الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أهل السنة يعتقدون أن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وأن كل ما يصيب العبد هو مما كتبه الله له. يستدلون على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
الله ييسر أسباب الهداية والضلال، والخير والشر بقضائه. النفع والضر بيد الله وحده، ولا يستطيع أحد أن ينفع أو يضر إلا بإذنه.
الشر لا ينبغي إضافته إلى الله إفراداً، بينما يمكن إضافته إليه مع الخير. مشيئة الله هي الركن الرابع من أركان القضاء والقدر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، بعد. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في عقيدته: عقيدة السلف وأصحاب الحديث قال: ويشهد أهل السنة ويتفقون ويعتقدون أن الخير والشر، والنفع والضر، والحلو والمر، لقضاء الله وقدره، لا مرد لهما، ولا محيص، ولا محيد عنها، ولا يصيب العبد إلا ما كتبه الله له، ولو جهد الخلق أن ينفعوا العبد بما لم يكتبه الله لم يقدر عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله عليه لم يقدره، على ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، فهذا من عقيدة أهل السنة. قد قدم معنى أنهم يعتقدون أن الخير والشر من الله سبحانه وتعالى، أي بقضاء الله عز وجل وقدره، وقدره سبحانه وتعالى وخلقه. وهذا الخير والشر في أفعال الخلق خلقه الله عز وجل، والله خلقكم وما تعملون. وأما أفعال الله عز وجل فهي كلها حكمة سبحانه وتعالى، فخلق الخير والشر لحكمة، فلهذا فكل شيء خلق كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس»، حتى العجز والكيس، الكسل، تعاجز عن الأمور، وكذلك الكيس وهو النشاط، نجد الإنسان أحيانا ينشط في بعض الأمور وأحيانا يكسل فيها، كذلك أيضا تجد من الناس من هو نشيطا في أمور وتجد غيره كسلان فيها، فهذا حتى العجز والكسل أيضا من الله، فكل شيء من الله سبحانه وتعالى. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. قد ذكرنا قبل مراتب القدر، وهذه المرتبة الثالثة وهو خلق الخير والشر، وأن القدر كله من الله حلوه ومره، فلهذا في الواجب على المسلم أن يؤمن بهذا ويعتقد أن ما أصابه إنما هو من الله سبحانه وتعالى، فما أصابه من خير فهو من الله، وما أصابه من شر فهو من الله، فكل شيء مقدر من الله سبحانه وتعالى. لكن قد يصيب الإنسان بسبب، تحيانا يكون بسبب، فالخير بسبب والشر بسبب. وكما ذكرنا قبل في الهداية والضلال أن الله عز وجل يسر أسباب الهداية وأسباب الضلال، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى. فقدر الله عز وجل هذه الأسباب، وكذلك أيضا وقوع الشر والمصائب هو بأسباب، إما أنه لأجل الذنوب «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير»، أو أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. يبتل الله عز وجل به العباد، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. وكذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على قدر دينه». وهنا ذكر المؤلف رحمه الله أيضا أن النفع والضر بيد الله، فما يستطيع أحد ولو اجتمع من في أقطارها - أي هذه الأرض والسماوات - على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. «رفعت الأقلام وجفت الصحف»، هكذا جاء في حديث ابن عباس، وجاء في حديث أبي در الحديث القدسي أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال الله عز وجل: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»، فلا يستطيع أحد أن يضر الله، ولا أيضا يضر أحد إلا بإذن الله جل وعلا، والضر والنفع منه سبحانه وتعالى، فهو الضار النافع جل وعلا. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. قالوا: مذهب أهل السنة وطريقته مع قولهم بأن الخير والشر من الله بقضائه أنه لا يضاف إلى الله أي الشر، وما يتوهم منه نقص على الانفراد أيضا، كل ما يتوهم منه نقص على الانفراد لا يضاف إلى الله، أي لا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، فهذا لا ينبغي. لكن حتى مثلا اسم الله عز وجل الضار، واسم الله عز وجل النافع، فهما من الأسماء المتقابلة، إذا ذكر معك الضار والنافع، لا يقال مثلا لإنسان إذا أراد أن يدعو يقول: يا ضار، هذا خطأ. فهذه الأسماء لا تأتي بمفردها. وكذلك أيضا الأسماء التي تتعلق بالصفات، فمثلا كما قال المؤلف هنا: لا يقال يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه. وفي ذلك رد على المعتزلة الذين يقولون أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. وكذلك أيضا الشر لا ينسى بلا الله، يعني يقول بعضهم يقولون أن الشر لم يخلقه الله، كما هو قول القدرية المجوس - مجوس هذه الأمة - فلهذا الله عز وجل قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وكذلك ما كان من شر فهو لا ينسى بلا الله، من ناحية إفراده إذا كان فيه نقص في ذكره لله من باب الإفراد، فهو لا ينبغي، فلهذا لا يقال: يا الضار، هذا لا ينبغي أن يقال، هكذا يقال: الله عز وجل هو النافع الضار، مثلا ممكن أن يقال: يا رب، يا نافع، يا ضار، وهكذا. أما أنه يأتي بمفرده فهذا خطأ. قالوا: قد ورد قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دعاء استفتاح الصلاة: «تبارك وتعالى والخير في يديك والشر ليس إليك». في حديث علي رضي الله عنه: «والشر ليس إليك». قال: معناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا وقصدا. وقال بعض العلماء: والشر ليس إليك أيضا أنه ليس في أفعال الله عز وجل شر، وإنما في المفعولات - في المخلوقات - في أفعال المخلوقات شر، وأما في أفعال الله عز وجل فليس هناك شر في أفعاله سبحانه وتعالى، وإنما خلق الشر لحكمة، خلق الشر لحكمة جل وعلا. فلهذا قال هنا فسره المؤلف أنه مما يضاف، أو قال: «والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا وقصدا»، حتى يقال لك في المناجاة: يا خالق الشر، أو يا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق المقدر لهما جميعا. إذا كان مثلا بالجمع أنه لا يفرد الشر، فيقال مثلا: يا خالق الخير والشر. قالوا: لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله تعالى عنه في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله، فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، فأضاف الخير إلى الله، ولم يضف الشر إلى الله. وهذا من باب الأدب. وكذلك أيضا كما قلنا: فليس في أفعال الله عز وجل شر، وإنما هي في المفعولات. قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه جل وعلا. فهذا خلاصة ما ذكر المؤلف رحمه الله. إن شاء الله أيضا ذكر بعد ذلك مشيئة الله، وهي الركن الرابع من أركان أو من مراتب القضاء والقدر، إن شاء الله نتركه في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى.