التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 26

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الصلاة في الثوب المشتبه

اختلف العلماء في حكم الصلاة في ثوب اشتبه طهارته بنجاسته، والراجح هو التحري واختيار الثوب الذي يغلب على ظنه طهارته. هذا الحكم يسري على الأواني المشتبهة أيضاً حيث يتحرى الشخص ويختار ما يغلب على ظنه طهارته.

التعامل مع الاشتباه في الطهارة والقبلة

إذا اشتبه الثوب الطاهر على النجس أو الأواني، يتحرى الشخص ويختار ما يغلب على ظنه طهارته. كما أنه إذا اشتبهت القبلة، فعليه أن يجتهد ويصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة.

أحكام الصلاة مع الجهل ببعض الأمور

إذا صلى الشخص إلى غير القبلة لجهله بجهتها، فإن صلاته صحيحة بفضل العذر بالجهل. هذا الحكم يعكس مراعاة الشريعة للعوام والجهلاء الذين لا يعلمون ببعض الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»: فصل، وأما مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس، فهذه مسألة نزاع، إذا اختلطت الثياب الطاهرة بثياب نجسة، وما ميزها، أيها الطاهر من النجس كيف يفعل؟ قال بذاب مالك، برواية عنه أحمد: إلى أنه يصلي في ثوب حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر، أنه يصلي في ثوب لعله في كل ثوب حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر، إذا صلى بجميع هذه الثياب الموجودة هنا تيقن أنه صلى في ثوب طاهر. وقال الجمهور، ومنهم أبو حنيفة والشافعي ومالك في الرواية الأخرى: أنه يتحرى فيصلي في واحد منها صلاة واحدة، كما يتحرى في القبلة، يعني إذا اشتبهت عليه القبلة، فيتحرى ثم يعمل بما غلب على ظنه أنه اتجاه القبلة، ويصلي صلاة واحدة، وهكذا أيضا يتحرى في هذه الثياب، فيأخذ الثوب الذي يغلب على ظنه أنه هو الطاهر، فيصلي فيه صلاة واحدة، وهذا القول هو الصحيح. وقال المزني وأبو ثور: بل يصلي عريانا، ولا يصلي في شيء منها، لأن الثوب النجس في الشرع كالمعلوم، والصلاة فيه حرام، لعله يريد كالمعدوم، يعني كأنه غير موجود، لأن وجوده كعدمه، قال: والصلاة فيه حرام، وقد عجز عن السترة بثوب طاهر، فسقط فرض السترة، وهذا أضعف الأقوال، يعني القول بل يصلي عريانا هذا ضعيف، لأن الإنسان مأمور بستر عورته، فإن لم يجد إلا ثوبا نجسا ستر به عورته، ولا يصلي عريانا والثوب موجود ولو كان نجسا. قال: والقول بالتحري هو الراجح الظاهر، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل، وهو اختيار شيخنا، أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن عقيل، يفصل فيقول: إن كثر عدد الثياب تحرى دفعا للمشقة، يعني إذا كانت الثياب كثيرة واختلط فيها الطاهر بالنجس، فهنا يتحرى، وإن قل عمل باليقين، يعني بغلبة الظن بما يغلب على ظنه أنه هو الطاهر. وقال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه، لم يحكم ببطلان صلاته بالشك، فإن الأصل عدم النجاسة، وقد شك فيها في هذا الثوب، فيصلي فيه كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم حاله، اجتناب النجاسة من باب المحظور، يعني من باب الممنوع، ومن باب كذلك التحريم، أنه شيء يجب تركه واجتنابه، فإذا اشتبه عليه فهنا يتحرى ويعمل بما يغلب على ظنه، بما يغلب على ظنه أن هذا هو الثوب الطاهر، فيصلي فيه، ولو صلى في ذلك الثوب النجس فهو استعمله على أنه طاهر، وصلاته صحيحة، عملا بغلبة الظن. ولذلك لأن الأصل عدم النجاسة، الأصل عدم النجاسة، وكذلك أيضا أن الأصل الطهارة، مثل لو استعار ثوبا أو اشترى ثوبا ولا يعلم حال هذا الثوب، قد يكون فيه نجاسة هو لا يعلم، فيه استعمله ويصلي فيه، فصلاته صحيحة، كذلك أيضا الحال إذا حصل الاشتباه، فإنه يصلي على أنه طاهر. وقوي قول بثور في غاية الفساد، يعني أنه يصلي عريانا، فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرا وأحب إلى الله من صلاته متجردا، يعني من غير ثياب بادي السوءة للناظرين، لأن هذا الفعل لا شك أنه فعل قبيح أن يصلي أمام الناس عريانا والثوب موجود ولو كان نجسا، فالصلاة في الثوب النجس إذا لا يوجد غيره، ولو يمكن إزالة ما فيه من النجاسة أو لا، من أن يصلي وهو كاشف لعورته، قالوا بكل حال، فليس هذا من الوسواس المذموم، يعني كونه يتحرى في اختيار الثوب الطاهر إذا اختلط من نجس، ليس هذا من باب الوسوسة، بل هذا من باب التحري والعمل بغلبة الظن. فصل، وأما مسألة اشتباه الأواني فكذلك ليست من باب الوسوس، وقد اختلف فيها الفقهاء اختلافا متباينا، يعني في استعمال الإناء الذي فيه شيء من النجاسة واختلط واشتبه به الآن يطهر، قال أحمد: يتيمم ويتركها، يعني ينتقل بالتيمم ولا يستعمل هذا الإناء أو أحد هذه الآنية، وقال مرة: يريقها ويتيمم ليكون عادما للماء الطهور بيقين. وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الأواني الطاهرة أكثر تحرى، وإن تساوت أو كثرت النجسة لم يتحرى، وهذا اختيار أبي بكر ومن شاقله والنجاد من أصحاب أحمد، يعني التفصيل بينها الكثير والقليل، إن كانت الأواني الطاهرة كثيرة يتحرى، وإن كانت قليلة لم يتحرى. وقال الشافعي وبعض المالكية: يتحرى بكل حال، وقال عبد الملك بن الماجشون: يتوضأ بكل منها وضوءا ويصلي، يعني بكل إناء يتوضأ وضوءا ويصلي، إذا كانت الأواني عشرة يتوضأ عشر مرات ويصلي عشر مرات، ولا شك أن هذا القول أيضا ضعيف. وقال محمد بن مسلم من المالكية: يتوضأ من أحدها ويصلي، ثم يغسل ما أصابه منه، ثم يتوضأ من الآخر ويصلي، وقال الطائفة منهم شيخنا: يتوضأ من أيها شاء، بناء على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فتستحيل المسألة، وليس هذا موضع ذكر حجج هذه الأقوال وترجيح راجحها. وهذا والراجح أن يتوضأ من أيها شاء، لماذا؟ لأن الماء لا يكون نجسا إلا بالتغير، فمدام أن الماء في ظاهره أنه طاهر، فإذن يستعمله على أصل الطهارة، يستعمله على أصل الطهارة، وحينئذ فلا إشكال في استعمال أحد هذه الآنية. قال: فصل، وإذا اشتبهت عليه القبلة، فالذي عليه أثر أهل العلم كلهم، الذي عليه أهل العلم كلهم أنه يجتهد ويصلي صلاة واحدة، يعني إذا درى ما درى أين القبلة اشتبهت عليه، فهنا يتحرى ويصلي صلاة واحدة، إذا ترجح عنده أن القبلة في جهة معينة، يتجه إلى هذه الجهة ويصلي صلاة واحدة، والصلاة صحيحة. قال: وشذ بعض الناس فقال: يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات، يعني يصلي إلى جهة المشرق، ثم إلى جهة المغرب، ثم صلاة إلى جهة الشمال، ثم صلاة إلى جهة الجنوب، فيصلي أربع صلوات، قال: وهذا قول شاذ مخالف للسنة، لأن السنة ثبتت أن من اشتبهت عليه القبلة يتحرى ويصلي إلى الجهة الذي يغلب على ظنه أنها جهة القبلة. وإنما التزمه قائله في مسألة اشتباه الثياب، يعني أنه يصلي بكل ثوب صلاة على هذا القول، وهذا ونحوه من وجوه الالتزامات عند المضايق، طردا لدليل المستدل مما لا يلتفت إليها ولا يعول عليها، ونظيره التزاما التزم اشتراط النية لإزالة النجاسة، لما ألزمهم أصحاب أبي حنيفة بذلك، قال بعضهم: نقول به، يعني نلتزم بذلك، وإن كان هذا ليس بلازم، واشتراط النية لإزالة النجاسة كذلك لا يلزم، بل تزول النجاسة ولو بغير نية، ولو بغير نية، لأن إزالة النجاسات من باب التحريم، وباب التحريم لا يشترط له النية. قال: ونظيره إدراك الجمعة بإدراك تكبيرة مع الإمام، لما ألزمت الحنفية من نازعها في ذلك بالتسوية بين الجمعة والجماعة، التزمه بعضهم، وقال: نقول به، وهذا من باب الاستطراد، يعني في مسألة الالتزام، وإن كان المعروف المقرر عند أهل العلم أن لازم القول ليس بلازم إلا إذا التزم به قائله، فالراجح بهذه المسألة أنه إذا اشتبهت عليه القبلة، فإنه يتحرى إلى الجهة التي يغلب على ظنه أن جهة القبلة، يصلي صلاة واحدة، وتكون الصلاة صحيحة، حتى لو تبين بعد أن صلى وخرج الوقت أنه صلى إلى غير القبلة، فصلاته مقبولة، وهو معذور لعدم علمه بجهة القبلة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.