الدرس في آداب العطاس 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع آداب العطاس في الإسلام ومعتقدات الجاهلية حوله. يُبين كيف أبطل الإسلام العادات الجاهلية المتعلقة بالتشاؤم من العطاس.
يشرح المقطع محبة الله للعطاس لدلالته على القوة والصحة. يتناول أيضًا تفصيلًا حول ما إذا كان كل عطاس محمودًا أم لا.
يتناول المقطع شرح حديث "العطاس من الله" ويبين عدم صحة بعض الأحاديث المتعلقة بالعطاس. يختتم بمناقشة صحة حديث حول عطاس آدم عليه السلام.
المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في مثل هذه الأوقات، وما سيأتي معنا من مقامات بإذن الله، سيكون حديثنا عن أدب من آداب الإسلام، وأدبنا سيكون حول ذكر مسائل العطاس والتثاؤب، وهي من الحالات التي تعترينا بين الفينة والأخرى، فما من أحد إلا ويصاب بالعطاس، وما من أحد إلا ولربما تثاءب، فكان من سماحة الدين أن جعل ربنا جل وعلا لهذه الحالات العرضية آدابًا. وأول ما نبدأ به، إخواني في الله، في ذكر مسائل العطاس، وهذه المسائل الكثيرة في ذكر ما ينبغي وما يجب على كل مسلم ومسلمة من فعله، وكذلك ما الذي ينبغي أن يترك وأن يجتنب، بل والإشارة إلى بعض العادات التي لربما جرت عند بعض الأعراف، وهي لا تمت لديننا بصلة، أو الإشارة إلى بعض الأخطاء والسلوكيات التي لم يدل عليها دليل شرعي، كل ذلك بإذن الله سنتطرق إليه في بحثنا هذا الذي سنذكر فيه ما يتعلق بأهم مسائل وآداب العطاس. أولى هذه المسائل، إخواني في الله، بذكر مقدمات لمسألة العطاس، المسألة الأولى أن نتعرف إلى ما كان يعتقده العرب في أيام الجاهلية في قضية العطاس، فقد ذكر ابن القيم، رحمه الله تعالى، أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون ويتشاءمون من العطاس، وهذا الأمر، إخواني في الله، لا يستغرب، إذ كان سيصدر ممن هو مصدر الجهل، وهم أهل الجاهلية، فقد كان من أمرهم ومن عاداتهم أنهم يتطيرون ويتشاءمون بالعطاس. فكانوا إذا عطس عندهم من يحبونه، قالوا له: عمرًا وشبابًا، أي هذا العطاس في طول عمرك وفي صحة شبابك، إن كان العاطس ممن يحبونه، أما إن كان العاطس ممن يكرهونه ويبغضونه، قالوا له: ورّا وقحابة، والورى والقحاب عبارة عن أمراض، فأما الورى فهو داء يصيب الكبد، وأما القحاب فهو السعال. فلما جاء الإسلام بتعاليمه وآدابه، أبطل هذه العادة الجاهلية، لما فيها من التشاؤم من أقدار الله جل في علاه، وأيضًا مما احتوت عليه من التعدي والظلم، كيف أنهم يدعون على العاطس بالأمراض والعلل، هذا ظلم وتعدي من غير سبب ارتكبه. المسألة الثانية، مما ينبغي أن نفهمه في أمر العطاس، أن الله جل وعلا يحب العطاس، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب العطاس»، فالعطاس أمر محبوب محمود عند الله جل وعلا. وعلى ماذا تخرج هذه المحبة؟ فتخرج هذه المحبة أولًا بأن الله جل وعلا يحب صاحبها، وهو العاطس، ومن أين جاءت هذه المحبة؟ قال العلماء: هذه المحبة جاءت لما تفرعت منه هذه العطسة، إذ أن العطاس إنما يأتي دلالة على القوة والصحة والنشاط في الجسد. قالوا: هكذا يأتي العطاس يدل على الراحة، يدل على القوة، يدل على النشاط، فهذه الصفات التي أشار إليها العطاس، وهذا الأمر محبوب عند الله جل وعلا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، فالعطاس إشارة إلى قوة الجسد وإلى صحة الجسد، فكان هذا مظنة لمحبة الله للعاطس. وتأتي مسألة هنا، هل هذا العطاس بشكل عام محمود أم فيه تفصيل؟ جمع من أهل العلم أخذوا بظاهر النص، قالوا: العطاس محبوب عند الله جل وعلا، فنبقى على ظاهر النص، فأي عطسة يعطسها المرء فهي محبوبة عند الله. ومن أهل العلم من قال: لا، إنما العطاس المحبوب عند الله إن كان من غير سبب، أما إن كان من سبب كزكام ونحوه، فهذا لا يدخل في الحديث، ويكون هذا الحديث «إن الله يحب العطاس» أنه من العام المخصوص، أي بمعنى أن الله يحب العطاس إن كان من غير سبب، إن كان من غير مرض وعلة، هذا الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. ومثل هذا الحديث، ما جاء كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «العطاس من الله»، فهذه الإضافة أضيف العطاس إلى الله، لأن الله سبحانه وتعالى يحبه، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: «التأني من الله»، أي أن الله يحب التأني، وهكذا العطاس من الله، أي أن الله يحب العطاس. وأما حديث «العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة من الشيطان»، فهذا حديث لا يصح، وإن كان جماعة من أهل العلماء حسنوا الحديث، وأتوا بإيرادات وإخراج لهذا الحديث، بمعنى أنه لا يتعارض مع قوله عليه الصلاة والسلام بأن الله يحب العطاس، لكن نقول: الحديث لا يصح، فلا ننشغل بمحمله وبمجمعه. فهذا الحديث «العطاس من الله» فيه إشارة إلى أن العطاس مما يحبه الله سبحانه وتعالى، فذلك من فضائله. وهنا لفتة أحب أن أنبه عليها، هل هناك فضائل أخرى للعطاس؟ أشيع بين الناس أن للعطاس فضائل، إذ أنه يدل على الخير، وهؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك استدلوا ببعض الأحاديث المروية في بعض الكتب، كحديث «العطاس عند الدعاء شاهد صدق»، أي أنك تدعو وأثناء دعائك جاءتك العطسة، حينها استبشر، ما جاءت هذه العطسة عند الدعاء إلا لشيء أراده الله، وهو إشارة خير بأن هذا الدعاء مما قد يرجى منه الاستجابة، لكن هذا ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا ضعيف، وعده جماعة من العلماء أنه من الموضوعات، فلا يصح هذا الحديث. ومثله، إخواني في الله، بشيء يذكر أن بعض الناس لا زالوا إذا كان يتكلم أو يتحدث، فإذا أذن المؤذن يقول: على حق أو على صدق، لا، هذا ما يعني يستدل على ذلك على أن هذا الكلام الذي يتحدث به الآن أن هذا صدق بدليل الأذان، هذا كذلك بمثله، هذا من العادات التي جرت عند عرف الناس، ولا تمت بديننا بصلة، فلا ما هناك علاقة بين هذا وذاك. مسألة أخيرة نقتم بها هذا المجلس، وهي من المقدمات المهمة، هل صحيح أن آدم عليه السلام هو أول من عطس؟ هذا الحديث وهذا البحث يجري إلى صحة الحديث الذي رواه الإمام الترمذي، وذلك من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم». فهذه الأحاديث تدل على أن الله لما خلق آدم، وكان من خلق آدم أن نفخ فيه الروح، فلما تسللت الروح إلى بدن آدم، فلما بلغت إلى رأسه عطس، فقال: الحمد لله، وهذا إلهام من الله أن الله ألهم آدم أن يحمد ربه في هذا، فقال: الحمد لله، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم. هذا الحديث رواه الإمام الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهكذا صححه شيخ الألباني، رحمه الله تعالى، وبتصحيح الأئمة لهذا الحديث يدل على أن آدم هو أول من عطس عليه السلام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.