الدرس في كتاب الطلاق 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
النفقة تجب على الزوج لزوجته والمطلقة رجعيا وتقدر بالمعروف حسب العرف. تشمل الضروريات من طعام وملبس ولا تشمل الكماليات.
يشرح المقطع أحكام النفقة والسكن للمطلقات، حيث يختلف العلماء حول استحقاق المطلقة البائنة للنفقة والسكن، ويستند إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
تجب النفقة على الوالد لولده وعلى الولد لوالده، كما تجب على السيد لعبيده. يختلف العلماء حول نفقة المطلقة البائن، فليس لها سكنى لكن لها نفقة إذا كان معها ولد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب النفقة. قال: تجب على الزوج للزوجة والمطلق رجعيا لا بائنا ولا في عدة الوفاة، فلا نفقة ولا سكن إلا أن يكون حاملا. هذا باب عظيم في مسألة الزوجية وغيرها والأقارب وصلة الأرحام. أولا ذكر هنا نفقة الزوجة، واختلف العلماء فيمن يقدم في النفقة؛ لأن الإنسان إذا كان معه النفقة أولا ينفق على نفسه، ثم بعد ذلك إذا زادت معه النفقة على من ينفق: هل على زوجته أو أولاده أو على والديه؟ فهذا خلاف بين العلماء في مسألة التقديم: من يقدم بعد نفسه؟ هل يقدم زوجته أم يقدم أولاده أم يقدم أباه وأمه؟ فمن العلماء من قدم الأبناء، ومنهم من قدم الزوجة، ومنهم من قدم الأب والأم. لكن أكثر قول الجمهور -الذي مشى عليه أكثر المذاهب وهو قول أكثر العلماء- على أن الزوجة تقدم، ثم الأولاد، ثم الوالدين. فلهذا المؤلف هنا قدم الزوجة، فقال: تجب على الزوج للزوجة، وهذا ما لا خلاف فيه على وجوبها؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تطعمها إذا طعمت وتكسبها إذا اكتسيت». حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وأما من ناحية التقدير، فالتقدير في النفقة هو بالعرف؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند: «خذي أنت وولدك ما يكفيك بالمعروف». معنى هذا: ما يتعارف عليه الناس، لا تأخذي كثيرا ولا قليلا. فدل على أن النفقة تكون بالمعروف، أي: ما يكفي المرأة في شهرها، وهو المتوسط المعتاد عند الناس في الأشياء والحاجات التي تحتاجها المرأة. ومن العلماء من لم يقدر شيئا معينا، وإنما على حسب الحاجة. مثلا: احتاجت إلى ثياب يجب عليه أن يشتري لها ثيابا؛ المراد: الضرورية، ليس الكمالية. أما الكمالية فهو له: أن يشتري وله أن لا يشتري. إذا كان مثلا امرأة عندها ثياب، تحتاج إلى ثياب كمالية -مثلا عرس أو كذا- تحتاج إلى ثوب في العرس أو لكذا من هذه الأمور الزائدة غالبا، فهذا لا يجب عليه، وإنما يجب عليه ما كان ضروريا. مثلا: ما عندها ثياب للعيد، ما عندها ثياب للصلاة يجب عليه أن يشتري لها. كذلك أيضا في الإطعام: الإطعام الواجب هو الضروري، أما الزائد عن الحاجة وشراء مثلا الكماليات -فواكه وكذا- فهذا ليس واجبا عليه، وإنما هذا من باب الاستحباب أن يحسن إلى أهله. قال: وأما وجوبها المطلقة رجعيا؛ المطلقة رجعيا التي طلقت مرة أو مرتين، فهذه لازالت في عقده، فيجب عليه أن ينفق عليها؛ لأنها زوجته، ولأنها لم تذهب باختيارها، وإنما هو الذي طلقها. فالنفقة عليه حتى تنتهي عدتها. وما جاء في حديث فاطمة بنت قيس في بعض الروايات عند أحمد والنسائي: «إنما النفقة أو السكن للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة». وبعض العلماء يقول: إن هذا الحديث موقوف على فاطمة بنت قيس، أي: هذه الرواية، لكنها صحيحة، ولا خلاف بين العلماء فيها. وكما أن الله عز وجل أوجب السكن للمطلقات، فكذلك النفقة؛ كما قال الله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. نهى الله عز وجل عن إخراج المرأة المطلقة من بيته، وهذا يدل على أن لها سكنا، ومدام أن لها سكنا لا شك أن لها النفقة. قال: البائنة فلا نفقة لها ولا سكنة؛ البائن التي انتهت عدتها، هذه البينونة الصغرى، فإذا انتهت عدتها فلا نفقة لها ولا سكنة. وكذلك التي طلقها ثلاثا أو على قول الجمهور: أنه طلقها البتة، طلاقا لا رجعة فيه -مثلا طلاق الثلاثة- فهذه المرأة قول جمهور العلماء: أنها لا سكنة لها ولا نفقة. قد كان بعض الصحابة يرى أن لها نفقة وسكنة، وكان عمر رضي الله عنه يرى ذلك، واستدلوا بعموم الآية: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. لكن جاء في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت لها: «اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم كلثوم». فقال عمر: «لا نترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري هل حفظت أو لم تحفظ». معنى هذا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعملون بالعموم حتى يأتيهم التخصيص. العلماء تقبلوا رواية فاطمة بنت قيس، ولها ما يشهد لها. ولهذا قول أكثر العلماء -الذي استقر عليه قول العلماء- أن المرأة البائنة ليس لها نفقة ولا سكنة، إلا إن كانت حاملا. كذلك المتوفى عنها زوجها، البائن إذا كانت حاملا -مثلا طلقها ثلاثا وهي حامل في الثالثة وهي حامل- فهنا يجب عليه النفقة، لكن اختلفوا: هل النفقة على الجنين أم النفقة على المرأة؟ لا شك أن النفقة على المرأة. أقصد: إذا وضعت، فهل ينفق عليها مع ولدها أم ينفق على ولدها؟ فقال الجمهور: أنه ينفق على ولدها. وذهب شيخ الإسلام، وفي رواية عن أحمد: أنه ينفق عليها وعلى ولدها؛ لأنها مرضعة ولأنها مربية. فما دام أنه كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. فتبين من هذا أنه إذا كانت حاملا فإنه ينفق عليها وعلى جنينها، وإن كانت قد وضعت فإنه ينفق عليها وعلى ولدها؛ لأنها مرضعة ومربية له. قال: وكذلك عدة الوفاة، إذا كانت في عدة وفاة فهل لها سكنة؟ الذي مشى عليه جمهور العلماء: أنه لا سكنة لها، إلا إن كانت حاملا، ولا نفقة أيضا عليها؛ لماذا؟ لأن الرجل -معنى زوجها- قد مات، فكيف ينفق عليها؟ لأن هذا المال تحول إلى الورثة، والله عز وجل قد أعطاها قسمها من الميراث. ولهذا قال بعض العلماء مخالفة لهذا القول: أنه ينفق عليها من المال حتى تنتهي عدتها، لكن هذا يحتاج إلى دليل. قال: وتجب على الوالد الموسر لولده الفقير، والعكس أيضا: تجب على الولد الموسر لوالده الفقير؛ لما جاء في حديث عائشة لما جاءت هند وقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي، فقال: «خذي أنت وولدك بالمعروف». فالتبين من هذا أنه يجب على الوالد الموسر أن ينفق على ولده الفقير. وأما الفقير الذي لا يجد فهذا لا يجب عليه شيء حتى يأتي له يسار؛ إذا يسر الله عز وجل عليه بمال، فحينئذ ينفق على أهله وينفق على أولاده. وكذلك العكس: الولد أيضا يجب أن ينفق على والده عند اليسار إذا كان عنده يسر، وأما إذا لا يجد الولد نفقة فلا يجب عليه أن ينفق على والده أو والدته. قال: وعلى السيد لمن يملكه؛ أيضا السيد يجب عليه أن ينفق على عبيده؛ كما جاء في صحيح مسلم: «للعبد طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إخوانكم خولكم، فأطعموهم مما تطعمون وألبسوهم مما تلبسون». إذا كان عندك طعام فأطعمه، وإذا كان عندك لباس أيضا فأعطيه لباسا. لكن أبي ذر رضي الله عنه كان قد عمل بعموم الحديث، فكان يلبس مثل ما يلبس مملوكه، ويطعمه ويطعمه ما يطعم؛ الأكل الذي يأكله يجعل العبد يأكل مثله، وكذلك اللباس يلبس مثل لباس عبده. قال: ولا تجب على القريب لقريبه؛ لمباب صلة الرحم. وهذا أيضا مذهب جمهور العلماء على أنها لا تجب على القريب على الأخ والعم والخال والأخت. وذهب شيخ الإسلام، وفي رواية عن أحمد: أنه يجب على الموسر لمن أعسر من أقاربه؛ فإذا كان معسرا من أقاربه وهو موسر فإنه يجب عليه أن ينفق عليه. واستدل بالعموم الذي جاء في النفقة على الأقارب؛ مثل قول الله عز وجل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك». قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى». فدل على أن أولى الأقارب ينفق عليه إذا كان معسرا وقريبه موسر، فإنه يجب على الموسر أن ينفق على المعسر، وهو من باب صلة الرحم. قال: ومن وجبت نفقته ووجبت كسوته وسكناه؛ هذا قال جمهور العلماء: أن من وجبت النفقة عليه وجبت كسوته وسكناه. لكن بعض العلماء يفرق في بعض المسائل؛ مثل مسألة المطلقة البائن: ليس لها سكنة، لكن لها نفقة إذا كان معها ولد؛ عليها النفقة ولولدها، لكن السكنة ليس لها سكنة.