الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح الأبيات الأخيرة من لامية ابن تيمية، وتناول الأئمة الأربعة: الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد، وترتيبهم الزمني ومكانة كل إمام ومذهبه وأتباعه.
تناول الحديث عن الإمام أبي حنيفة النعمان، وأوضح موقفه من قضية خلق القرآن، وبين أن ما ينسب إليه من مخالفات هو في الغالب كذب وافتراء.
انتقد اتباع الإمام الشافعي الذين أخذوا منه الفقهيات وتخلوا عن عقيدته السلفية، وأشار إلى أن الشافعي كان متمسكًا بالسنة وله أقوال في العقيدة تتوافق مع أهل السنة.
أشار إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وأظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فها هي الأبيات الأخيرة من منظومة اللامية، والتي تنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والذي ختمها بقوله: هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل ثم أحمد ينقل، فإن اتبعت سبيلهم فموفق وإن ابتدعت فما عليك معول قوله رحمه الله تعالى: هذا، هذا اسم إشارة، وهو يشير إلى ما مضى ذكره من المسائل العقدية. قال هذا اعتقاد، وقد مر أنه أخذ نبذًا، فما أراد أن يستطرد في ذكر جميع العقيدة الإسلامية، وإنما ذكر بعض النماذج التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعتقدها. قال هذا اعتقاد من؟ قال هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل. أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى هؤلاء الأئمة، والمؤلف رحمه الله تعالى في هذا النقل عن الأئمة لم يراعِ الترتيب الزمني. فنحن إذا جئنا إلى ترتيب الأئمة على حسب الفترات الزمنية، فأول من ظهر من أئمة المذاهب الأربع أبو حنيفة رحمه الله، هو أول من ظهر، ثم بعده مالك، ثم بعده الشافعي، ثم بعده أحمد. هذا الترتيب الزمني لو أردنا أن نرتب الترتيب الزمني من حيث الوجود، فأبو حنيفة هو الأول، ومن بعده مالك، ومن ثم الشافعي، وبعده أحمد. قال رحمه الله تعالى: هذا اعتقاد الشافعي، والشافعي هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي. محمد بن إدريس الشافعي من أئمة السنة، وكان يرقى في زمنه بناصر السنة. له أصالة، وله مذهب عريق، وله مصنفات، وله طلاب وتلاميذ قاموا بجهود جبارة في التصنيف والتأليف في العقيدة وفي باقي الفنون، في الأصول والفقه. ومن عجيب ما يذكر ونحن نتكلم عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وعن منجزاته، أنه مات وعمره أربع وخمسون سنة. مات وعمره أربع وخمسون سنة، رحمه الله. ولد في عام مئة وخمسين للهجرة، ولد في عام مئة وخمسين للهجرة، وتوفي في مئتين وأربعة. ولد في مئة وخمسين وتوفي في عام مئتين وأربعة للهجرة، فما عمر إلا هذا السن، وقد بارك الله في علمه. قال هذا اعتقاد الشافعي ومالك، الإمام مالك بن أنس، الإمام مالك بن أنس الأصبحي، الملقب بإمام دار الهجرة، وإمام دار الهجرة، ويسمى بنجم السنن. وكانت لهم مهابة عظيمة، ومن أئمة السنة، نصر الله بهم السنة. والإمام الشافعي رحمه الله تعالى درس عند الإمام مالك. وإمام مالك رحمه الله تعالى له مذهب، وأكثر من يعتنق مذهبه في بلاد المغرب. فله مذهب متبع. وولد الإمام مالك رحمه الله تعالى في عام ثلاث وتسعين من الهجرة، وتوفي في عام مئة وتسعين وسبعين. توفي رحمه الله. قوله: وأبي حنيفة، قال هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأبو حنيفة النعمان ابن ثابت، يسمى عند أتباعه بالإمام الأعظم. وهو من أكثر الأئمة أتباعًا، وخاصة في بلاد الشرق، يدينون بمذهب أبي حنيفة. وقد ولد في عام ثمانين من الهجرة، وتوفي في عام مئة وخمسين، أي في نفس السنة التي ولد فيها الشافعي. مات أبو حنيفة رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: ثم أحمد، وهو يريد بذلك الإمام أحمد بن حنبل، يريد به الإمام أحمد بن حنبل الشيباني. وهو كذلك من أئمة السنة، وله ذلك الموقف العظيم الذي به بعده أخذ الناس لقبوه بإمام أهل السنة في مسألة فتنة خلق القرآن. قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله، ويقولون أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ويقولون أن الله يرى في الآخرة. هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من أهل البيت وغيرهم. وهذا مذهب الأئمة المتبوعين، مثل مالك، والثوري، والليثي بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يحكي عن الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب أنهم على الجادة، وأنهم يعتبرون من أئمة السنة. وأحب في هذا المقام أن أشير إشارة يسيرة عن أحد هؤلاء الأئمة، عن أبي حنيفة رحمه الله، إذ كثر حوله اللغط والكلام. فيما ينقل عن أبي حنيفة، نعم ينقل عن أبي حنيفة الشيء الكثير من المخالفات، لكن جل ما يذكر عن أبي حنيفة كذب وافتراء. نسب إليه القول بخلق القرآن، وهذا كذب. بل ها هو شيخ الإسلام أمامك يقول بأن القول بعدم القول بخلق القرآن هو قول الأئمة المتبوعين، ومنهم أبو حنيفة. وأما ما يذكر فيه، أنه ما جاء من بعض عبارات العلماء في الكلام على أبي حنيفة رحمه الله، وجد عبارات فيها الثلب لأبي حنيفة. فماذا يقال في هذه العبارات؟ العلماء قالوا: إن من تكلم في أبي حنيفة إنما تكلموا فيه لمصلحة، وكانت المصلحة عند العلماء في تلك الأوقات تقتضي أنه لابد من الكلام فيه، وذلك خوفًا على أتباعه. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن اتبعت سبيلهم فموفق، وإن ابتدعت فما عليك معول. هذا من تمام ما ينبغي أن تفعله بعدما تتعرف على اعتقاد الأئمة المتبوعين. قال: فإن اتبعت سبيلهم، الاتباع هنا بمعنى السير على سيرهم والسلوك لمسلكهم. فإن سرت على سيرهم فأنت على خير. وهذا يقال به من حيث الجملة، لا نرى منك التقليد الأعمى. فهم بشر، لكن من حيث الجملة ما جاءوا به اتبعهم يا عبد الله. وهذه مسألة تجرني إلى الحديث على حقيقة الانتساب إلى المذاهب. إذا قيل: إن هذه المذاهب الأربع مذهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، إذا كانت هذه العقائد على السنة، ما لنا نرى الناس على خلاف ما عليه الأئمة؟ يقال: هذا هو الخطأ في الانتساب. أن كثيرًا من الناس انتسبوا إلى المذاهب إنما بالدعاء لا بالاتباع. فلو أنهم اتبعوا الأئمة على ما هم عليه في المعتقد خاصة، لسلمهم الله. لكن الأسف ما هناك اتباع. مثال ذلك: نحن في هذه البلدة أهلها ينتسبون للإمام الشافعي، ومن الإمام الشافعي رأس من رؤوس أهل السنة، تاج من تاجهم، وقرة عين لكل سنّي سلفي. أقواله من أفضل الأقوال نافعًا، وبيانه من أعظم البيان في بيان عقيدة أهل السنة. فنجد من أتباعه وهم الشافعية ماذا فعلوا؟ أخذوا من الإمام الشافعي ما يتعلق بالفقهيات، والذي يعبر عنه بالفروع، في باب الطهارة والصلاة والزكاة والحج وأحكام الطلاق والنكاح والأطعمة والتبيوع. فنأخذ ما قاله الشافعي في فقهياته، لكن في العقيدة ذهبوا إلى الأشعرية، ذهبوا إلى التماشعر. هل هذا اتباع؟ هذا مهتباع. كن صريحًا، أنت ما أنت شافعي. لو كنت شافعيًا لأخذت بقوله، ليس في الفرعيات أو ما نسميه العمليات، بل كان أعظم من ذلك، خذ في باب العقائد. لو أن الشافعية تمسكوا بما عليه الإمام الشافعي، لكانوا من أعظم الناس تمسكًا بالسنة. والشافعي معظم للسنة، يعرف هذا عنه. يغضب غضبًا شديدًا. بل صحت العبارة التي تداولها العلماء من بعد من طلابه: قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. إذا صح الحديث فهو مذهبي. مذهبي الأحاديث الصحيحة لا يتقيد بقول أو يتقيد برأي، إنما رأيه وقوله اتباع للسنة. دخل إليه رجل فسأله عن مسألة، فإذا بالشافعي رحمه الله تعالى يجيبه بما يعرف من الشرع، فإذا بهذا السائل يقول: وأنت ماذا ترى أنت؟ فقال رحمه الله تعالى: أتراني خرجت من كنيسة؟ أقول لك: قال الله، وقال رسوله، وتقول: ما أقول أنا؟ ونظر لتعظيم السنة. قال: من أنا؟ هل تسألني عني؟ يكفيك ما جاء في كتاب الله، أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد أصاب في مجمل عقيدة أهل السنة، في باب الأسماء والصفات على الجادة، في باب الإيمان على الجادة، في باب القضاء والقدر على الجادة، في باب القول بالقرآن على الجادة، رحمه الله. وقيمته مناقشات، وجادل عن السنة، أو من ألف في الأصول كتاب الرسالة المعروف المطبوع المشهور. لكن إذا جئنا إلى أتباعه، تجد العجب العجاب. تجد العجب العجاب. الشافعي في واد، وأتباعه في واد آخر. الشافعي في مذهب السنة، وهؤلاء في مذهب البدعة. هذا عجيب. ولهذا يقول مؤلف رحمه الله تعالى: فإن اتبعت سبيلهم فموفق. لكن باتباع لا ادعاء، لا ادعاء. تقول: أنا شافعي، فإذا أردنا أن نقارن عقيدة الشافعي، وعقيدتك، نراك في باب الأسماء والصفات مؤولًا أشعريًا. كثير من الصوفية الآن، اسألهم عن الأسماء والصفات، يثبتون سبع صفات، قول الأشاعرة. وهل الشافعي على هذا المذهب؟ ما يقول بهذا. الشافعي يقول بإثبات الصفات من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. هذا الشافعي رحمه الله. والحاصل: لا نصل في هذا المقام، ولعلنا نرجئ الكلام في درس غد بإذن الله حول ما يتعلق بقوله: فإن اتبعت سبيلهم فموفقون، وإن ابتدعت فما عليك معول، بذكر بعض المسائل والخصائص المتعلقة بالبدعة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.