الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل شروط صحة الإسناد المعنعن وعدم كون الراوي مدلسا، مع توضيح أنواع التدليس وقبول رواية المدلسين بناء على شروط معينة. كما يشرح أهمية إمكان لقاء الراوي بالشخص الذي يروي عنه.
يركز هذا الفصل على شروط قبول رواية المدلسين، مع مناقشة آراء العلماء حول اشتراطات قبول روايتهم، مثل ثبوت اللقاء أو السماع أو المعاصرة أو طول الصحبة.
يناقش هذا الفصل التعليق في الإسناد وأنواعه، مع التركيز على تعليق البخاري ومدى اتصاله أو انقطاعه، ويشرح آراء العلماء حول أحكام التعليق.
يفسر هذا الفصل منهج البخاري في الجزم بصحة الأقوال، حيث يشير إلى أن جزمه بصحة قول ما يعني صحته عنده بالتتبع وليس مجرد قبول الإسناد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: فروع، أحدها لصحة الإسناد المعنعن، وهو فلان عن فلان. قيل: إنه مرسل، والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه: أنه متصل. لهذا، كما قال ابن الصلاح: أو دونه المشترطون للصحيح في تصانيفهم. أنا تجد الآن البخاري، مسلم، مليء بالعنعن، وهذا يدل على أنهم يحملونه على السماع، لكن بشرط سأذكره. المؤلف رحمه الله اشترط شرطين: أن لا يكون المعنعن مدلسا، وبشرط كان لقاء بعضهم بعضا. وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف. أنا يقول له: بشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا، هذا يدخل فيه قول مسلم. الشرط الأول: أن لا يكون الراوي مدلسا، وهذا المدلس إما أن يكون تدليسه ممن يرد التدليس، لأن المدلسين أنواع، منهم من يرد تدليسه، ومنهم من لا يرد. وأيضا منهم من يرد في موضع، ومنهم من لا يرد في موضع. فمن الأول مثلا مثل حجاج بن أرطأة، هذا من ممن يرد حديثه إذا عنعن. كذلك ابن إسحاق، صاحب السيرة، أنا هو من المشهورين ممن يكون تدليسهم يضر أبدا أو مطلقا. وتجد أن هناك من المدلسين من يقبله العلماء مطلقا، وهو يدلس، لكنه يقبل مطلقا، مثل سفيان بن عيينة، لأنه ما كان يدلس إلا عن ثقة. وسفيان الثوري، قالوا: لأن تدليسه قليل، فالعصر قبوله. وكذلك، كما قلنا، بعضهم يقبل في بعض المواضع، وبعض المواضع يرد. وهذا كثير من الأئمة الذين يدلسون، كمالك، مثلا، لعمش، قتادة، هؤلاء مثل هؤلاء، لإما الحفاظ الكبار، يقبل حديثهم فيمن أكثر عنهم. تدليسهم مقبول فيمن أكثر عنهم، مثلا لعمش، إذا روى عن أبي وائل، عن إبراهيم النخعي، مثل هؤلاء يقبل حديثهم. إلا إذا عرف أنه دلس، بخلاف روايته عن الآخرين، فغالبا يردها العلماء إذا كان فيها تدليس، لأن تدليس لعمش مما يضر. أنا من الطبقة الثالثة، أنا المدلسون خمس طبقات، ثلاث طبقات أو طبقتان يقبل حديثهم، أنا لا يرد حديثه، وثلاث طبقات يرد أيضا. قتادة ابن الدعامة، إذا روى عن المعروفين من أصحابه، كأنس بن مالك، مشايخه الذين يكثر عنهم، كأنس وغيرهم من أصحابه من أهل البصرة، فيقبل حديثه أيضا. حتى بعض الذين اشتهروا بالتدليس، كبقية بن الوليد، هذا بقية بن الوليد من أكثر الناس شهرة بالتدليس، لكن قال العلماء: إذا روى عن مشايخه الذين يروي عنهم كثيرا، كبحير بن سعد، وطوالت بن حبيب، فإن حديثه يقبل، أو تدليسه يقبل. فلهذا، فالعلة عند بعض المشايخ في رواية المعنعن، مثلا الذين هم ثقات وحفاظ عندهم، أن العلة قبول روايتهم، لا ردها. بعكس عند كثير متأخرين، يرون الرد، يرون أن روايته ترد. ولهذا، الشيخ ممن يقول بهذا، الشيخ مقبل رحمه الله. ومن يقول بالقول الثاني، الذي رجحه الشيخ الألباني، يعمل به: أنه إذا جاء الحديث معنعا عن مدلس مشهور، كالحسن أو قتادة أو كذا، يرده. لكن الشيخ مقبل رحمه الله ما يرده إلا إذا علم أن هذه الطريق نفسها قد ردها العلماء. أما إذا كان الطريق لم يردها العلماء، معنى قبلوا بعض الحديث، فإنه يمشي على هذا. ولهذا، أحيانا ترى معنى الغالب يقال: صححه الشيخ الألباني، وضعفه الشيخ مقبل. لكن أحيانا ترى العكس، يقال: صححه الشيخ مقبل، وضعفه الألباني. فإشكال في مثل هذه الأشياء، مثلا حديث البول في الجحر. فالعلامة الألباني رحمه الله يضعفه. حديث عبد الله بن سرجس، رواه قتادة عن عبد الله بن سرجس. الشيخ مقبل ذكره في الصحيح المسند أيضا. الشيخ مقبل ذكره رواية مكحول عن أنس في الصحيح المسند. والشيخ الألباني يردها، لأنه مكحول مدلس. وهكذا، فهذه الأشياء تحتاج إلى ضوابط في مثل هذا الأمر. الآن، الشرط الأول: أن لا يكون مدلسا، ولابد أن يكون هذا تدليسه كما قلنا يضر. والأمر الثاني هو إمكان لقاء بعضهم بعضا. إمكان لقاء بعضهم بعضا، فيدخل في هذا كلام لما مسلم قالوا في اشتراط ثبوت اللقاء. وهذا ينسب إلى علي بن المديني والبخاري. بل نسبه الحافظ ابن رجب والحافظ ابن حجر إلى جمهور أهل الحديث، أكثر أهل الحديث، لأنهم يردون الحديث بعدم السماع. هذا معنى ما جاء عن علي بن المديني، وجاء كذلك عن أحمد، ويحيى بن معين، وأيضا يحيى بن سعيد القطان، وأبو حاتم، وبالجملة، والبخاري، وهؤلاء أبو داود والنسائي، جاء عنهم هذا يردون بعدم السماع. وهذا يدل على أنهم يشترطون ثبوت اللقاء. بل يقول الحافظ ابن رجب: كلام لئلا يدل أيضا أنهم يشترطون أكثر من اللقاء أو السماع. لكن الظاهر أنهم يرون العلة اللقاء. لكن إذا تبين أن الشخص لم يثبت سماعه من الشيخ، فهذا قد تكون علة لهذا. أحمد بن حنبل يقولون: أن عطاء بن رباح لم يسمع من ابن عمر. قالوا: لم يسمع من ابن عمر، مع أن ما لا شك فيه أن عطاء قد رأى ابن عمر في المسجد الحرام، رأى ويصلي بعد الجمعة. أنا رأى ومعنى التقى به يقينا. لكن قالوا: لم يسمع منه شيء. ليش؟ ما الذي جعلهم يجزمون؟ لأن عطاء رجل من أهل الحديث، من أهل الفقه، فلو سمع شيئا من عبد الله بن عمر لأخبر به. لكن لم يأت حديث يصرح فيه بالسماع من عبد الله بن عمر. جاءت أحاديث عن ابن عمر، لكن لم يصرح فيها أنه سمعه من ابن عمر. قال: وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة، هذا طول الصحبة اشترطه أبو عمر الداني، صاحب القراءات. قال: ومعرفته بالرواية عنه خلاف. أن طول الصحبة ومعرفته بالرواية، هذه بعضها اشترطها بعض العلماء، ومنهم من لم يشترط شيئا من ذلك. هما مسلم والحجاج، والدعي الإجماع فيه. أنا لم يشترط اللقاء، ثبوت اللقاء، وإنما اشترط المعاصرة مع إمكان اللقاء. قال: ومنهم من شرط اللقاء وحده. وهذا ينسب، كما قلنا، إلى البخاري، وهو قول البخاري، والمديني، والمحققين. ومنهم من شرط طول الصحبة. وهذا معناه كأنه عاد الكلام. الكلام الذي اشترط طول الصحبة، يقولون: أبو المظفر السمعاني. والذي اشترط معرفته بالرواية، أبو عمر الداني. وقال: واشترط أبو الحسن القابسي أن يدركه إدراكا بينا. قالوا: منهم من شرط معرفته بالرواية عنه، وكثرة في هذه الأعصار استعمال عنه في الإجازة. فإذا قال أحدهم: قرأت على فلان عن فلان، فمراد أنه رواه عنه بالإجازة. والمتأخرون توسعوا في الإجازة. هذا الفرع الأول. قال: الثاني، إذا قال: حدثنا الزهري أن ابن المسيب حدثه بكذا، أو قال: ابن المسيب كذا، أو فعل كذا، أو كان ابن المسيب يفعل، وشبه ذلك. فقال أحمد بن حنبل وجماعة: لا تلتحق أنه، وشبهها بعن، بل يكون منقطعا حتى يتبين السماع. وقال الجمهور: أن أن كعن، ومطلقه محمول على السماع بالشرط المتقدم. طيب، هذه المسألة هنا فيه كأنه خطأ. فأحمد رحمه الله لا يرى الفرق بين أن وعن، كما حقق ذلك الحافظ ابن رجب: أنه لا يرى الفرق بين أن وعن. أن فلان، وأن فلان. لكن يراه فرقا في بعض المواضع. يراه فرقا في بعض المواضع التي يظهر فيها الإرسال. أنا الآن لو قال مثلا: فلان عن فلان، وفلان أن فلان، هذا سواء، معنى كلاهما سواء، سواء عن أو أن. أنا لفظ محتمل، ليس لفظ صريح في التحديث. لكن أحيانا يأتي على صيغة المرسل، مثلا يقول: مثلا عروة بن الزبير يقول: أن عائشة رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عروة ما حضر دخول عائشة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا يوهم أنه يحكي هذه القصة. فهذا أن جاءت على طريقة الإرسال، مثل مثلا ما جاء في صحيح البخاري عن عامر بن سعد قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسعد: يا سعد، إنما تنصرون وترزقون لضعفائكم. هذا صورة مرسل. عامر بن سعد لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد. قال عامر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسعد. فهذا يعتبر من المرسل. ولهذا جاء هذا الحديث في سنن الترمذي على الاقتصاد. فقال: عامر عن سعد رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم. بدعائهم وصلاتهم. فتبين أن الإمام أحمد لما قال: أنه مرسل، ليس كل أن، وإنما في مثل هذا الموضع الذي يكون على صورة الإرسال. قال: الثالث، التعليق الذي يذكره الحميدي وغيره في أحاديث من كتاب البخاري، وسبقهم باستعماله الدارقطني. سورته أن يحذف من أول إسناد واحد فأكثر. وكأنه ما أخذ من تعليق الجدار أو الطلاق لقطع الاقتصاد. واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، كقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال ابن عباس أو عطاء أو غيره كذا. وهذا التعليق له حكم الصحيح، كما تقدم في نوع الصحيح. وتقدم الكلام على التعليق. قالوا: أن التعليق الذي يجزم به البخاري، مثلا عن بعض مشايخه أو بمشايخ مشايخه، فهذا يعتبر من الإسناد الصحيح. والظاهر أنه ليس كذلك. إذا كان عن غير مشايخه، فلا يكون إسناده، معناه متصل، حتى يبين الاقتصاد. وأما ما رواه عن مشايخه، ففيه خلاف: هل هو من نوع التعليق أو من نوع الاتصال؟ والظاهر اتصال. لكن كما قال بعض العلماء، كما تقدم: أنه من باب أن البخاري أخذه مناولة أو أخذه مذاكرة، فلهذا لم يصرح بالتحديث. وأما ما كان عن شيوخ شيوخه، فهذا غالبا يكون من الإسناد المعلق. هذا مثل الإسناد المعلق. والبخاري ليس معناه يكون منقطعا، يحتاج إلى الواسطة التي بينه وبين شيوخه. لكن في التحقيق الذي ذكره ابن الصلاح: أنه إذا جزم البخاري بقول، فإنه يجزم بصحة هذا القول عن هذا القائل. ثم ينظر في الإسناد بعده. فإذا قال: قال الليث، قال النووي، هذا صحيح، معناه بالتتبع.