الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 390، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري حول مسجدية الأرض باستثناء الحمام والمقبرة. يتطرق إلى سند الحديث واختلاف الرواة في وصله وإرساله.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الحمامات والمقابر لما فيها من النجاسة وكشف العورات في الحمامات وتأثير القبور في المقابر. بعض العلماء ذهبوا إلى عدم جواز الصلاة في المقبرة أو المساجد التي تحتوي على قبور.
شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لا تجوز ولا تجزئ، واستدل بما فعله عمر وعثمان رضي الله عنهما في الفصل بين القبر والمسجد. هذا يدل على عدم جواز الجمع بين القبر والمسجد.
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور وعليها، كما نهى عن جعل البيوت كالقبور بعدم الصلاة فيها. هذا النهي يدل على أن المقبرة ليست مكانا للصلاة وأهمية الصلاة في البيوت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: مسند أبي سعيد الخدري، سعد بن مالك رضي الله عنهما. وأبو سعيد من بني خدرة من الأنصار رضي الله عنه، وهو من حفاظ الصحابة ممن نشر العلم، وكان مسكنه المدينة، أنا لم يخرج من المدينة، فهو من حفاظ الصحابة ممن نشر العلم وحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله: قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السجستاني، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، قال: حدثنا حماد. وغالبا إذا جاء حماد بعد موسى بن إسماعيل فهو حماد بن سلمة؛ لأن موسى بن إسماعيل ممن تخصص في الرواية عن حماد بن سلمة، أنه هو يروي عن حماد بن زيد، لكن أكثر روايته عن حماد بن سلمة، مثل عفان، عفان يروي عن حماد بن زيد، لكن أكثر روايته عن حماد بن سلمة. وأكثر ما يخطئ العلماء في الحمادين؛ لأنهما كلاهما من البصرة، وأيضا شيوخهما غالبا متقارب، ومعنى نفس الشيوخ، وكذلك أيضا تلاميذهم أو تلاميذهما نفس التلاميذ، فلهذا يحصل الخلط كثيرا. لكن البخاري لم يرو عن حماد بن سلمة إلا متابعة، فلهذا البخاري إذا ذكر حماد فالمراد به حماد بن زيد، هذا يخرجه في هذا الموضع، أي في صحيح البخاري. أما في مسلم فقد رواه مسلم، رواه عن حماد بن سلمة عن عدة من مشايخه، وأكثر ما رواه عن ثابت، حماد عن ثابت، وروى كذلك حماد عن أيوب، حماد عن قتادة، وإن كان فيها بعض الكلام، لكن العلة فيها أنها صحيحة. وكذلك أيضا مما يعرف كما قلنا أيضا المشايخ أحيانا، فلهذا كما قلنا يحصل الخلط كثيرا في الحمادين أكثر مما يحصل في الصفريانين، أي سفيان بن عيينة وسفيان الثوري. فمعنى الصفريان أمره ما سهل، أسهل من الحمادين. معنى هنا التفريق بين حماد بن سلمة وحماد بن زيد يصعب على العلماء أكثر. لكن أحيانا مثلا يعرف بالتلميذ الذي اختص في هذا الشيخ، فمثل هنا موسى بن إسماعيل ممن تخصص في الرواية عن حماد بن سلمة أكثر من رواية عن حماد بن زيد. قال: حدثنا حماد. حاء وحاء هنا تحويل سند، أي الإمام أبو داود يقول: حاء أيضا، وحدثني وحدثنا مسدد، فهو من مسدد أبو الحسن البصري، قال: حدثنا عبد الواحد عن عمر بن يحيى. وسيذكر الشيخنا الخلاف الذي حصل في هذا الحديث عن عمر بن يحيى، قال: عن عمر بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال موسى في حديثه: فيما يحسب عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة. الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة. قال: هذا حديث صحيح، ولا يضره إرسال الثوري له، وقد وصله حماد بن سلمة كما ترى عند أبي داود وعند ابن ماجه، وكذا عبد الواحد بن زياد عند أبي داود كما ترى. أن بعضهم أرسله لم يذكر أبا سعيد، أنا قال: عن عمر بن يحيى عن أبيه، فقال: الأرض كلها مسجد، أو سمعت النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال: قال رسول الله، معنى مرسلا. قال: فيحمل على أن عمر بن يحيى كان يحدث به على الوجهين، وينتفي عنه الاضطراب الذي قاله الترمذي؛ إذ من شرط الاضطراب تكافؤ الطرق، وهنا الواصلون له أكثر. ويحتمل أن عمر بن يحيى هو الذي يضطرب في هذا، أحيانا نذكر أبا سعيد وأحيانا لا يذكر. ولهذا قال موسى بن إسماعيل في حديث فيما يحسب عمر أنه هذا يدل على أنه كان يشك، فأحيانا يرفع الحديث وأحيانا لا يرفعه. قال: وهنا الواصلون له أكثر. وأما عبد العزيز بن محمد الدراوردي ومحمد بن إسحاق فقد اختلف عليهما في وصله وإرساله كما قاله الترمذي رحمه الله، ولكنهما ليسا بالحافظين. هذا ومن رجح الإرسال فهو لم يستوعب طرقه كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. وقال رحمه الله: إن سنده جيد. فهذا الحديث يخبر فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة. كلها مسجد، معنى يجوز أن يسجد عليها، مثل ما جاء في حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين، لما ذكر تفضيله عليه الصلاة والسلام على سائر الأمم، قال: فضلنا بخمس، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وطهورا. وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وطهورا. وكان الناس ما يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم، أنه كان اليهود والنصارى ما يصلون في الأرض، وإنما لابد أن الصلاة تكون في البيع والكنائس. أما أهل الإسلام فمتى وجد الإنسان أو جاء وقت الصلاة فعنده مسجده وطهوره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأيما رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره، طهوره إن وجد ماء توضأ، وإن لم يجد ماء فعنده التراب. وكذلك أيضا له أن يصلي في أي مكان إلا ما جاء فيه النهي عن الصلاة فيه. ما جاء النهي عن الصلاة فيه، ومن ذلك هذا الحديث: الحمام والمقبرة. فأما الحمام فالمراد به المكان الذي يغتسل فيه ويستحم فيه، فهذا يسمى حماما، وليس المراد به الحش أو المكان الذي يختلي فيه أو مكان الخلاء، فمكان الخلاء من باب أولى. أنا مكان الخلاء من باب أولى. لكن الحمام هنا إنما لا يكون مكانا للصلاة لأنه مكان تكشف فيه العورات، فلهذا أيضا فيه مكان يبول فيه الناس، فلهذا لعلة مثل هذه الأمور فإنه نهي عن الصلاة في الحمام، نهي عن الصلاة في الحمام. ولهذا إذا كان الإنسان في حمام، أعني في ماء حار يستحم، فلا يصلي في ذلك المكان الذي فيه الاستحمام. ولهذا جاء عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، صاحب أبي هريرة أو صاحب النبي عليه الصلاة والسلام كما صحبه أبا هريرة أربع سنين، أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يمتشط أحدكم كل يوم، ولا يستحم في ... ولا يصلي في مستحمه، أو قال: لا يغتسل في مستحمه. فذاك في الغسل المراد المكان الذي يستحم فيه ويبول فيه، فلهذا في المكان ذلك المكان الذي يغتسل فيه أو يستحم فيه وهو متصل بهذا الحمام لا يصلي فيه. لكن إن كان هناك مكان يبعد عن هذا المكان، معنى مجهز مثل بعض المغاسل مجهزة للصلاة أو غرفة مثلا، فهذا لا بأس أن يصلي فيها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة. وأما المقبرة فقد جاءت الأدلة المتكاثرة على أنها ليست مكانا للصلاة. ولهذا ذهب أحمد والظاهرية إلى أنه لا تجوز الصلاة في المقبرة، بل لا تجزئ. أقصد في المقبرة بل لا تجزئ، لا تجزئ الصلاة في المقبرة، وهذا عند أحمد والظاهرية كذلك. ورجح ذلك الشوكاني وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قبله. وهذه المقبرة إذا كان سيصلي في المقبرة أن بينه وبين القبور، وأما إن كان بعيدا من القبور فلا بأس. لكن إن كان في داخل المقبرة الأفضل أنه يبتعد. لكن هنا المقبرة، أي في مكان القبور، المقبرة المقصود به مكان القبور. وقد جاءت الأدلة على أنه لا يجوز للمرء المسلم أن يتخذ المقبرة مصلى، كما جاء في الصحيحين عن عائشة وعن ابن عباس وعن جماعة أيضا كذلك خارج الصحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وجاء في رواية حديث عائشة: قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. فاتخاذ القبر مسجدا هذا من فعل اليهود والنصارى، وهو لا يجوز، هو لا يجوز. وأيضا هذا الحديث تدل به الحنابلة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أنه لا تجزئ الصلاة في المقبرة، لا تجزئ الصلاة في المقبرة. وكذلك أيضا يدخل في هذا إذا صلى في مسجد فيه قبر، إذا صلى في مسجد فيه قبر، لا يجوز أن يصلي في مسجد فيه قبر، بل إن صلاته غير صحيحة، أن صلاته غير صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته في زيارة القبور وغيره، وفي بعض المواضع أيضا التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن بن القاسم في مجموعة الفتاوى: أن شيخ الإسلام ذكر أن الصلاة في المقبرة، أقصد في المسجد الذي فيه قبر، لا تجوز ولا تجزئ، سواء كان القبر أمام المسجد أو عن يمينه أو عن يساره أو حتى خلفه، أقصد هو في المسجد، لكنه معنى هذا القبر في المسجد ما دام أنه في المسجد فلا تجزئ الصلاة في المسجد. وذكر رحمه الله أنه لا يجتمع، لا يجتمع في الإسلام قبر ومسجد، لا يجتمع في الإسلام قبر ومسجد. فلهذا قال: إن كان قد بني القبر أو قد بني المسجد قبل القبر، فإن القبر هو الذي يكسر ويحول إلى مكان آخر. وإن كان المسجد بني على القبر، فإن المسجد يكسر، معنى الآن تجد كثير من الصوفية مساجدهم يبنونها على القبر، على مساجدهم يحبون أن يبنوها على القبر تعظيما لصاحب هذا القبر. وهذا هو الذي نهى الله عز وجل، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه، وبيّن أن الله عز وجل لعن اليهود والنصارى بسبب هذا. وهذا الذي وقع في هؤلاء أهل القبور، تجد أنهم يحبون بناء المساجد على القبور، بناء المساجد على القبور. فقال شيخ الإسلام: إذا بني المسجد على القبر، فإن المسجد يكسر، أو أنه يخرج القبر، إن كان مثلا القبر في طرفه، فيخرج القبر، يبنى جدار على القبر، ويبنى بعد ذلك جدار المسجد، كما هو مذهب الإمام أحمد: أنه لا يكتفى بجدار واحد، وإنما لابد من جدارين. أنا لابد أن يكون بين القبر جدار القبر وجدار المسجد. أنا لو كان مثلا القبر عند المسجد، ويصلي الناس والقبر بجانب جدار المسجد، فعند الإمام أحمد هذا الفعل لا يجوز، لابد أن يبنى جدار بين المقبرة، معنى المقبرة لابد أن تكون جدار وجدار للمسجد. فهذا الذي عند أحمد، واستدل بما فعله عمر رضي الله عنه، استدل الإمام أحمد بما فعله عمر: أنه لما بنى المسجد جعل الجدار الذي هو للقبر، ثم جعل جدار آخر للمسجد. وهكذا فعل عثمان رضي الله عنه. وهذه المسألة قد فصل فيها الشيخ الألباني رحمه الله عليه في كتابه "ثمر المستطاب"، "ثمر المستطاب" هذا كتاب طيب ألفه الشيخ الألباني رحمه الله، وذكر هذه المسألة وفصل فيها تفصيلا عظيما، وذكر أيضا الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها، ذكر الأماكن، معنى الحديث الصحيحة التي جاءت في النهي عن الأماكن، أو هناك أماكن نهية عن الصلاة فيها. وهناك أشياء جاءت حديث غير صحيحة عن أماكن على أساس أنها نهي عنها، مثل فوق الكعبة، وسط الكعبة، وكذا، فهذا لم يثبت. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. هنا سؤال يقول: إذا لم يستطع الإنسان الصلاة على الميت في المسجد، فهل تصح الصلاة عليه في المقبرة؟ نعم، صلاة الجنازة المراد هنا بالصلاة التي يكون فيها سجود وركوع. أما صلاة الجنازة فيصلى في المقبرة، والأفضل أن تكون مصلى خارج المقبرة، لكن إن دفن الميت مثلا وصلي في المقبرة، فقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري في حديث ابن عباس، وجاء أيضا عن جماعة من الصحابة: أن النبي صلى في المقبرة. فصلاة الجنازة تخرج عن هذا. وجاء حديث عند ابن حبان وفيه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وسط القبور، لكنه لا يثبت. أنا أكثر الأئمة، إمام أحمد وغيره، على أنه منكر، لا يثبت. فلهذا فيجوز أن يصلى على المقبرة أو في المقبرة صلاة الجنازة؛ لأنها ليس فيها سجود وركوع. وهذا يدلنا على أن العبرة هو السجود والركوع، لا كما قاله بعض الشافعية: أن العبرة أو أن العل، أقصد في النهي، إنما هي النجاسة. أن العل في النهي هي النجاسة، أي نجاسة هذه، ليس هناك نجاسة غالبا في المقابر. وأما العظام وغيرها فليست بنجسة. فلهذا فالعل الصحيح في هذا أنه تشبه؛ لأنها مدعاة للسجود لغير الله جل وعلا، أو فيها تشبه بهذا. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند المقبرة؛ لأن غالبا المقابر تعظم ويعظم من فيها. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور وعليها، كما جاء في حديث مرثد بن عبد الله اليزني. وجاء أيضا في هذا الحديث: الصلاة أن يتخذ المقبرة مصلى. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها. أنا أنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها، دل على أن المقبرة لا يصلى فيها، لا يصلى فيها. فإن شاء الله تعالى نكتب في هذا، والله أعلم.