الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
التوحيد هو أساس تزكية النفوس وغاية خلق الإنسان، ويتضمن إفراد الله بالعبادة وإثبات أسمائه وصفاته. وهو أول ما يجب على الإنسان للدخول في الإسلام.
التوحيد هو أساس صلاح الأعمال وبدونه تفسد جميع الأعمال، وقد أمر النبي بدعوة الناس أولا إلى توحيد الله. التوحيد يزكي النفس بينما الشرك يدنسها ويحبط الأعمال.
تحقيق التوحيد يمنح العبد الهداية والأمن في الدنيا والآخرة، بينما الشرك بالله يحرم صاحبه من الجنة ويمنع مغفرة الله. يُظهر الاعتماد على الله في تحقيق هذه الغايات.
المقطع يتضمن دعاءً لطلب التزكية والتسليم من الله وتجنب الشرك، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الرغبة في تحقيق توحيد الله وإخلاص العبادة له.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله- في ذكره للقواعد العشر التي بها تزكو النفوس: القاعدة الأولى التوحيد، أصل ما تزكو به النفوس. إن التوحيد هو الغاية التي من أجلها خلقنا الله عز وجل وأوجدنا، كما قال سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، قال ابن عباس: أي ليوحدون. فأصل العبادة وأساسها هو توحيد الله جل وعلا، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة. قال ابن القيم رحمه الله: "عبادة الرحمن غاية حبه، مع ذل عابده، هما قطبان، وعليهما فلك العبادة دائر مدار، حتى قامت القطبان". فأصل العبادة غاية الحب مع غاية الذل لله جل وعلا، وحقيقتها إفراده سبحانه وتعالى بالتوحيد، بأن لا يعبد إلا الله جل وعلا وحده. قال: وهو أيضا محور دعوة الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. فكل رسول أرسله الله جل وعلا فهو يدعو إلى هذا الأصل العظيم، وهو عبادة الله جل وعلا بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، واجتناب الطاغوت، وهو كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع. التوحيد الذي بعث الله عز وجل به الرسل، كما يقول ابن القيم رحمه الله، ينقسم إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد. توحيد المعرفة والإثبات وهو يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. توحيد الربوبية الذي هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والملك والتدبير، وأنه لا خالق ولا رازق ولا محي ولا مميت ولا مدبر لهذا الكون ولشؤون الخلق إلا الله سبحانه وتعالى وحده. وتوحيد الأسماء والصفات أن تثبت لله جل وعلا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وتوحيد الطلب والقصد وهو توحيد الألوهية، أنك لا تصرف العبادة لأحد سوى الله جل وعلا، ولا تقصد بعبادتك ولا بطاعتك إلا الله جل وعلا، أي هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. قال: والتوحيد هو أول ما يجب على الإنسان للدخول في دين الإسلام، أول ما يجب على العبد هو توحيد الله وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة. وكذلك هو أول ما يجب على الداعية إلى الله عز وجل أن يعلمه للناس، أي يعلمهم توحيد الله، لأنه بصلاح التوحيد تصلح سائر الأعمال، وبفساد التوحيد تفسد سائر الأعمال. قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله". فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو الناس أول ما يدعوهم إليه إلى توحيد الله جل وعلا. قال: وقد توعد الله عز وجل الذين لا يزكون أنفسهم بالتوحيد والإيمان بالعذاب الشديد يوم القيامة، فقال عز وجل: ﴿ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾. قال ابن تيمية رحمه الله في تفسير الآية السابقة: هي التوحيد والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وإثبات إلهية الحق في القلب، وهو حقيقة لا إله إلا الله. قال ابن القيم رحمه الله في كتاب إغاثة اللهفان: قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب، وهو أصل كل زكاة ونماء. قال: وكما أن التوحيد هو أصل ما تزكو به النفوس وتطهر، فإن الشرك هو أشد ما يدنس النفوس ويفتك بها، بل هو محبط لجميع الأعمال. فالتوحيد يزكو به النفس لأن العبد لا يلتفت إلى غير الله، لا إلى شمس ولا إلى قمر ولا إلى ولي ولا إلى قبر ولا إلى نبي ولا إلى صالح من الصالحين، وإلى أحد من المخلوقات، بل قلبه وقالبه متوجه إلى الله جل وعلا. قال: فكيف لا تزكو نفسه من كان هذا حاله، متعلقا بربه جل وعلا، ليس له إله غير الله، ليس له من يرجوه ومن يدعوه ومن يتوكل عليه ومن يلجأ إليه ومن يطلب منه كشف الكربات وقضاء الحاجات إلا منه سبحانه وتعالى. قال: وهو محبط لجميع الأعمال، كما قال تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾. هذا الخطاب من الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام، أنه أوحي إليه كما أوحي إلى النبيين والرسل من قبله، أنهم إن أشركوا في عبادة الله وفي طاعة الله، أن أعمالهم قد حبطت. قال: وهو الذنب الذي لا يغفره الله أبدا لمن مات عليه، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فالشرك بالله عز وجل لا يغفر، لا يغفر الله عز وجل لهذا الذنب صاحبه إن مات وهو على الشرك. قال: وحرم الله عز وجل الجنة على كل من أشرك معه غيره، كما قال تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. هذا أيضا مما يدل على عظم هذا الذنب وجرم أو كبر جرمه، أنه إن مات صاحبه على الشرك، فإن الله عز وجل حرم عليه الجنة. قال: فإذا حقق العبد التوحيد حصلت له الزكاة الكاملة، وحصلت له الهداية والأمن التامان في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ظلم نكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي ظلم من الظلم. قال: لكن بين النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد بالظلم في هذه الآية هو الشرك في عبادة الله، كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، لما جاء الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ لما نزلت هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: "ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لابنه: يا بني، لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم". قال: فمتى أخلص العبد الذل لله والمحبة له، خلصت أعماله وصحت وزكت نفسه وطابت. ومتى أدخل عليها ما يشوبها من شوائب الشرك، دخل على نفسه من الدنس والتدسية بحسب ذلك. قال: فلا زكاة للنفس إلا بتحقيق التوحيد، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، وإخلاص العمل له، كما قال تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾. فليس لأحد من الخلق مشاركة مع الله جل وعلا في عبادته سبحانه وتعالى. قال: ولا زكاة للنفس إلا بتخليصها من الشرك بجميع أنواعه، وتخليصها من كل ما يناقض التوحيد ويضعفه، سواء كان ذلك الشرك الأكبر الذي يخرج العبد من الملة، أو كان الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الوقوع في الشرك الأكبر. نسأل الله جل وعلا أن يزكي نفوسنا، ويعيننا جل وعلا على تحقيق توحيده وإخلاص العبادة له، وأن يسلمنا ويجنبنا الشرك بجميع أنواعه وصوره، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.