الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتحدث عن رحلة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى إلى الشام مع عمه أبي طالب في سن الثانية عشرة، وذكر لقائه بالراهب بحيرا. يُبين الدارس أن هذه الرحلة تدل على عناية أبي طالب بالنبي.
مرت قافلة قريش براهب في صومعة، فخرج إليهم الراهب وتفحصهم حتى وجدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه سيد العالمين ورسول رب العالمين. يروي الشيخ كيف أقنع بحيرا الرومان السبعة بعدم إيذاء النبي.
يختتم الشيخ درس قصة لقاء بحيرا الراهب بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعلن عن كلمة ستُلْقى يوم الغد بعد صلاة العصر، ويدعو الله بالقبول والتوفيق للجميع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس كنا إخواني في الله مع قول الناظم رحمه الله تعالى: ثم أبو طالب العم كفل خدمته ثم إلى الشام ارتحل. وأشرنا إلى ما يتعلق بأمر أبي طالب بشكل عام، حول المسائل السريعة المتعلقة به، وكيف انتقل الأمر إليه بالكفالة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي قوله: ثم إلى الشام ارتحل، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام تجارة. وهذه يسميها العلماء الرحلة الأولى، وهي كذلك مما تدل على مدى عناية ورعاية أبي طالب لنبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أنه ما تركه لوحده في مكة، وإنما اصطحبه معه. ولهذا يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: قال وخرج به عمه إلى الشام في تجارة، وذلك من تمام لطفه به؛ لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة، حتى لا يبقيه لوحده في مكة اصطحبه معه، وذلك عناية ورعاية له عليه الصلاة والسلام. ثم قال الناظم: وذلك بعد عام اثني عشر، وكان من أمر بحيرا مشتهر. فقوله: وذلك بعد عام اثني عشر، في بيان السن التي خرج فيها نبينا صلى الله عليه وسلم في تجارته أو في سفره الأول للشام، وهو في هذا العمر في الثانية عشر من عمره عليه الصلاة والسلام. وهذا التحديد وقع فيه خلاف بين العلماء، فأكثر العلماء على ما ذكر، على أن سفره عليه الصلاة والسلام كان في هذا العمر في اثني عشر سنة. وخالف بعض العلماء وقال: بل هو دون ذلك، كما نص على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية، حيث قال: والقول بأن عمره كان إذ ذاك اثنتي عشر سنة غير محفوظ، وإنما ذكره مقيدا بهذا الواقدي، أي إشارة إلى ضعفه، وأن هذا الذي جاء منه هذا التحديد الواقدي لا يثبت. قال: جاء مقيدا به الواقدي، وحكى السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين. والله أعلم. فالشاهد إخواني في الله، سواء قلنا بهذا العمر أو بذاك، فهم لا يخرجون عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سافر مبكرا، قد سافر في سن مبكرة، التاسعة، العاشرة، الثانية عشر، بحدود هذا السن. والذي يرجح أكثر العلماء على أن النبي كان في سن الثانية عشر كما قال المنظوم هنا: وذلك بعد عام اثني عشر. ونحن نسير على الذي اشتهر عند أهل العلم. ثم قال: وكان من أمر بحيرا ما اشتهر. بحيرا ويقال: بحيرا، وبحيرا، من هذا بحيرا الذي يذكره المؤلف في قوله: قال وكان من أمر بحيرا ما اشتهر. بحيرا هو رجل سأتعرف على ماهيته وحقيقته قريبا، وعلاقة بحيرا برسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تكمن في هذا الموضع في سفره الأول عليه الصلاة والسلام إلى الشام، إذ تم اللقاء والنبي في هذا السن المبكرة التقى بهذا الرجل. كما قلنا: بحيرا ويقال كذلك: بحيرا، وسيأتي معنا في تمام فوائد القصة ما يتعلق بحال هذا الرجل. وحتى لا نستفصل ونخوض في مسائل هذا الباب، أود أولا أن نذكر في هذا المقام ولو اكتفينا بذكر القصة التي جاء فيها ذكر الراهب، وهذه القصة جاءت في كتب بطون السنة، وممن خرجها من أهل السنة الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، إذ رواها وذكرها في جامعه. وهذا الحديث جاء من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا السن التي ينبغي أن تكون في أذهاننا في سن الصغر. قال: وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرف على الراهب -وأشرف على الراهب إشارة إلى أن هذا الرجل وهذا الذي نعنيه ببحيرة هو راهب، هو راهب بمعنى عابد متنسك من أهل الكتاب- عابد متنسك من أهل الكتاب كانت له الصومعة مكان يتعبد الله فيه. وكان هذا الرجل صومعته في الطريق بين أهل الحجاز إلى الشام، في طريق المسافرين، كان صومعته هناك تحديدا. قال علماء: في منطقة بصرى، في منطقة بصرى. فلما أشرفوا -أي دنوا وقربوا من هذه الصومعة التي فيها الراهب- قال: فلما أشرفوا على الراهب فحلوا رحالهم -أي فكوا الرحال- أي نزلوا كاستراحة في هذا المكان الذي مروا فيه بالقرب من الصومعة، حلوا رحالهم بمعنى فكوا أمتعتهم كي ينالوا استراحتهم في هذا المكان. قال: فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، إذن هذا الأمر من غرائب أفعاله، خرج راهب بنفسه يخرج إلينا، ما كان يخرج من قبل. وفي سياق الحديث يدل على أنه منذ أن وصلوا خرجوا؛ لأن الراهب يقول: فلما حلوا رحالهم، على زالوا يفكون الأمتعة فنزل، دل على أن شيئا ما أخرجه، وكان هذا الأمر استغراب وإعجاب منهم، وتعجب منهم. قالوا: وكانوا قبل ذلك يمرون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، فجعل يتخلل لهم الراهب يتخلل لهم، يمشي وسطهم في الوسط كناية عن بحث عن شيء، يبحث عن شيء. قال: فجعل يتخلل لهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين. صرح بهذه الكلمات أمام الأشياخ من قريش، يبشر بالنبوة والرسالة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأن له السيادة المطلقة: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين. وكذلك عليه الصلاة والسلام، فإن الله عز وجل بعثه رحمة، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. فقال أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي. هذا أمر قد تنبه إليه الراهب منذ ظهوركم من العقبة، لاحظ خرور ودنو الأحجار والأشجار لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: وإني أعرفه بخاتم النبوة، بخاتم النبوة. وقد مر معنا لتذكرون هذا الاسم خاتم النبوة، مر معنا في قصة شق الصدر الذي وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أن من أفعال الملائكة أو من أفعال الملكين اللذين واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ديار بني سعد، شق صدره وغسل قلبه وتخيط صدره، ما كان من وضع خاتم النبوة. فيقول هذا الراهب: إني رأيت خرور وسجود الأشجار والأحجار، فإني أعرفه بخاتم النبوة. قال: وإني أعرف بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به -أي أتى بالطعام- كل ذلك احتفاء واحتفالا بمقدمي وبعلمه بهذا النبي الذي مر عليه. قال: وكان هو -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- في رعية الإبل، أي لما قدم هذا الراهب بالطعام للقوم، كان إذ ذاك نبينا عليه الصلاة والسلام في رعية الإبل، أي في رعاية الإبل. فقال: أرسلوا إليه. قال: فأقبل عليه وعليه غمامة تظله -أي غمامة تظله بظلها عليه الصلاة والسلام- فلما دنى من القوم وجدهم -أي دنى نبينا من القوم عندما نودي عليه جاء- فإذا بالقوم قد سبقوه في المكث والجلوس تحت الظل، ظل الأشجار الذي موجود في هذا المكان. قال: فلما دنى من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس -أي بعيد عن الظل- فلما جلس مال فيء الشجرة عليه -أي الظل تحول، بدل أن يكون على القوم أصبح هذا الظل على رسول الله عليه الصلاة والسلام-. طبعا الراهب يتابع، يتابع هو الآن في مقام مقام ترصد لهذا الأمر الجلل العظيم الذي مر عليه في هذا اليوم، هو من أعظم أيامه. فكان يراغب كل حركة وسكن من رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينما هو قائم عليه -أي قائم على رسول الله وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم- فإن الروم إذا عرفوه بالصفة فيقتلونه، وهذا من عظيم الشفقة، عظيم الشفقة أنتم تذهبون إلى الشام وهي تابعة للحكم الروماني، وهم من النصارى، والنصارى يكثر فيهم القسيسون والرهبان. فإذا أنا كراهب بما عندي من العلم من علم الكتاب تعرفت على هذا النبي، كذلك من هم من بني جلدتنا سيتعرفون عليه ولا محالة، سيتعرفون عليه بصفته وأوصافه، إذا عرفوا ماذا سيفعلون به؟ سيقتلونه. ولهذا كان يخاف عليه من ماذا؟ من إذهابه إلى الروم. قال: وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا عرفوه بالصفة فيقتلونه. قال: فالتفت فإذا قد أقبل من الروم سبعة، وسبحان الله، بينما هو في هذا المقام والتقى بهذا النبي مع من هم من بني جلدته وعشيرته، ويناشدهم الله بضرورة إرجاعه إلى مكة وعدم الاستمرار في الرحلة إلى الشام، حينها جاء قوم من الرومان، جاء قوم من الروم. قال: فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، سبعة قيل من العسكر ومن الجند، جاءوا في نفس الطريق، هذا الطريق المؤدية بين مكة والشام. قال: فاستقبلهم -أي الراهب- فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإن قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قال: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراده الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. أقنعهم بهذه الحجة العقلية: أنتم تريدون أن تصدوا هذا النبي مثلا، وأن تقضوا عليه وهو لا يزال في صغره، ومع علمكم أن في الكتب المنزلة أن هذا النبي سيكبر وينشأ ويسلم على أيديه أناس وتكون تحت رايته المدن والأقاليم، هذا سيقع، وأنتم تعلمون هذا، صح؟ قالوا: نعم. صحيح، إذن لا تحاولوا عبثا أصلا، لا تحاولوا عبثا في منع شيء أراده الله أن يكون، أراد الله أن يكون. فكان هذه حجة عقلية قوية في الرد على هؤلاء الذين كانوا يتتبعون مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أفرأيتم أمرا أراده الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه. فبايعوه هنا اختلف العلماء في هذه الرواية، في قوله: فبايعوه، بايعوا من؟ بايعوا الراهب على أنهم لن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يسلموه إلى أهل إلى أهاليهم في الروم. قالوا: هذا قريب، يمكن هذا، تحمل الرواية: فبايعوا، أي بايعوا الراهب على هذا. قال: وإن كان البيع على غير ذلك، قال: فالله أعلم كيف، هل يتوقع أنهم بايعوا رسول الله؟ هذا لن يستصعب، لا يمكن أن تحمل الرواية على هذا المحمل. إذن المحمل الذي ينبغي أن تحمل عليه هذه اللفظة: فبايعوه وأقاموا عنده، أي أن هؤلاء الروم السبعة بايعوا الراهب على إثر كلامه وإقناعه أنه لن يسلم هذا الولد إلى الروم ولن يؤذوه بشيء، وأقاموا عنده. قال العلماء: تتمة للكلام، أي خافوا على أنفسهم، خافوا على أنفسهم إن ردوا بدونه؛ لأن إذا رجعوا سيسألون: ذهبتم هل وجدتم أحدا؟ فيخافون ماذا؟ أن تكون عليهم مشاحة، فلم يرجعوا وأبقوا عند ماذا؟ عند بحيرا أو عند هذا الراهب الذي يسمى ببحيرا. قال: قال: فبايعوه وأقاموا معه. ثم قال: أنشدكم الله أيكم وليه؟ لا زال الراهب يناشد القوم من أهل قريش: من وليه؟ من قريبه؟ من الذي يقوم على شؤونه؟ قال: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبا بكر وبلالا، ورده الراهب، وزوده الراهب بشيء من الكعك والزبيب، أي أن الراهب أعطى رسول الله في مرجعه إلى مكة بهذه المواد من الكعك والزبيب. طب هذا الحديث إخواني في الله رواه الترمذي والسياق له، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في الدلالة، وهكذا البيهقي في دلائل النبوة. هذا الحديث إخواني في الله نقف عنده ولا نخوض في مسائله، إذ أن مسائل هذا الحديث كثيرة وكثيرة جدا. ولهذا أنا أرجو ممن استمع لهذه القصة أن يحتفظ بهذه التفاصيل، إذ أننا سناء سنعود للقصة من بدايتها إلى نهايتها من باب النقد؛ لأن هذه القصة طبعا ما سلمت بالتصحيح وبالقبول، لا جاءها الانتقادات الكثيرة والعديدة، جاء الانتقادات الكثيرة والعديدة من محققين ومن علماء ومن أهل التاريخ ومن أهل السير، تارة في الرجال، تارة في المتن، تارة في بعض الحوادث، تارة في بعض الآيات، وهي كثيرة جدا. ومع ذلك أكثر العلماء على تصحيحها على أصلها وعلى ثبوتها. وإن شاء الله في دروس قادمة إخواني في الله، ولعلنا سنطيل النفس في عدة مجالس في تتبع هذه القصة، في معرفة ما صح منها وما ينتقد عليها، وما يستفاد منها بمن فوائد. هذا ما سيكون في الدروس القادمة. مع أن غدا سيكون هو الدرس المتمم للمنظومة، إلا لأننا لن نلقي غدا درسا، وذلك لزيارة أحد المشايخ الفضلاء، فسينزل علينا ضيفا كريما وشيخا عزيزا، وهو الشيخ عادل المشوري حفظه الله تعالى ورعاه وسدد ربي على الخير خطاه. سأتينا يوم غد بإذن الله بكلمة يلقيها علينا وعلى مسامعنا وعلى الحاضرين جميعا بعد صلاة العصر، كهذا الوقت من يوم غد. وهذا إعلان أن الحاضر منا يبلغ الغائب. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. شكرا. شكرا.