرا وأعجلنا الإلهة أن تأوبا. فكل معبود عندهم يصرف له تعلق القلب من خوف ورجاء ومحبة وإنابة وتعظيم ونحو ذلك فهو الإله عندهم، حجرا كان أو شجرا أو وليا أو جنيا أو إنسيا إلى غير ذلك. قال: وهذا الذي يعني به المشركون في زماننا بلفظ السيد. إيش معنى لفظ السيد عندهم؟ عندكم يعتقدون فيه القدرة على النفع والضر، ويرجونه ويخافونه ويسألونه ويستغيثون به. هذا يسمى إيش؟ السيد أو السر، السيد أو الشيخ أو صاحب السر أو نحو ذلك من هذه المعاني. هذا من حسن تصنيف المصنف رحمه الله لأن هذه الألفاظ اشتهرت في زمن من؟ في زمن من اشتهرت هذه الألفاظ بهذه المعاني لزمن الشيخ رحمه الله. وإلا فإن لفظ السيد جائز لأنه يطلق على كل من ساد قومه، قبل له سيد: هذا سيد بني فلان، يعني قائده. ومنها السيادة: يعني الرئاسة والقيادة والسؤدد. فذلك، لكن إذا أطلقت على هذا المعنى صارت منهيا عنها. إذا أطلقت على هذا المعنى صارت منهيا عنها. قال المصنف: والكفار، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. وما معنى لا إله إلا الله إذا كان المراد معناها؟ عندك أخي: خذ لا معبود حق إلا الله. هذا معنى لا معبود حق إلا الله سبحانه وتعالى. هذا معنى لا إله إلا الله. فمن قالها بلفظه ولم يعمل بمعناها ولا مقتضاها مسلم؟ هو ليس بمسلم وإن تلفظ ب لا إله إلا الله. لأن لا إله إلا الله تكون باللسان وبالقلب وبالجوارح. قال رحمه الله: لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء حجاب. متى قال المشركون هذا الكلام؟ عند من أخذ بني مسأله؟ عندك الله حصد حديث من عباس؟ لما أتى المشركون لأبي طالب قالوا: أن محمدا قد كذب ويحر كلا الآن. كذب أبي طالب لمحمد صلى الله عليه وسلم، قال له: تقال له، يعني يقول: ترق بيننا بكلمة. قالوا: مشكون، يعني ركن كلمة حتى لهم سبعها. لما قالوا: يقول لا إله إلا الله، أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء يعني تهم. معنى أجركوا معنى لا إله إلا الله في قصة مرض أبي طالب، أخرجها الحاكم في المستدرك وغير الحاكم، لكن الحاكم له طريق بها يحسن الحديث، طريق محمد بن إسحاق، وساق الحديث بالأسانيد. شاهد الحديث ثابت في تفسير هذه الآية. إذن هل الكفار الجهال يعلمون معنى الإله ولا إله إلا الله؟ الكفار الجهال يعلمون معنى الإله، وما معنى الإله عند الكفار الجهال؟ عند من يا أخوان؟ عند الأخوة، الأخوة سمع عندك الكفار الجهال ما يعلمون بلفظ الإله المعبود بعبادة القلب التي يتبعها عبادات الجوارح، يتعلق القلب بكمال الخوف والحب والتعظيم والرجاء والإنابة وغير ذلك. هذا إله، سواء كان حجرة أو قبرا أو جنيا أو إنسيا إلى آخر. هذا معنى الإله عندهم في لغتهم. وعلى هذا يفهمون أن لا إله إلا الله إيش معناها؟ عند من؟ عند الأخوة، راح بالسؤال. إذا كان الإله عندهم هو المعبود، إذا لا إله إلا الله إيش معناها؟ لا معبودة؟ لا معبودة إيش؟ لا معبودة إلا الله. خطأ: لا معبودة إلا الله، هذا جملة غير صحيحة. تكتب متدبر: لا معبودة حق إلا الله. هذا هو الصواب. أما لا معبودة إلا الله، فمعبودة كثيرة من دون الله عز وجل، ما أكثر الآلهة هم مع الله سبحانه وتعالى. بل أخفى من ذلك قوله سبحانه: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه. هذا معبود من دون الله عز وجل، الهوى. الشاهد: الآلهة كثيرة. لا إله حق إلا الله، لا إله حق إلا الله، لا معبودة بحق إلا الله. هذا معناها وهذا إعرابها. أظن وقفنا هنا، الظاهر. قال المصنف رحمه الله تعالى وغفر له، وقبل ذلك ينبه على أن السيد يطلق على معنين؟ على معنى باطل وعلى معنى الحق. فمن أطلقه بمعنى السيادة المطلقة التي هي ملك النفع والضر، مع الخوف والرجاء والتعظيم ونحوها من معاني الإلهية، فهذا شرك أكبر. ومن عبد صار طاغوتا، ومن أطلقت له تلك السيادة صار طاغوتا، أي عند عابديه صار طاغوتا، أي عند عابديه. أما هو في نفسه فشيء آخر. شيء الكلام على الطاغوت إن شاء الله تعالى. والسيد يطلق ويراد به أيضا من ساد في قومه، فهذا معنى صحيح لأنها من السيادة. هذا سيد بني فلان، قوموا إلى سيدكم. هكذا قال صلى الله عليه وسلم للأنصار، فقال صلى الله عليه وسلم: يا بني فلان، من سيدكم؟ قالوا: فلان، على أن نبخله. قال: سيدكم الحر بن قيس. شاهد: المراد السيادة. يطلق السيد على معنى صحيح. قال رحمه الله تعالى: فالعجب، فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، يعني معنى الإله ومعنى لا إله إلا الله، ويدركون المراد منها، فالعجب ممن يدعي الإسلام، يعني بلسانه يدعي الإسلام بلسانه، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة، يعني لا إله إلا الله، ما عرفه جهال الكفر الذين أدركوا أن المراد بلا إله إلا الله: تكفروا بما يعبد من دون الله، وأفردوا الله جل وعلا بالعبادة. فهموا هذا وأدركوه. قال: بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اتخاذ القلب لشيء من المعاني. وهذا كما تقدم من عظيم جهل هؤلاء الناس، ومن عظيم تنقصهم للرب سبحانه وتعالى، شعروا أو لم يشعروا. يعمل أحدهم الأعمال التي تخرم لا إله إلا الله ثم ينطقها وهو لا يدري أنه قد نقضها، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاث. فما تنفعه لا إله إلا الله، وما تغني عنه لا إله إلا الله، وقد نقضها بنواقض عظيمة ما هو معلوم. قال رحمه الله: بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اتخاذ القلب لشيء من المعاني. والحاذق منهم، يعني الذي يعدونه حاذقا فيهم، وإلا ففي نفس الأمر هو ليس بحاذق. والحاذق يطلع على المهارة في الشيء، يقال: حاذق فلان إذا مهر في شيء. وحاذق: أي ماهر. هذا معنى. والأصل في هذا أن يكون في علماء الكلام ونحوه، يقال: حذب. وهم كما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في الحموية: قووا ذكاء ولم يؤتوا ذكاء. عندهم ذكاء لكن ليس عندهم ذكاء. ولهذا ينطبق فيهم آيات النفاة، احتقار المؤمنين، يظنون أن ما هم عليه أعظم الشيء، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء لضالون. هذا حال علماء الكلام. مع هذا يجهلون معنى لا إله إلا الله ولا يدركون. قالوا: والحاذق منهم يظن أن معناه يعني لفظ لا إله إلا الله: لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر إلا الله. وهذا هل جادل فيه المشركون؟ لم يجادلوا فيه، بل من جادل فيه فهو شاذ متفرد بالغرائب. فإن هذا نادر من يشذ عنه أن خالق السماوات هو الله، والرازق هو الله، والمدبر هو الله سبحانه وتعالى. فإذا قيل لهم: ما معنى لا إله إلا الله؟ قالوا: معنى لا إله إلا الله لا رب إلا الله. سبحان الله، هذا هو الجهل. لو كان معنى لا إله إلا الله لا رب إلا الله، ما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، بل بين الأنبياء والمرسلين وأقوامهم خلال، لأن كل قوم يؤمنون أن الرب والخالق والرازق هو الله سبحانه وتعالى، إلا من شذ. فالإقرار بالربوبية لا يدخل في الدين، فضلا عن أن يعصم الدم أو المال. قال: والحاذق منهم يظن أن معناه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر إلا الله. فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله. أي خير في هذا الرجل؟ جهال الكفار مثل أبي جهل وصناديد قريش وغيرهم يعرفون معنى لا إله إلا الله، وأن معناها: أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوه، وأن معناها: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وأن معناها: اعبدوا الله وأخلصوا له شيئا، إلى غير ذلك من المعاني التي قدمنا ذكرها سابقا. شاهد: أي خير في هذا الرجل؟ أعظم أصول الدين، باب توحيد الإلهية، هو جاهل به. مع هذا يدعي لنفسه الحذق عند قومه وعند أتباعه. هذا الرجل لا خير فيه لأنه يقع في الشرك الأكبر، ومن يقع في الشرك الأكبر فقد حبط عمله. قال: فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله. هذا رجل مطموس البصيرة، محروم العلم والفقه والفهم والعقل. قال: إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب. خص الشيخ رحمه الله المعرفة المطلوبة ها هنا: معرفة قلب. فإن المعرفة منها ما ينفع الإنسان، ومنها ما لا ينفع الإنسان. فليس كل من عرف شيئا اننتفع بمعرفة. هؤلاء اليهود يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. هل آمنوا؟ هل نفعتهم هذه المعرفة؟ هل الجواب: لم تنفعهم؟ فليس كل من عرف شيئا نفعته تلك المعرفة. لكن الشيخ رحمه الله يقيد فيقول: معرفة قلب. أي لا تعرفها بلسانك أو بطرف إدراك، لكن عرفها بقلب. فهذه معرفة الانتفاع. هذه المعرفة التي تنفع، معرفة القلوب، هذه التي ينتفع بها الإنسان. أما معرفة الألسن، هذه لا ينتفع بها، كما لم ينفع اليهود أنهم يعرفون نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرفونه. قال جل وعلا: يعرفونهم كما يعرفون أبناءهم. مع هذا كفروا وكذبوا وجحدوا ما يعرفونه. قال جل وعلا: وما يحزنك سرعون، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. يعرف، لكن هل نفعتهم تلك المعرفة؟ لا، ما نفعت. فلابد من معرفة القلب. أما المعرفة الأخرى فإنها لا تغني شيئا. تقدمت معنى أمور مهمة وأصول عظيمة يقربها الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب. لو صعدت إلى أعلى الكتب في هذا الباب، رجعت إلى هذه الأصول. فمن ضبطها وعرفها، فإن الله عز وجل ينفعه بها، إن عرفها بقلبه، إن عرفها بقلبه لا بمجرد اللسان. قال: وعرفت أن الشرك بالله الذي قال الله به: إن الله لا يغفر أن يشرك به، الآية. المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر. وعرفت الشرك يعني الأكبر المحبط للعمل، وهذا لا يغفره الله سبحانه وتعالى. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وصف الله هذا الشرك بالظلم: إن الشرك لظلم عظيم. الله سبحانه لا يدخل من فعله الجنة، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، وماواه النار، وما للظالمين من أنصار. ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق. الشرك بلاء عظيم وخطر مبين. وأصل الشرك كما عرفت معرفة قلب: هو التعلق بغير الله سبحانه وتعالى، وتعلق القلب بغير الله عز وجل، وجعل الواسطة بين الله وبين خلقه، وطلب الحوائج من المخلوقين من غير الله سبحانه وتعالى. هذا الشرك: طلب الحوائج من غير الله سبحانه، هذا هو شرك الأمم إلا من شذ. قال: وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: إن الله لا يغفر أن يشرك به. وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم. وما هو دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم؟ عندك فصل: هو التوحيد، أن يعبد الله لا يشرك به شيئا. تقدم ذكر هذا الذي لا يقبل الله من أحد، سواء من جاء يوم القيامة بغير التوحيد، لم يتقبل الله منه، ولو جاء بمثل جبال تهامة، ما قبل الله منه صرفا ولا عدلا أبدا، حتى يوحد الله سبحانه وتعالى ويؤمن به حق الإيمان في ألوهيته سبحانه وتعالى وربوبيته وأسماءه وصفاته. لا يقبل الله من أحد سواء. هذا هو الدين الذي هو الإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة مما يعبد من دون الله. هذا هو الإسلام. إن الله لا يقبل من أحد إلا هذا الدين، مهما جاء به من عمل، لا يقبل الله منه شيئا حتى يأتي بهذا الإسلام الذي هو التوحيد. قال سبحانه: إن الدين عند الله الإسلام. فالدين الذي يقبله الله هو دين الإسلام. من جاء بغير دين الإسلام لم يقبل الله منه أبدا. ودلت على هذا آيات كثيرة في كتابه سبحانه وتعالى. وهذا أمر لا إشكال فيه: أن الله لا يقبل إلا التوحيد والإسلام. قال تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. هكذا قال ربنا سبحانه وتعالى: هذا من الخاسرين يوم القيامة، وإن كان أعبد الناس وأزهدهم، ما لم يأت بالتوحيد وبالدين الذي أمر الله به جميع الأنبياء والمرسلين. شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. فهذا هو الدين الذي لا يقبل الله من أحد سواه. قال: وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا. هذا معروف، لا زلنا نرى آثاره. كان الناس قبل في القرن الثاني عشر وما قبله وما بعده، إلى نحو حصرنا، على جهل عظيم بدين الله سبحانه. ما من بلد إلا وفيها قبر يعبد، وولي يدعى من دون الله عز وجل، إلا ما رحم ربي. يدعون من دون الله عز وجل، ويذبح لهم، وأصبح الدين غريبا، وانطمست معالم التوحيد في قلوب كثير من الناس. فهم لا يعرفون إلا الشرك، عليه نشأوا، وعليه وبه يقولون ويعملون. هذا والله هو الكثير. خسارة العظيمة. قد اعترف بهذا غير واحد من أهل التاريخ وغيره، أن الناس قبل عصر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وما بعده على جهل عظيم بدين الله سبحانه، حتى ذهب دين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء به وحرف. قال: وعرفت ما أصبح الناس، غالب الناس فيه، من الجهل بهذا، إلا يسيرا من الناس عصمهم الله سبحانه وتعالى. أذكرك فائدتين، هذه خلاصة لما تخدم. قال: أذكرك فائدتين. هاتان الفائدتان عظيمتان جليلتان، أصغي إليهما بقلبك قبل أن تسمع معهما بأذنك. قال: الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا. الفرح بفضل الله ورحمته: أن يوفقك الله سبحانه وعرفك دين الأنبياء والرسل الذي لا يقبل الله من أحد سواه. فما أعظم هذه النعمة! هي والله خير لك من أموال الدنيا كلها لو أعطيتها بلا توحيد. فلذلك كان توحيد الله سبحانه وتعالى خير من أعطيت، أيها السائل، أيها الموفق المسدد. هذا من فضل الله عز وجل عليك ورحمته. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون. هذا خير لك مما تجمع من حطام الدنيا، ومن سائر ما فيها من ملاذ وشهرات ونحو ذلك. الفرح بفضل الله عز وجل ورحمته، هذا أمر الله سبحانه وتعالى به. قال سبحانه وتعالى: قل يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. ثم قال جل وعلا: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون. يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم: هو القرآن الذي نزل يذكر الناس بأمر الله بتوحيده سبحانه. يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور من الشكوك والشبه، كما قال ابن كثير وغيره من أهل العلم: من الشكوك والشبه. وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. هذه خاصة بالمؤمنين: الهداية التامة والرحمة من الله عز وجل بنا جميعا. هذا خاص بالمؤمنين. أما الذين هم أهل ظلم لأنفسهم ممن لم يؤمنوا، فإنه لا يزيدهم إلا بعدا وخسارة. وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارة. هكذا قال الله سبحانه وتعالى: قل للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، وهو عليهم عمى. أولئك ينادون من مكان بعيد. فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالفرح: قل بفضل الله وبرحمته علينا، فبذلك فليفرحوا. يأمرهم الله بالفرح، أن تثلج الصدور بهذه النعمة العظيمة التي والله هي خير لك من قطعم الدنيا. كم الإنسان ربما لو أعطي حفنة من مال يفرح. الواجب أن يتذكر ما هو فيه من توحيد الله سبحانه، فيشتد ويطرب قلبه فرحا لعظم ما أتاه الله، وأن الله اصطفاه واختاره. كيف لو كنت يا عبد الله من هؤلاء الذين يدعون غير الله؟ كيف لو كنت من يشرك بالله؟ ما تغني عنك الأموال. قال: أفيدك أيضا الخوف العظيم. هذا أيضا من الفوائد العظيمة التي تستفاد مما تخدم: الخوف العظيم. ما تجد موحدا إلا يخاف من نقيض التوحيد وهو الشرك، غاية الخوف. هذه سمة أهل التوحيد. أما أن يأتي بعض الناس فيقول: كم ندرس التوحيد ودرسنا التوحيد وتعلمنا التوحيد، يكفي دراسة للتوحيد. هذا يأمن على نفسه أو يغتر، أو يمل مما لا ينبغي منه أن يمل. هذا من قلد التوفيق، نسأل الله السلامة والعافية. هذا من قدر التوفيق. فالموحد يخاف خوفا، لكنه هو خوف يسير؟ يخاف خوفا عظيما، لأنه لا يأمن على نفسه أن تزل قدمه في الشرك فيحبط عمله، ويكون من أهل النار. هذا إبراهيم الخليل، الذي هو إمام الموحدين، بعد أن كسر الأصنام وابتلي ودعا دعاء عظيما، قال فيه: قال الله سبحانه وتعالى عنه: وجنبني وبني أن نعبد الأصنام. ورب إنهن أضللن كثيرا من الناس. هكذا قال الله عن إبراهيم: وجنبني، أي جعلني في جانب، وعبادة الأصنام في جانب، هي في المشرق وأنا في المغرب، بعيدا، حتى أن أكون بيني وبينها قرب. ولولا بأعمل؟ يخاف إبراهيم عليه السلام: وجنبني وبني أن نعبد الأصنام. يخاف أن يرجع، ليش لعبادة الأصنام، وهو الذي يكسرها؟ فكيف من لم يكسر أصنامه ولم يحضرها، ما يخاف على نفسه؟ فلا بد على الموحد الذي يعرف التوحيد أن يخاف من نقيض التوحيد. قال سبحانه عن يوسف عليه السلام: توفني مسلما وألحقني بالصالحين. يسأل الله أن يتوفاه مشركا؟ يسأل الله أن يتوفاه مسلما. يسأل الله الوفاة على الإسلام. ما هو الإسلام الذي يسأل الله الوفاة عليه؟ يوسف عليه السلام عنده من وفاء؟ عند الله حفظ التوحيد. هذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: وإذا أردت فتنة بخلقك فاقبضني إليك غير مفتون. وأعظم الفتن هو الشرك والكفر. أعظم الفتن: الكفر بالله سبحانه وتعالى. مع هذا يخاف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ويسأل الله أن يقبضه قبل أن تحصل الفتن. وثبت أيضا في موطأ الإمام مالك: قال مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا وقف على الصفا قال: اللهم إن قلت في كتابك: اللهم إن قلت في كتابك: ادعوني أستجب لكم. وإني أسألك كما مننت علي بنعمة الإسلام ألا تسلبني نعمة الإسلام، وأن تختم لي بالإسلام، وتتوفاني عليه. هذا ثبت عن ابن عمر أنه كان يدعو به إذا وقف عليه على الصفا. هذه سلف. قال إبراهيم النخعي: المفتون من يأمن على نفسه من الفتن. هذا المفتون، نصر الله العالم. هذا يستدرجه الله سبحانه، يغتر بنفسه، ويقول: من أنا وأين أنا؟ ولهذا كان السلف يخافون. جاء إلى بعض السلف، قال له: إبراهيم التيمي، قيل له: أنت وأنت وأنت. فبكى، وقال: رضي الله عنه وأرضاه: ما يدريني ما يبدو لي؟ ما يدريني ما يبدو لي؟ سمعت الله جل وعلا يقول: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. بل عظيم أن تكون مستدرجا، وأن تكون تعيش في خطر وأنت لا تدري، أو واقع في أمر عظيم يستدرجك الله وأنت في غرور، وتحسب نفسك من أهل الجنان، وربما كنت حطبا للنيران، عياذا بالله. ولهذا الموحد يخاف، يخاف خوفا عظيما. هذه سمة أهل التوحيد. قال رحمه الله: وأسدك أيضا الخوف العظيم. فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يُعذر بالجهل. هذا موضع عظيم من الشيخ رحمه الله. كم من إنسان يقول كلمة لا يعقلها ولا يدري وزنها وهي عظيمة؟ إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم. قال سبحانه: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. وأولئك استهزأوا بصحابة رسول الله، وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، وأكذب ألسنا، وأجبن عند اللقاء. فكفرهم الله سبحانه وتعالى، حكم عليهم بالكفر. جاءوا معتذرين: إنما كنا نخوض ونلعب. قال الله جل وعلا: قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم. فالإنسان قد يقول كلمة تهوي به لقعر جهنم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، يرفعه الله بها إلى أعلى الجنان. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في نار جهنم. كلمة واحدة تدخله الجنة، كلمة واحدة تدخله النار. بل تجعله في قعر النار، عياذا بالله. بل والله حتى إشارة من إنسان: الكفر لا يكون بمجرد النطق باللسان، بل لو حرك شفتيه، أو قال بيده هكذا مستخفا، أو أعرض استخفافا، أو نحو ذلك، فإن مثل هذا يكفر بالله سبحانه وتعالى، ولو كان أراد المزح أو نحوه. قال: فإن الإنسان، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، بل حتى بحركة إشارة بيده قد يكفر الإنسان بذلك، إذا كان على وجه الاستخفاف والسخرية بآيات الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل. هذا مبحث عظيم من فقه الشيخ رحمه الله وغفر. ليس كل جاهل معذورا. ليس كل جاهل معذورا. فمن الجهال من يكون حطبا في نار جهنم وهو جاهل، وذلك لأنه جاهل مفرط، معرض. بلغه العلم، سمع الآيات، سمع بأهل العلم، فلم يتحرك في قلبه محبة الحق والسعي في طلبه، وبذل الغالي والنفيس للوصول إلى هدى الله سبحانه وتعالى. هذا مفرط. مثل هذا لا يعذر بالجهل أبدا. مثل هذا لا يعذر بالجهل أبدا. غالب من في قعر جهنم من أتباع الكفار والضلال جهال، ومع هذا هم في قعر جهنم، عياذا بالله. يتبعونهم من نساء وصبيان وأصحاب شخصيات ضعيفة، يتبعون الرؤساء الذين يسفكون بالله سبحانه وتعالى، يتبعونهم جهلا، يتبعونهم جهلا وثقة بهم. مع هذا يقول الله سبحانه وتعالى فيهم: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتبعوا: لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا. قال الله جل وعلا: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، فما هم بخارجين من النار. ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت، والملائكة... ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت، ويرجع بعضهم إلى بعض القول. يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين. قالوا: أنحن صدناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين. إلى أن قال ربنا سبحانه: وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار، إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا. هم هؤلاء من جهال. هؤلاء جهال، لكنهم لم يعذروا بهذا الجهل، لأنه جهل مع التمكن من العلم. فرق بين جاهل لا يبلغه شيء من العلم، يعيش في بوادٍ وقرى لا يسمع بدين الله عز وجل فيها. فمثل هذا يعذر. حاضري البوادي البعيدة، حاضري مناطق نائية لا يبلغها العلم، مثل هذا يعذر بجهله. لكن من تمكن من العلم وسماعه، ولو سماعا مشوها، قامت عليه الحجة، ولا يغني عنه جهله عند الله شيئا. وكثير الكفار جهال، وكثير من في النار من الجهال، الذين هم تبع لكل ناعق، كما يقال. فمثل هذا لا يعذر بالجهل. قال رحمه الله: وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل. نحن الآن في هذا العصر، في هذا البلد، قد انتشرت معالم السنة والدين. فمن فعل الشرك العظيم الذي هو شرك بين المسلمين، لا يعذر بالجهل أبدا، لأنه تمكن من العلم فأعرض في السؤال. ونحن نلزم. مع أن هؤلاء قد سمعوا. الذي يأتي ويعبد غير الله اليوم، أو يسأل غير الله، أو يستغيث بوليّ الله، أو يذهب زيارة شركية مع بعض الناس، أو يذهب إلى قبور النار، هذا لا يعذر بالجهل، لا يعذر بالجهل، لأنه قد بلغه العلم، وتمكن من العلم. فمثل هذا مفرط، هذا مفرط، يكفر بالله سبحانه وتعالى، يحكم عليه بالكفر، لأنه مفرط، ولا يغني عنه أنه ما سمع آية أو لم يبلغه شيء، لأننا نجزم أنه قد تمكن من العلم. لكن إنسان في بلد نائية بعيدة، هذا يعذر بالجهل. فالعذر بالجهل: لمن لم يبن له الدين، لا ينفعه هذا. معرض، هذا مفرط. لكن من لم يظهر له الدين، لكونه لم يسمع به، ولم يتمكن من السماع، هذا يعتبر معذورا. كان يكون في بادية بعيدة. بل حتى سماحة الشيخ عبد العزيز رحمه الله يقول: لو كان يسمع إذاعة القرآن الكريم، قامت عليه الحجة. مجرد أن يسمع إذاعة القرآن الكريم، قامت عليه الحجة الرسالية. ولهذا، والأصل في مثل هذا الباب أن يعلم أن القرآن حجة على الإنسان، أن القرآن حجة. قال تعالى: لأنذركم به ومن بلغ. فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة الرسالية. من بلغه القرآن وسمع القرآن وقرأ القرآن، قامت عليه حجة الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون. ويجعل الله ينده، وهكذا. أما قرأ قوله سبحانه: إن الشرك لظلم عظيم؟ فمثل هذا قامت عليه الحجة الرسالية. فالحاصل: كلام الشيخ في المعرض، أو الذي تمكن من العلم فأعرض. قال: وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل. قد يقولها وهو جاهل، نعم. لكن هل كل جاهل يعذر به؟ الجواب: إن شاء الله تعالى نكمل كلام على المسألة في غد. تكن لكم شيء، ما أخفناه، إن شاء الله.