الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الشيخ عبد الرزاق البدر على مسؤولية الوالدين عن تربية أبنائهم وتأثيرهم الكبير عليهم في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم. الوالدين لهما دور كبير في تشكيل فطرة الطفل الأولى وتوجيهه نحو الخير أو الشر.
التربية تلعب دورًا كبيرًا في انحراف الأبناء عن الفطرة السليمة، ويمكن أن يؤدي سوء التربية والإهمال إلى تعلم الأخلاق السيئة والانحراف عن المبادئ الإسلامية. يجب على الوالدين الاهتمام بتربية أبنائهم وتوجيههم نحو الأخلاق الفاضلة.
يتضمن المقطع دعاء للذرية بالحفظ والتوفيق والصلاح والعافية، ثم الإشارة إلى بداية الحديث عن أول ركيزة من ركائز موضوع الكتاب وهي اختيار الزوجة الصالحة. هذا يشير إلى أهمية الدعاء للذرية وبداية التطرق إلى موضوعات هامة في تربية الأبناء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا في مقدمة رسالة «عشير كائز في تربية الأبناء» للشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله، في ذكر أهمية هذا الأمر، ألا وهو الاعتناء بتربية الأبناء. فقال حفظه الله: وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تأكيد هذا الأمر وبيان تحتمه على الآباء، في قوله: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». والحديث في الصحيحين. قال: فقوله صلى الله عليه وسلم «مسؤول» تذكير بسؤال الله جل وعلا للعبد عن هذه الأمانات إذا وقف بين يديه يوم القيامة، يعني سيسأل عن هذه المسؤوليات وهذه الأمانات. الراعي الإمام، أي الحاكم والوالي، سيسأل عما استرعاه الله جل وعلا ممن هو تحت يده من الرعية، هل قام لما يجب عليه تجاههم بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والعدل بينهم ورفع الظلم فيما بينهم إلى آخر ذلك؟ وكذلك الرجل راع في أهله، هو السيد والمسؤول في بيته الذي يرعى أهل البيت، يقوم بتربيتهم وأمرهم ونهيهم، وكذلك متابعتهم والنظر في أحوالهم، هل قام بهذه المسؤولية كما أمر الله ورسوله؟ هل حفظ هذه الأمانة أم ضيعها؟ هل قام بالحقوق التي لهم أم لم يفعل ذلك؟ وهكذا المرأة هي راعية في بيت زوجها في حال غيبته وفي حال شهوده، نعم راعية على ماله وراعية على أولاده، فهي مسؤولة عن رعيتها. قال: بل قال بعض أهل العلم إن الله سبحانه وتعالى يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقا فللابن على أبيه حق، نعم. هذا الكلام ذكره الإمام البيهقي رحمه الله واخرجه في السنن الكبرى. هذا الكلام ذكره المؤلف، هو للإمام ابن القيم رحمه الله، ذكره في كتابه «تحفة المودود بأحكام المولود»، بمعنى أن سؤال الوالد على ولده مقدم على سؤال الولد عن والده. فكما أن للوالد حق على ولده بالقيام بالإحسان إليه، وكذلك أيضا بالحسن والرفق في القيام بأمره وعدم العقوق له إلى آخر ذلك، فكذلك أيضا للابن على أبيه حق بالقيام بتربيته وتوجيهه، وكذلك أيضا الحرص على استقامته وعدم عوجاجه. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «أدب ابنك، فإنك مسؤول عن ولدك ماذا أدبته وماذا علمته، وإنه مسؤول عن برك وطواعيته لك»، نعم. هذا الأثر اخرجه الإمام البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى. فابن عمر رضي الله عنهما يقول: أدب ابنك، أدبه مره وانهه ووجهه، لأنك مسؤول عنه، فإنك مسؤول عن ولدك ماذا أدبته؟ ما الذي أمرته؟ وما الذي نهيته؟ وما الذي وجهته؟ وما الذي علمته؟ فلذلك ينبغي أن تحسن تأديبه. قال: وكما أوصى الله عز وجل الأبناء ببر آبائهم ووجوب الإحسان إليهم بقوله: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾، فقد أوصى الآباء بالأبناء أيضا بتربيتهم وتأديبهم، كما قال تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾، فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، نعم. قال: وقد أخبرنا نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم أن للوالدين تأثيرا بليغا على أبنائهم في عقائدهم وأديانهم، فضلا عن أخلاقهم وطباعهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟» والحديث في الصحيحين. فكل مولود يولد على الفطرة، أي فطرة الإسلام، فطرة الإسلام ومعرفة الله جل وعلا والانقياد له والقيام بعبوديته، لكن هذه الفطرة قد تتغير بسبب تأثير الآباء. فإذا كان هذا المولود عند أبوين يهوديين أثر فيه حتى صار يهوديا، وإذا كان تحت أبوين نصرانيين أثر فيه حتى صار نصرانيا، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو كان تحت أبوين مجوسين أثر فيه حتى يكون مجوسيا، فأخرجاه عن الفطرة التي فطره الله عز وجل عليها، فأثر في عقيدته. الأصل أن عقيدته سليم على الفطرة، لكن لما كان الأباء على انحراف وعلى زيغ وضلال أثر في هذا المولود حتى انحرف عن العقيدة الصحيحة وعن الفطرة التي فطره الله عز وجل عليها. فإذا كان هذا تأثير الأباء على الأبناء في عقائدهم، فكيف في أخلاقهم وسلوكهم؟ إذا كان الأبوان منحرفين في أخلاقهم وسلوكهم، فلا شك أن الأبناء سيكونوا كذلك، ستنحرف أخلاقهم وتنحرف سلوكهم بسبب تأثيرهم بآبائهم وأمهاتهم. كما أن البهيمة تلد البهيمة، يعني سليمة ليس فيها شيء من النقص في أعضائها، ثم يحصل لها بسبب سوء التربية أو بسبب الإهمال من جهة الأم ما كان يكون سببا في فقد هذه البهيمة لشيء من أعضائها. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟» يعني هل ترى في البهيمة من نقص أن تكون يعني عرجاء أو يعني في أذنها قطع أو شيء من ذلك؟ الأصل أنها تولد السليمة، لكن يحصل لها ذلك بسبب سوء التربية أو بسبب الإهمال من جهة الأم. قال: وهذا مثل بليغ محسوس، فإن البهيمة تنتج في العادة سليمة من العيوب، تنتج في العادة سليمة من العيوب والآفات، يعني تولد وهي سليمة من العيوب، قال: فليس فيها جذع أو قطع في يدها أو أذنها أو رجلها، وإنما يحصل ذلك من صاحبها أو رعيها، إما بإهماله أو بفعله مباشرة، يعني يحصل لها هذا النقص وهذا القطع في أعضاء عضو من أعضائها بسبب إهمال رعيها وعدم إحسان تربيتها والقيام بشؤونها. وهكذا حال المولود عند والديه، قال: فهكذا الابن فإنه يولد على الفطرة، فإذا تعلم الكذب والغش أو الفساد والانحراف أو غير ذلك من المنكرات، فإنه لأمر خارج عن الفطرة، إما أن يكون بسبب سوء التربية أو الإهمال فيها أو بمؤثر خارجي من أصحاب السوء أو غيرهم من الخلطاء. نعم، تجد الكثير من الآباء والأمهات يسيئون في تربية أبنائهم ويهملون التربية، تجد يعني الكثير منهم ربما يطلق أبناءه يخرجون في الشوارع يلعبون ويمرحون ويذهبون ويأتون ويدخلون ويخرجون، لا يدري أين يذهب ومع من يذهب وأين يقضي وقته وأين يعني تذهب ساعاته؟ هذا من الإهمال وسوء التربية. ثم ما تدري إلا والولد قد تربى على الأخلاق السيئة وعلى الأخلاق الرذيلة، وربما تعلم شرب الدخان وأكل القات والشمة وهكذا النظر إلى الأشياء المحرمة، أو ربما الوقوع في شيء من الفواحش، كل هذا بسبب سوء التربية والإهمال من قبل الوالدين، يجعلون الأبناء يرعون في الشوارع كما ترعى الغنم، بل ربما أشد إهمالا أشد إهمالا من إهمال هذه البهائم. ثم بعد ذلك يريدون من أبنائهم أن يكونوا من أهل الصلاح والاستقامة، نعم. فلا شك أن هذه المؤثرات كلها سبب في انحراف الأبناء عن الفطرة السليمة التي خلقهم الله جل وعلا عليها، بل ربما حصل ما هو أشد من ذلك، ما هو أشد من ذلك، يعني أن ينحرف الأبناء حتى يتشبه بالنساء، يتشبه بالنساء ويصبح كالمخنثين الذين لعنهم النبي عليه الصلاة والسلام، «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله المخنثين من الرجال». هذا تجد كثير من الشباب هداهم الله وإياهم على هذا الحال وعلى هذا الوصف، يعني يتكسرون ويتمايلون في حركاتهم وفي كلامهم كالنساء، عياذا بالله. هذا موجود موجود عندنا، وقد أخبرني الثقات من إخواننا أنهم رأوا ذلك بعينهم، ربما خرجوا في أوقات متأخرة من الليل إلى بعض المقاهي وهم على هذا الحال، وهذا الخزي والعار أين هؤلاء؟ أين تربوا؟ أين أباؤهم وأين أمهاتهم؟ من أين خرجوا من بيوتهم؟ ما يرونهم أهاليهم على هذا الحال وعلى هذا الخزي والعار؟ لا شك أن هذا هو من سوء التربية والإهمال الذي أودى بهم أن يصلوا إلى مثل هذا الحال، عياذا بالله. قالوا: الأهمية هذه الأمانة وعظمها، أذكر هنا عشر ركائز تعد من أهم الأسس التي ينبغي على كل من الوالدين أن يعنوا بها ليتحقق لهما هذا المطلب النبيل والمقصد الجليل، والتوفيق بيد الله وحده لا شريك له. وسيذكر حفظه الله هذه الركائز العشر والأسس التي ينبغي الاعتناء بها لمن أراد أن يحسن إلى أبنائه في تربيتهم وفي إنشائهم، وفي كذلك أيضا تحليهم بالأخلاق الفاضلة والأخلاق الإسلامية، فلابد من مراعاة هذه الركائز المأخوذة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ونسأله بمنه وكرمه أن يحفظ أبناءنا أجمعين بما يحفظ به عباده الصالحين، وأن يتولاهم بالتوفيق، وأن يرزقهم الصلاح والعافية والسلامة من الفتن، إنه سميع مجيب. وبهذا انتهت المقدمة، وسيبدأ المؤلف حفظه الله بذكر بعد ذلك أول هذه الركائز، وهي اختيار الزوجة الصالحة.