الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 391، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث أبي سعيد الخدري في صلاته يوم الجمعة أثناء خطبة مروان، وأهمية تحية المسجد. يدل على وجوب أو استحباب تحية المسجد ركعتين عند الدخول حتى وإن كان الإمام يخطب.
يشرح أهمية أداء الصلاة في وقتها وعدم طاعة الإمام في معصية الله، مع الإشارة إلى موقف عمر بن عبد العزيز في تصحيح وقت الصلاة.
يروي قصة رجل تصدق عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم تصدق بدوره، فأثنى النبي على فعله ثم أعاده إليه، مما يظهر سخاء الصحابة وتوجيه النبي لهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قبل أن نبدأ في الدرس، هناك إعلان عن محاضرة للنساء في مسجد النساء الساعة الرابعة ونصف، وهي محاضرة للنساء. ونرجو من الإخوة خفض صوتهم، لا يجلسوا على هذه الأبواب لأن فيه مرور النساء، وكذا قد يضايق بعض النساء إذا جلسوا عند هذا الباب أو في المسجد، خاصة في وقت دخول النساء وخروجهن. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الترمذي: حدثنا محمد بن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدني المكي، عدني نزيل مكة، بن أبي عمر، وهو من أكثر الرواية عن سفيان بن عينة، وروى عنه الإمام مسلم حديثًا كثيرًا عن سفيان، قال: أخبرنا سفيان بن عينة، أبو محمد الهلالي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: سفيان بن عينة إمام منذ أربعين سنة. وكان رحمه الله من تواضعه يتمثل بذلك الشعر: "خلت الديار فالصغت غير مسود ومن البلية تفردي بالسؤدد"، أي يعدّه بلاءً أن يكون هو سيد الناس أو شيخًا لهم، وهو كان إمامًا حافظًا فقيهًا، رحمة الله عليه، كان من العلماء المتواضعين. وكذلك الذين يعملون بعلمهم، ولهذا كان الإمام أحمد يجلّه كثيرًا، قال عن محمد بن عجلان: ومحمد بن عجلان مدني، وهو ثقة، لكن اختلطت عليه بعض الأحاديث، فلهذا وصفه الحافظ بالصدوق، ربما أخطأ. قال عن عياض بن عبد الله بن عبد السرح، وهو أيضًا مدني: عياض بن عبد الله بن عبد السرح، وهذا الإسناد مكي مدني، لأن محمد بن عبد الله وسفيان بن عينة يعتبران مكّيان، لأن سفيان وإن كان كوفيًا لكنه سكن مكة وجلس فيها كثيرًا، فلهذا فهو يعد في الحجازيين أو في المكيين. قال: أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه دخل يوم الجمعة ومروان يخطب، فقام يصلي، فجاء الحرس ليجلسوه فأبى حتى صلى، فلما انصرف أتيناه فقلنا: رحمك الله، إن كادوا ليقعوا بك. فقال: ما كنت لأتركهما بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر أن رجلًا جاء يوم الجمعة في هيئة بذة، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة، فأمره فصلى ركعتين، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب. قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري حديث حسن وصحيح. قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: أخبرنا سفيان عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي الصرح أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: دخل رجل للمسجد فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الناس أن يطرحوا ثيابًا، فطرحوا، فأمر له منهما بثوبين، ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد ثوبيه، فصاح به وقال: خذ ثوبك. قال: هذا حديث حسن. والشيخ هنا ذكر روايات عدة لهذا الحديث، والظاهر هذا من ابن عجلان لأن كل الروايات مخرجها من ابن عجلان. قال: وخرّجه الحميدي، فقال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا محمد بن عجلان، قال: حدثنا عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وعبد الله بن سعد بن أبي سرح هو أخو عثمان بن عفان من أمه، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله من الثمانية الذين أمر بقتلهم لما دخل مكة، لكن شفع له عثمان فقبل النبي عليه الصلاة والسلام شفاعة عثمان بعد أن ظن أن أحدًا سيقتله، لكن لم ير أحدًا يقتله، فقبل شفاعة عثمان فيه. وهذا عياض ابنه فقيه وحافظ من حفاظ المدينة. قال: رأيت أبا سعيد يقول: عياض بن عبد الله قال: رأيت أبا سعيد الخدري جاء مروان بن الحكم يخطب يوم الجمعة، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه الأحراس ليجلسوه، فأبى أن يجلس حتى صلى الركعتين. فلما قضى الصلاة أتيناه فقلنا: يا أبا سعيد، كاد هؤلاء أن يفعلوا بك. فقال أبو سعيد: ما كنت لأدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر الحديث. قال: وخرّج أبو يعلى، قال: حدثنا أبو خيثمة، وهو زهير بن حرب النسائي، قال: حدثنا يحيى عن ابن عجلان، قال: أخبرنا عياض فذكره. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان، قال: حدثنا عياض عن أبي سعيد، قال: دخل رجل يوم الجمعة والنبي عليه الصلاة والسلام على المنبر، ثم ذكر فقيه الحديث مثل الرواية التي مرت عن يحيى بن سعيد. فهذا الحديث فيه فوائد كثيرة ومسائل، ونذكر منها بعض هذه المسائل. ومن ذلك أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حرص على تطبيق السنة، ولعله كان يرى ذلك واجبًا لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر ذلك الرجل، وهو كما جاء في حديث جابر أنه السليك الغطفاني. وقد يكون مراده آخر، أن قد يكون هذا الرجل آخر ليس السليك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر السليك الغطفاني أن يقوم ويصلي ركعتين لما دخل يوم الجمعة. وقد يكون هذا آخر، فهذا الرجل جاء في هيئة بذة وأمره النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يجلس أن يصلي ركعتين. فهذا كما قلنا أولًا فيه أن أبا سعيد رضي الله عنه حرص أن يصلي ركعتين. وقد كان مروان بن الحكم لما كان في ولايته كان يرغم الناس على الجلوس، وأن يجلسهم حتى ينتبهوا لكلامه. ولهذا جعل الصحيح أن من جعل خطبة العيد بعد الصلاة هو مروان، أقصد قبل الصلاة. معنى جعل خطبة العيد قبل الصلاة هو مروان، وقيل معاوية. فإنما جعل ذلك كما جاء في الصحيح البخاري لما أخذ أبو سعيد بيد مروان، لأنهم خرجوا معًا، أخرج أبو سعيد معه، أي مروان بالحكم، فلما قرب مكان الصلاة صعد على المنبر، فمسكه أبو سعيد حتى لا يطلع المنبر، معنى أراد أن يصلي، لأن أولًا الصلاة ثم بعد ذلك الخطبة، فأراد أن يخطب قبل الصلاة، فأخذه أبو سعيد، لكن انتزع يده من أبي سعيد وطلع، وقال لأبي سعيد: لا يجلس الناس لنا، أنا هذه علة أن الناس لا يجلسون، فإذا خطبنا بعد العيد سيذهب الناس ويتركونا نخطب، لكن يريد الناس أنهم يسمعوا كلامه. ومن ذلك أنه لا يمنعون أحدًا يصلي والإمام يخطب يوم الجمعة. فلما جاء أبو سعيد وأراد أن يصلي، فأراد الحرس أن يمنعوه حتى يجلس يسمع، فلم يمكنهم من ذلك، أي أبى عليهم. ثم ذكر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل أن يصلي ركعتين، وهذا مما استدل به من أوجب هذه تحية المسجد، أن المصلي لا يجلس حتى يركع ركعتين، ولو كانت تجوز الجلوس في المسجد قبل الصلاة، لجاز أن يجلس لأجل أن يسمع الخطبة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم جاءت عنه أحاديث كثيرة أنه قال: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، فليصل ركعتين وليتجوز فيهما. فتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالركعتين والإمام يخطب أو الخطيب يخطب، وهذا يدل على أهمية هاتين الركعتين، وأن المسلم لا يفرط فيهما. لكن هل هي واجبة أو مستحبة؟ فهذا خلاف مشهور بين العلماء. وقلنا هذا الحديث يدل على أنها واجبة، وأنها لابد أن تفعل، لهذا أبو سعيد لم يكترث بما يفعله هؤلاء الحرس به، بل استمر في الصلاة، أراد أن يصلي ويكون من ركعتين التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضًا في هذا الحديث أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكذلك إذا كان هذا الأمر وهو مخالفة الإمام إذا كان في معصية، فإنه لا يطاع. لكن إذا كان سيؤدي إلى ضرر بالناس أو بهذا الشخص، فالأولى أن لا يفعل. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر: إذا كنت في أئمة يؤخرون الصلاة عن وقتها، فماذا تفعل؟ قال: اختل لي يا رسول الله، قل لي يا رسول الله. جاء في الرواية قال: الله ورسوله أعلم. قال: صل الصلاة لوقتها، ثم صل معهم، فهي لك نافلة. صل الصلاة لوقتها، لم يقل له: خالفهم ولا تصلي معهم، مع أنهم كانوا يصلون في آخر الوقت أو بعد الوقت. معنى كان بنو أمية يصلون بعد أن ينتهي الوقت، ولهذا لما دخل بعض من أهل المدينة أو من أهل البصرة، صلى العصر مع الإمام أو صلى الجمعة مع الإمام، ثم دخلوا على أنس وقد صلى العصر، أنس صلى العصر، وكان في قصره ما يخرج لأنه كان كبيرًا جدًا ما يخرج، فصل العصر، وهم جاءوا بعد، معنى صلى الظهر وهو قد صلى العصر، فكان يصلون في آخر الوقت، وكان هذا نظام بني أمية. وهذا مما سبحان الله مما يؤكد أنه قد يكون الأمر يختلف أو الأمر ينعكس عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن الوقت قريب، إلا أن التبديل وأيضًا مخالفة هدي رسول الله قد كان في ذلك الوقت في بني أمية الذين مسكوا بعد علي رضي الله عنه، ولم يكن ذلك في عهد معاوية، وإنما تأخر قليلًا. ولما جاء وقت عمر بن عبد العزيز، مشى على ما كان عليه القوم، فدخل عليه عروة بن الزبير، وقال: قد حدثني معقل بن يسار، وذكر له حديث الأوقات وبيّن له، فقال: يا عروة، اثبت ما تقول. فقال: قد سمعت معقلًا يقول ذلك، أو قال: عقبة بن عامر. فبعد ذلك غير عمر بن عبد العزيز، وصل أول الوقت، وإلا كان بنو أمية يصلون آخر الوقت، بل أحيانًا يكون بعد الوقت كما قلنا. فلهذا أبو سعيد أيضًا ما أراد أن تحدث فتنة، لكن يعرف أن مروان لا يستطيع أن يكلمه، وهو أيضًا يعتبر من أصحاب المعنى من يحترمهم ويجلّهم، فلهذا لم يرد أن يضيع هذا الواجب بسبب أمر الأمير. فلهذا كما قلنا إذا كان هذا الأمر الذي سيكون فيه معصية للأمير، لكنه طاعة لله، فالواجب هو الطاعة. لكن إن كان سيسبب فتنة مثل ما ذكرنا في حديث بذر وغيره، فإنه درء المفسدة مقدم على جلب المصالح. فلهذا فأبو سعيد رضي الله عنه عمل هذا لأنه يعرف أن مروان لا يعمل به شيء، ولا أيضًا ستكون هناك فتنة في ذلك. لكن خاف أصحاب أبي سعيد عليه، قالوا: إن كادوا ليقعوا بك. فقال: ما كنت لأتركهما بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضًا كما قلنا فيه أن الإنسان إذا دخل إلى الجمعة والإمام يخطب، يصلي ركعتين ويتجوز فيهما. وفيه أيضًا ما كان عليه الناس في ذلك الوقت من طيبة نفس وسخاوة نفس. فهذا الرجل بعدما تصدق عليه النبي صلى الله عليه وسلم، رآه في هيئة بذة، أن ثوبه خلق وظن أنه ليس عنده ثياب، فأمر بأن يتصدق، فتصدق الناس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ ثوبين ممن تصدق به وأعطاهما هذا الرجل، ثم أمر الناس بالصدقة، فقام هذا الرجل ووضع أحد ثوبيه في صدقة، مع أنه محتاج لهما، لكن لسخاوة نفس أولئك فوضعه. فقام النبي عليه الصلاة والسلام وأخبر الناس بهذا، لأن هذا عمل عظيم، لكن رده عليه الصلاة والسلام، وقال له: خذ ثوبك، أي أنك أنت أحوج به، وكيف تجعله في الصدقة؟ فهذه بعض الفوائد التي تأخذ من هذا الحديث. والله تعالى أعلم.