الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 389، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث عن سعد بن مالك حيث سلم على عثمان بن عفان ولم يرد عليه السلام، ثم اشتكى سعد لعمر بن الخطاب. عثمان أقر بأنه كان يفكر في كلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغشاه غشاوة.
دعوة ذي النون "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" لم يدع بها مسلم إلا استجاب الله له، وهي ليست خاصة بيونس بل للمؤمنين جميعًا.
يُبين فضل دعوة ذي النون وأهمية السؤال عن الأمور الغامضة، ويوضح أن الدعاء يحتاج إلى وسيلة مثل أسماء الله وصفاته.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من العجلة في الدعاء وعدم الصبر عليه، وشدد على ضرورة الاستمرار في الدعاء والصبر عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا إسماعيل بن عمر، وإسماعيل بن عمر هو الواسطي البغدادي، سكن بغداد، وكان رجلًا صالحًا، كما قال الإمام محمد -رحمه الله-، وهو أيضًا ثقة بالحديث. قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، ويونس هو ابن أبي إسحاق، والد إسرائيل وعيسى، عيسى بن يونس وإسرائيل بن يونس، وولداه أثبت منه وأوثق منه من ناحية الحفظ، فابناه إسرائيل وعيسى أحفظ منه وأضبط منه في الحديث، أي أضبط من أبيهم، ويونس أحيانًا يزيد في حديثه، فالمهم أنه صدوق كما قال الحافظ، لكن ربما يهم، فحديثه العصا فيه الحسن، وخاصة في الشواهد مثل هذا الحديث، وإنه في الشواهد قد جاء ما يشهد له، كما سيذكر الشيخ. قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، أي ابن أبي وقاص رضي الله عنه، وإبراهيم تقى، قال: حدثني والدي محمد عن أبيه سعد، قال: مررت بعثمان بن عفان، أي سعد بن مالك، يقول: مررت بعثمان بن عفان في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني -أنا نظر إليه- ثم لم يرد علي السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا، وماذا؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان رضي الله عنه آنفًا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يرد علي السلام -أنا نظر إلى سعد ولم يرد عليه السلام- رضي الله عنهما. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال عثمان: ما فعلت هذا الشيء، لم أفعله، فقال سعد: قلت بلى، قال: حتى حلف وحلفت أنا، حلف أنه لم يرني، ولم يسلم علي، وأنكر أنه لم يرد عليه السلام، قال: ثم إن عثمان رضي الله عنه ذكر، فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا وأنا أحدث نفسي بكلمة، انظر إلى ماذا يحدث نفسه، لم يكن سارحًا في دنيا، ولم يكن سارحًا في أمور الأسرة أو كذا، لكن انظر ماذا قال، قال رضي الله عنه: إنك مررت بي آنفًا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي، ما ذكرتها إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، أنا كأن هناك غشاوة تكون عليه، أي كأنه يذهب ذهنه، وحتى عينيه. وهذا يخص الإنسان، وهي أن الإنسان تراه ينظر إليك وهو لا يراك، معنى يراك، لكن ما يستوعب ما تفعل، ولا يركز على ما تفعل، وإنما هو في شيء آخر، أنا تجد ينظر إليك، لكنه يفكر في شيء، ممكن تشير إليه، ممكن تكلمه وهو لا يدري، وهذا الذي أصاب عثمان رضي الله عنه، لكن لماذا يقول: ما ذكرتها؟ معناه قال: بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة. قال: قال سعد: فأنا أنبئك بها، وكأن في الكلام اختصار، معناه جاء في بعض الروايات أن عثمان ذكر هذا الشيء، وهو قوله: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت، دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت»، قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام هذا، ثم شغله أعرابي، ثم شغله أعرابي، فذهب، قال: فكلما تذكرت هذه الكلمة أخذني -أو قال: تغشاني- أو تغش قلبي وبصري غشاوة. فقال سعد: فأنا أنبئك بها، معناه يقول سعد: إذا كان الأمر كذلك، أنا عندي خبر هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي، معناه قال: دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت، فجاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد: فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض -ضربت بقدمي الأرض- معناه أحدثت صوتًا بقدمي، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟ أبو إسحاق، وهي كنيتي سعد بن مالك، قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: فما الذي تريده؟ قال: قلت: لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة -أول دعوة- وجاء في رواية: أنك ذكرت لنا دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت، ثم شغلك الأعرابي، ثم جاء هذا الأعرابي فشغله، قال: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له. قال أبو عبد الرحمن -وهو شيخنا مقبل-: هذا حديث حسن، ويرتقي إلى الصحة بما بعده، حسن، لماذا؟ لأن فيه يونس بن إسحاق، وهو حسن الحديث، معنى حديثه لا يرتقي إلى الحجية إلى الصحة. قال: وقال البزار: حدثنا عبد الله بن سعيد، وهو الأشج، وهو من التسعة الذين رووا عنهم أصحاب الكتب الستة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان، قال: أخبرنا كثير بن زيد، كثير بن زيد في ضعف، لكن الحديث في الشواهد، قال: عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ذي النون، قال: وجاء أعرابي فشغل، فاتبعته، فالتفت إلي، فقال: أبو إسحاق، قلت: نعم، قال: فما قلت؟ ذكرت دعوة ذي النون، ثم جاء أعرابي فشغله، قال: نعم، دعوة ذي النون إذ نادى في بطن الحوت: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فإنه لم يدع بها أحد إلا استجيب له. وجاء في بعض الروايات التي أخرجها أيضًا الطبراني وغيره، وذكرها الشيخ الألباني في «الصحيحة»: أنه قال: قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: أليونس خاصة؟ جافر والذنوني خاصة؟ أم لنا جميعًا؟ قال: «بل هي لكم جميعًا، ألم تقرأوا قول الله جل وعلا: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾»، معنى الله عز وجل لما ذكر يونس هذه الكلمة، قال: ﴿وذو النون إذ نادى﴾، معنى قال: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾، ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾، فهذه الكلمة ليست خاصة ليونس عليه الصلاة والسلام، وإنما للمؤمنين جميعًا، ولهذا جاء في بعض الروايات: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني لا أعلم كلمة ما يقولها عبد في كرب إلا نجاه الله منه، إني لا أعلم كلمة لا يقولها عبد في كرب إلا فرج الله عز وجل عنه ذلك الكرب، دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾». فهذا الحديث فيه من الفوائد العظيمة والمسائل، فمن ذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من خلق عظيم، وكذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من العفو فيما بينهم، ومعرفة سبب ما يحصل بين الإخوان، كما فعل عمر رضي الله عنه، فإنه لم يترك المسألة، بل أرسل إلى عثمان حتى ينتهي من هذه المسألة التي حصلت بين سعد وعثمان، لكن عثمان لم يكن يتقصد هذه المسألة. وأيضًا ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الاهتمام بالعلم، انظر إلى هذا الأمر، وهذه الفائدة، فإنها أقلقت قلوب الصحابة رضي الله عنهم، يريدون أن يعرفوا إيش وراء هذا، إيش دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت؟ ماذا تفعل؟ وماذا وراءها؟ فعثمان رضي الله عنه كان يغتم إذا ذكر هذا الموقف، يصيبه الغم، يصيبه الغشي، يصيبه أنه حتى يذهل، فيفكر في هذا الأمر الذي أصابه، وسعد رضي الله عنه لم يصبر حتى تبع النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه الحرص على السؤال، وأن طالب العلم لا يستحي، وخاصة في مثل هذه المسائل، إذا كان استشكل عليه شيء، فإنه يسأل معلمه فيما أشكل عليه، حتى لا يذهب عليه الوقت وينسى هذه المسألة، ثم يحتاج إليها فلا يعرف ما وراءها، فلهذا إذا استشكل عليه شيء فينبغي أن يسأل معلمه عن هذا الاستشكال حتى يوضحه له. فهذا أبو إسحاق سعد بن مالك رضي الله عنه، فإنه مع حيائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لما رأى أن الأمر لا بد أن يعرف، ولا بد أن يفهم ما وراء هذا الدعاء، فإنه تبع النبي عليه الصلاة والسلام، فلما خاف أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته ضرب برجله حتى ينتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بهذا الكنز العظيم، وهذه الدعوة العظيمة التي ينبغي لمسلم أن يحفظها، وأن يقدمها في دعائه. وأيضًا هذا الحديث يدلنا على أن الدعاء يحتاج إلى وسيلة، والوسيلة هي معنى أسماء الله عز وجل وصفاته، أن يقدم بين يدي دعائه دعاء أو ثناء على الله عز وجل بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، فإن هذا أرجى للقبول، وأيضًا كذلك يختار هذه الدعوات العظيمة التي دعا بها الأنبياء، ومنها دعوة ذي النون، وهو يونس بن متى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وهذا أكثر مما يذكر في هذا الباب، وهناك من باب التنبيه أن الإنسان يدعو بهذا الدعاء قد يقول مثلًا: لا يستجاب لي أو كذا، فهذا ليس من شأنه، فالمسلم ينبغي أن يدعو الله عز وجل، وأيضًا يستغل الأمور التي يستجيب الله عز وجل بها، منها هذه التوسلات التي في الأحاديث. وأما مسألة الاستجابة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله عز وجل إحدى ثلاث: إما يستجيب له، وإما يدخرها له إلى يوم القيامة، وإما يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم، يصرف عنه شيء هو أعظم من هذا الذي يدعو به»، فلهذا فهو في خير، وإن ظن أنه لم يستجب له. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم حذر من هذا، يقول: «لا يقل أحدكم: قد دعوت فلم يستجب لي»، معناه قال: ادعوا الله عز وجل، ولا يعجل أحدكم بالدعاء، فيقول: قد دعوت ولم يستجب لي، قد دعوت ولم يستجب لي، فهذا تعجيل، وحذر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.