الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في حكم بول الصبي الرضيع، حيث قال الشافعي يرش بالماء بينما قال أبو حنيفة ومالك يغسل. اتفقوا على نجاسة بوله مع التخفيف في طهارته.
استدل العلماء بأحاديث نبوية تشير إلى رش بول الصبي الرضيع وغسل بول الجارية، واستند الإمام الشافعي والإمام أحمد إلى الأحاديث الصحيحة في آرائهم.
يجب اتباع ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء عرفنا الحكمة أم لا، ويُشدد على أهمية الاتباع بغض النظر عن فهم الحكمة من وراء الأوامر والنواهي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، ويكفي الرش من بول الصبي دون الصبية الذي لم يبلغ الحولين ولم يأكل الطعام عند الشافعي. قال أبو حنيفة ومالك: يغسل من بولهما كسائر النجاسات. وقال أحمد: بول الصبي الذي لم يأكل الطعام يغمر بالماء في الصحة، ويدخن عنه. وقيل: طاهر. الآن مسألة بول الصبي الذي لم يطعم، والتفريق بينه وبين الجارية -البنت الصغيرة- جاء في ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. منها ما جاء في صحيح مسلم، في حديث علي رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الصبي». وجاء كذلك في الصحيحين عن عائشة أن طفلا جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هاته ماء»، فأخذ ماء، فأتبعه إياه. وجاء في رواية: «رشع». وجاء كذلك في حديث من الفضل أو غيرها أن صبيا بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، أغسل ثوبك؟ قال: «لا». قالت: أتني بماء، فجاء بماء فأتبعه إياه. أيضا جاء في حديث أبي السمح في السنن، وهو حديث صحيح، جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرش من بول الذكر الرضيع، ويغسل من بول الجارية». فهذه الأحاديث كلها تبين أن الفرق بين الطفل الرضيع الذي لم يطعم -والمراد لم يطعم أي لم يأكل الطعام بعد- معنى الطعام المعتاد. أما مثلا الأشياء التي قد تعطى للطفل كالعسل مثلا أو التمر أو شيء من الأشياء الحلوة، هذه التي تعطى للطفل هذا لا يدخل في هذا الباب. وإنما قال العلماء: أن الذي لم يطعم أن يكون مصدر طعامه الحليب، مصدر طعامه حليب أمه. وهل يدخل في ذلك حليب غير أمه؟ قال بعضهم أيضا كذلك يدخل ما دام أنه في الرضاعة. فهنا إذا لم يكن اعتماده على الطعام، فيكون هذا بوله يرش عليه كما جاء في الأحاديث، ويتبع بالماء. وهذا قول الشافعي رحمه الله في التفريق بين الذكر والأنثى، كما جاء في حديثه عليه الصلاة والسلام. وجاء عن أبي حنيفة ومالك أنه يغسل من بوله، ماء معنا بعدم التفريق مثل أي نجاسة، أنه يغسل بول الذكر الرضيع مثل أي نجاسة. وجاء عن أحمد أنه يغمر بالماء. وفي رواية مثل الشافعي أنه يرش. وعن رواية أنه طاهر، فالظاهر أنها غير صحيحة. ونقلها بعض الناس ونسبها بعضهم إلى مالك وبعضهم إلى الشافعي. ونفى ذلك ابن عبدالبر، كذلك النووي في المجموع نفوا أن يكون هذا صحيحا عن مالك أو عن الشافعي. ونسبها بعضهم إلى أحمد، والظاهر أيضا أنها ليست صحيحة، أي أنه القول بالطهارة. بل بعضهم نقل الإجماع على أنه نجس، لكن خففوا في طهارته، أن بول الذكر الرضيع نجس يعتبر، لكن خففوا في طهارة مثل المذي عند الحنابلة، مثل المذي تطهير المذي عند الحنابلة. وخفف فقال: اعتمد الإمام أحمد على حديث سهل بن حنيف لما قال: كنت أجد عناء من المذي، وكنت أغتسل حتى تشقق ظهري في البرد. قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «إنما يكفيك الوضوء». قال: وما أصاب الثوب؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فترشه على الثوب». وهذا أيضا بالطفل خفف الطهارة. بل الصحيح أن الطفل كما قال الشافعي وغيره أنه يأخذ ماء ويرش مكان الذي أصابه البول إذا كان ذكرا رضيعا عنه. وأما إن كانت امرأة -أقصد إن كانت جارية صغيرة- فلا فرق بينها وبين بول الكبير، معنى يغسل. يغسل حتى يزال هذه النجاسة. معنى الغسل هو: يصب عليه الماء حتى تخرج هذه النجاسة. فإن مثلا عصر المكان، فهذا من باب زيادة الإنقاء. زيادة الإنقاء في تطهير الثوب. فخلاصة المسألة أو ما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة هو قول الإمام الشافعي رحمه الله والإمام أحمد: أنه يرش من بول الذكر الرضيع، ويغسل من بول الجارية إذا أصابت ثوبا أو مكان. وسواء كان هذا البول في أرض أو في ثوب، لأن بعض أهل المذاهب يفرقون بين الأرض وبين الثوب، مثل الحنفية. ويقولون: إذا كان في أرض رخوة يحفر ذلك المكان، وإن كان في أرض صلبة لا بأس، وإن كان في أرض حشة فإنه يدفع إليها الماء أو أنه يحفر ذلك المكان. وهذا كلام غير صحيح، جاءت روايات في هذا لكنها لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والصحيح أنه صب على بول الأعرابي دلوا من ماء. فخلاصة هذه المسألة أن بول الصبي الصغير يرش ويتبع به الماء. وأما إذا كانت جارية -بنت- فإنها يغسل بولها مثل بول الكبير. وذكر العلماء حكما في ذلك أو علل، يعني لماذا فرق بين بول الكبير أو بول الذكر وبول الأنثى؟ فبعضهم يقول: لأن الذكر تجد التعلق به أكثر. وهذه تعليلات، لكن أصل أنه يؤخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإن عرفنا الحكمة من ذلك فبها، وإن لا فالواجب هو اتباع ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء عرفنا حكمته أو لم نعرف. وهذا هو الاتباع الحقيقي. الحمد لله رب العالمين.