الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 23

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 23

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الانتقادات على قصة الراهب بحيرا وتأثيرها

تناول المقطع الأول الانتقادات على قصة الراهب بحيرا التي تتعلق بسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وقدم ردودا على هذه الانتقادات المتعلقة بظل الشجرة وأثر القصة على سيرة النبي وقومه. بينما ناقش المقطع الثاني الشبهة التي أثيرت حول عدم تأثير قصة الراهب في إيمان قريش.

انتقاد حديث قصة الراهب مع النبي

المقطع الثالث ناقش صحة حديث قصة الراهب مع النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وركز على انتقاد لفظة "فبعث معه أبا بكر وبلالا" بسبب عدم تناسب أعمارهم مع الأحداث المذكورة، وأوضح أن العلماء ذهبوا إلى أن أصل الحديث صحيح ولكن هذه اللفظة تستنكر وتعتبر وهمًا من أحد الرواة.

الختام والدعاء

المقطع الأخير تضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد، والتأكيد على علم الله تعالى، وأنهى بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا في هذه المنظومة، إخواني في الله، في ذكر أمر سيرته عليه الصلاة والسلام. وكان مما وقفنا عليه ما يتعلق بقصة الراهب، والذي قد اشتهر باسم بحيرا، أو بضم الباء بحيرا. وذكرنا ما يتعلق بأصل القصة، كيف أن هذا الراهب بشر بنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام عندما التقى به، وعندما كان القوم أرادوا الذهاب إلى الشام، فناشدهم الله بإرجاعه، إذ أن الروم لو علموا بوصفه لقتلوه. وكان من أمر هذه القصة أن تعرضنا لأوجه النقد لأوجه النقد التي انتقدت على القصة. فكان في الدرس السابق، إخواني في الله، كان العروج على أهم الانتقادات منها: أن مدارها على عبد الرحمن بن غزوان والصحيح أنه ثقة من الثقات. ثم كان الانتقاد على أن الراوي لهذه القصة هو أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وهو لم يحضر هذه القصة. وقلنا أن هذه من مراسيل الصحابة، وهي حجة عند الجماهير. الوجه الثالث ما ذكروه من أمر سجود الشجر والحجر لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وقال أجبنا عن هذا السجود بأنه سجود تحية، سجود تحية ليس سجود عبادة ولا تعظيم. وكذلك مواصلة في ذكر الانتقادات، نذكر في هذا المقام ثلاثة انتقادات كذلك مما يضاف مما ذكر في ضعف القصة. قالوا ما يتعلق بأمر الفيء أو ظل الشجرة. معنا أن النبي عندما أتى إلى قومه وأراد أن يجلس، رأى أنهم قد سبقوه إلى الظل، فلما نأى عنهم، إذ بالظل يأتي إليه يميل إليه عليه الصلاة والسلام. الإشكال قالوا: كيف رسول الله يحتاج إلى ظل الشجرة مع وجود الغمامة؟ الغمامة هي عليه قد مر هذا في نفس الحديث. فقالوا: إذا كانت الغمامة تصاحبه، إذن هو في ظل أصلا، ما هناك شمس تؤذيه، فلما جلس ما يحتاج إلى ظل؟ فلماذا يأتي الظل إليه؟ فقال هذا مما يستنكر في الحديث. الجواب قال العلماء: ما هناك إشكال. الأمر الأول لأن هذا إنما هو ظل فوق ظل، شرف فوق شرف، آية فوق آية، فوق غمامة آية من آيات الله لرسول الله. واستمالة الظل نحوه آية من آيات الله، فهي من تتابع الآيات لرسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا قول. وكذلك قال العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جلس وجاء الظل تحته، ذهبت الغمامة لحال سبيلها، فما هناك إشكال أصلا في هذه المسألة. إذن خرجنا من الأمر الرابع. الأمر الخامس من الانتقادات، إخواني في الله، ومن الانتقادات الوجيهة، قالوا: هذه القصة ليس لها أثر على سيرته عليه الصلاة والسلام، لا على نفسه ولا على قومه، ما لها أي أثر. مع أنها قصة تعتبر من الحجج القوية، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بالنبوة. فقالوا مثلا أن هذه القصة لم نجد لها أثر على حياته. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل في غار حراء، ما الذي فعل؟ النبي رجع إلى خديجة، كما سيأتي معنا، رجع خائفا قلقا مرعوبا. يسألون أصحاب الانتقادات يقول: لماذا يرجع خائف وهو قد علم منذ صغره على أنه سيكون نبي؟ لأن الراهب ماذا قال؟ أخذ بيده، قال: هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين. فالرسول عنده من الإخبار ما يدل على نبوته، فلماذا لما نزلت عليه النبوة في الغار خاف؟ كان ينبغي ما يخاف. قالوا: إذن ما في تلاءم مع القصة. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني ما يتعلق بأثر القصة على قومه. قالوا: هذه القصة وقعت لرسول الله ومن معه، معه عمه، ومعه أشياخ من قريش، وهم قد نظروا بأعينهم وسمعوا بآذانهم البشارات التي تدل على نبوة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلماذا لما جاءت النبوة لم يسلموا ولم يؤمنوا، وعندهم الحجة قد قامت عليهم؟ وما ذكروا، وما ذكروا، وما ذكرهم بتلكم الواقعة؟ هذه إخواني فلا إشكالات، نعم قوية، ومنها استدل بها جماعة من أهل العلم، كالإمام الذهبي مثلا. الإمام الذهبي رحمه الله استدل بهذه الأمور على الطعن في القصة وعلى أنها باطلة لا يصح. الجواب، الجواب، إخواني في الله، نقول: أما ما يتعلق بأن هذه القصة ليس لها أثر على رسول الله، بدليل أنه خاف عندما نزل عليه جبريل، نقول: وماذا في هذا؟ إذا كنتم ترون أن خوف الرسول من جبريل دليل على بطلان قصة هذا الراهب، إذن لغيركم أن يقول في خوف الرسول من جبريل فيه رد على قصة شق الصدر سواء بسواء. لأن النبي عندما شق صدره، وقال: مر هذا معنا، أهذه جبريل وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأعاده وخيطه وجعل عليه خاتم النبوة، بل ووزن عليه الصلاة والسلام بأمته، كل هذه إرهاصات تدل على نبوته، أليس كذلك؟ فعلى ما خاف من جبريل؟ إذن ما تقال هكذا المسائل. لو كان كذلك، كانت هذه الأمور كلها ترد بحجة أن النبي خاف من جبريل. لا، لا يقال هذا. والصحيح، يا إخواني في الله، أن النبي إنما خاف من جبريل، مع أنه كان يعلم أن هناك أمرا قد هيئ له، أنه لم يتوقع أن التهيئة تكون بهذه الصورة. ما كان يتوقع مثل واحد، يا إخواني في الله، يتوقع أمرا ما، لكن هذا الأمر يأتي على خلاف مراده، فينبهر ويتعجب ويخاف. فنبينا صلى الله عليه وسلم لم يتوقع أن تكون الرسالة والنبوة بهذه الصورة، يأتيه جبريل بصورته في غار لوحده، يضمه ويرسله، يضمه ويرسله، هذا ماذا سيولد؟ خوف، هذا خوف طبيعي سيكون ولابد. إذن فهذا ما له علاقة أصلا من القصة. لو أردنا التحقيق في هذا الباب، ليس له علاقة. وأما ما ذكروه من أن هذه القصة ليس لها آثار على عمه ولا على أشياخ قريش، نقول: وكيف هذا يعني؟ هل تتوقعون أن أهل مكة يؤمن ويذعن برسول الله لأجل بشارة الراهب؟ الجواب: لا. قريش ومنهم عمه وجميع الأشياخ، ما كانوا ما كانوا في شك ولا ريب في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان يشكون، بل يسمونه بالصادق الأمين. وكان الوحي يتنزل، يعلمون أنه نبي مرسل، لكنه العناد، لكنه الهوى، لكنها الشقاوة. عمه كما جاءت بعض الآثار يقول: لولا الملامة من قومك لأقررت بها عينك. لولا الملامة، يعرف أنه نبي. وكان من كفار قريش من كان يقول: إذا كانت السدانة ثم الحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فماذا بقي لنا الشرف؟ الشرف؟ فقصة الراهب جاءت أو راحت، ما ستقدم ولا تؤخر، لأنهم ما أرادوا من نبينا أن تأتي إليه النبوة، وخاصة قد حاربهم في عقائدهم، وخرج عن ما كانوا عليه من تعظيم الأسلاف والعادات والتقاليد والتعظيم الأصنام والأوثان. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألم يصح هذا؟ ثبت بنص القرآن. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ما الذي وقع في انشقاق القمر؟ ثبت في الصحيح، كما في صحيح مسلم، من أن القمر انشق، وليس وهما، بل انشقاق حقيقي، حتى قال ابن مسعود: وكل فلقة من القمر كانت على رأس جبل، ذهبت إلى هنا وذهبت الفلقة الثانية إلى هنا، انقسام واضح. فماذا قال نبينا؟ قال لقومه في مكة: «اشهدوا اشهدوا». كررها مرتين «اشهدوا اشهدوا». ماذا كان الأمر؟ ما تغير شيء. العناد. أين هذا من قصة راهب يقول لصبي: أنت نبي؟ ما ستؤثر ولا تقدم. فلا يقال، إخواني، فلا أن هذه القصة ليس لها أثر في الواقع العمل، إذن نطعن فيها. لا، لا يستهدى مدعاء إلى ردها، لأن العرب ومن كان من أهل قريش كانوا يعلمون، بل كذلك أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكنه الهوى والحقد والحسد، هذا الذي صدهم. فهذا، إخواني في الله، الرد على المسألة الثانية، وهي على أن هذه القصة ليس لها أثر. نقول: نعم، ليس لها أثر لأشياء. أما من ناحية رسول الله، فكون أن النبي ما توقع أن يأتيه الوحي أو تأتيه النبوة على هذه الصورة، كما يقول العلماء. وكذلك ما يتعلق بأثره على قومه، فإن قومه قد كفروا به وبكل ما أتى به، وبأعظم الآيات كنزول القرآن، ينزل عليهم صباح مساء، وهم كذلك، ما زادهم ما زادهم إلا نفور، إلا من رحم الله، ومن اصطفاه الله من أصحابه الكرام. الانتقاد الثالث والأخير في هذه القصة، قالوا: ما جاء في ذكر أبي بكر وبلال المتابع للقصة، هو من كان يستحضرها. ولا بأس أن أعيد هذه الفقرة: عندما قام الراهب وناشد أبا طالب إلا أن ترجع برسول الله إلى مكة، ولا تواصل به المسير إلى الشام، ماذا قال في آخر الحديث؟ قال: «فبعث معه أبا بكر وبلالا». قد يقول قائل: وما هو وجه الانتقاد؟ لا، وجه الانتقاد هنا قوي جدا، وهو يعتمد على التاريخ. إذ أننا لو قلنا على القول المشهور عند المؤرخين وأصحاب السير، من أن النبي عند هذه الواقعة كان عمره اثنتي عشرة سنة، مع عشرة سنين، إذن سيكون عمر الصديق تسع سنوات، لأن النبي أكبر من أبي بكر بعامين ونصف. فيكون الصديق في تلك القصة صبي. رسول الله اثنتي عشرة سنة وأبو بكر تسع سنوات، كيف هذا؟ هل يعقل أن أبا طالب يرسل رسوله مع صبي؟ خذوه إلى مكة، بعيد، بعيد جدا. هذا لو في أمر أبي بكر. ولو جئنا إلى أمر بلال، فالأمر أعظم، إذ أن بلال من أبي رباح، والنبي في هذا العمر لم يكن أصلا موجودا، ما ولد، ما ولد أصلا. إذا كان النبي في عمر اثنتي عشرة سنة، إذن هذا الانتقاد ممن تقد على القصة: كيف يذكر أبا بكر وبلال في هذه الحادثة؟ وهذه أسنانهم وأعمارهم؟ أما أبو بكر فهو صبي صغير، وأما بلال فلم يوجد أصلا ولم يولد. فكيف الرد، إخواني في الله؟ يقال في هذه المسألة: أنه ما هنالك رد. الصحيح ما هنالك رد. الانتقاد في محله. الانتقاد في محله. ومن انتقد هذه اللفظة، نعم يقال: هذا حق وصواب. وهذه اللفظة تستنكر في الحديث. ومن هنا ذهب جماعة من العلماء، ومن الحفاظ، ومن المحققين، على أن هذه اللفظة «فبعث معه أبا بكر وبلالا» مما ينبغي أن تستنكر في الحديث. وهذا الذي جنح إليه جماعة من أهل العلم، من أولئكم ما قاله الإمام الجزري رحمه الله، وهو يتحدث عن القصة بأكملها، قال: إسناده صحيح، وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ. وعده أئمتنا وهما، وهكذا قال حافظ بن حجر رحمه الله تعالى، كما في الإصابة، قال: رجاله ثقات، الحديث برجاله كلهم ثقات، ما هناك مطعن. قال: رجاله ثقات، وليس فيه سوى هذه اللفظة فيه، وليس فيه سوى هذه اللفظة، أي أبي بكر وبلال. قال: فيحتمل أنها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر، أو وهم من أحد رواتها، أو وهم من أحد رواتها، أخطأ فأضاف هذه الجملة، وهذا ليس محلها، لأن الوهم حاصل. الوهم في هذا الباب حاصل. ومثله ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد، قال: ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالا، قال: وهو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، لعله لم يكن موجودا. ومن هذه العبارات والتصريح والتوضيح من أئمة النقد، يدلك إخواني في الله على الخلاصة. وما هي الخلاصة؟ الخلاصة أن هذا الحديث في أصله صحيح، إلا هذه اللفظة، فإنها تستنكر. وبهذا كذلك حكم عليه ابن سيد الناس، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله، يرى أن هذه اللفظة مما تستنكر. فخلاصته فنقول: الحديث صحيح، ولفظة «بعث أبا بكر وبلالا» هذه تنتقد، ويقال: هذه وهم من بعض الرواة. وممن صحح الحديث، إخواني في الله، الإمام الحاكم، وهكذا الحافظ بن حجر، والسيوطي، وهكذا الألباني، وهكذا شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة». فقد صحح هذا الحديث، حديث قصة الراهب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد علق الإمام البيهقي رحمه الله تعالى على هذه القصة، قصة الراهب مع رسول الله والبشارة بنبوته على أسماعي وأنظاري عمه وأشياخ قريش، قال عنها البيهقي رحمه الله تعالى: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي. وهكذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه «منهاج السنة»، قال: وقصة بحيرا مذكورة، ذكرها أرباب السير وأصحاب المسانيد. ذكرها أهل السير وأصحاب المسانيد، يدلك على أن شهرتها يدل على أصولها، وعلى أنها ثابتة في أصلها. ولهذا، إخواني في الله، نحن سنمشي في هذا الباب على صحة هذه القصة، وأن هذا مما وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وسنفي صغره أنه بشر بالنبوة من قبل هذا الراهب. وإن شاء الله في درس قادم، وهذا سيكون في الأسبوع القادم، سنذكر الفوائد والمسائل المستفادة منها، قصة الرسول عليه الصلاة والسلام عند لقياه لهذا الراهب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.