الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
رحلات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشام كانت تجربة هامة في حياته، خاصة الرحلة الثانية في سن الخامسة والعشرين. هذه الرحلات ساهمت في صقل شخصيته وتجارته.
حرب الفجار كانت نزاعًا بين قبائل العرب، واختلف العلماء في مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم فيها وعمره أثناءها. المشاركة المزعومة للنبي كانت بجمع النبل لأعمامه.
هناك شك في صحة الحديث الذي يروي مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في حرب الفجار، وأسانيده ضعيفة. الصواب هو عدم ثبوت مشاركته في هذه الحرب.
المقطع الأخير يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى في هذه المنظومة المئية في ذكر بيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام: قال «وسار نحو الشام أشرف الورى في عام خمسة وعشرين ذكرة لأمنا خديجة متجرة وعاد فيه رابحا مستبشرا». الناظم رحمه الله تعالى عندما أورد لنا الأبيات الدالة على قصة بحيرا الراهب، وقد أطلنا النفس في ذكر أمره وشأنه وقصته، والذي يصف لنا من صحتها ومن أسانيدها وما كان من فوائدها، انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى شيء يذكر من سيرته عليه الصلاة والسلام. فقال «وسار نحو الشام أشرف الورى في عام خمسة وعشرين ذكورة لأمنا خديجة متجرة وعاد فيه رابحا مستبشرا». لكن مما يلاحظ إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى في البيت السابق أشار إلى الرحلة الأولى إلى الشام، والتي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقلنا أن عمره حينها كان اثني عشر عاما عليه الصلاة والسلام، وهنا قال «وسار نحو الشام» إشارة إلى الرحلة الثانية التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن في أي سن؟ قال «في عام خمسة وعشرين ذكورة»، فتلاحظ أن ما بين الرحلتين، وفي السن الثاني عشر إلى السن الخامس والعشرين، فترة مديدة. المؤلف رحمه الله تعالى ما عرج عليها بذكر شيء من أحواله وسيرته عليه الصلاة والسلام في هذه الحقبة الزمنية ما بين سني ثاني عشر إلى خامس والعشرين من عمره عليه الصلاة والسلام. ولعل المؤلف رحمه الله تعالى أراد الاختصار والاقتصار على أهم الأمور المتعلقة بسيرته وأحواله الشخصية عليه الصلاة والسلام. لكن من باب الفائدة وإتماما لذكر أهم ما ينبغي أن يذكر في سيرته، نود أن نشير إلى بعض الأشياء التي وقعت لرسول الله في هذه المرحلة الزمنية، والتي ما أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى لأنه انتقل من السن الثاني عشر إلى الخامس والعشرين. فهناك أشياء وقعت بين هذين العمرين من أعمال رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومما يذكر في هذه الفترة من الحوادث التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام ما يسمى بحرب الفجار. وهي مشهورة عند كثير من الناس بحرب الفجار، إلا أن أهل اللغة والسير يضبطونها بنحو ما تسمع، بكسر الفاء «الفجار» على وزن «قتال». قال العلماء: وفجار من المفاجرة، مثل قتال من المقاتلة. وهذا التشبيه بين كلمة «فجار» «مفاجرة» «قتال» «مقاتلة» يفيدنا إلى فائدتين، إحداهما لفظية والأخرى معنوية. أما من حيث الاشتقاق اللفظي، «الفجار» من «المفاجرة» مثل «قتال» من «المقاتلة»، يدل على أن هذا الأمر قد تم بين فريقين، بين الفريقين فريق أول وفريق ثاني. والمعنى الثاني، الفائدة الثانية المعنوية، أن «الفجار» مأخوذ من «الفجور» وهو بمعنى هنا تدنيس المقدسات. وهذه الحرب المشهورة بحرب الفجار، خلاصتها عبارة عن حرب وقعت في أيام العرب، وسميت بهذا الاسم لما كان فيها من الفجور. ووجه الفجور فيها أنها تمت من غير مراعاة لا لشهر الله الحرام ولا للبلد الحرام، لا مبالاة لشهر الله الحرام ولا للبلد الحرام، بل دنست فيه المقدسات، فرفعت فيه السيوف وسفكت فيه الدماء في الأشهر الحرم. هذه إخواني في الله خلاصة هذه المعركة، وهي عبارة كانت بين قريش مع بني كنانة، ويقابلها قيس بن عيلان. وكانت هذه المقتلة مقتلة عظيمة وقعت في أيام العرب. وإذا أردنا إخواني في الله أن نعرف خلفية هذه المعركة التي تمت بين العرب، يقول المؤرخون وأهل السير إلى أن أصل حرب الفجار هي كالتالي: عبارة عن رجل اسمه عروة الرحال، وهو من هوازن. عروة الرحال هذا أجاز تجارة أجارها في ضمانه في وجهه في حمايته، تجارة كانت للنعمان بن المنذر، قافلة فيها من الطيب وفيها من المسك وفيها أشياء كثيرة مما يحتاجه الناس. فقام هذا عروة وضمن التجارة وأنها في أمانه ولن يمسها أحد، لن يمسها أحد. فقام إليه رجل من كنانة واسمه البراض بن قيس، فقال لعروة: أتجيرها على كنانة؟ أي حتى هذه القافلة تمنعها عنا نحن بني كنانة. فقال عروة: نعم، وعلى كل الخلق، هذه اتجارة والقافلة في ضمانتي ولن يتجر عليها أحد بأخذ ما فيها، لا منك من بني كنانة ولا من غيرك. فقام هذا الرجل وهو البراض وأخذ في نفسه كيف لعروة أنه يمنع عنه هذه التجارة وأنه لا يتصر فيها وأنا رجل ذو نفوذ في قريش وفي مكة وفي الجزيرة. فأخذ في نفسه حتى أنه تتبع عروة هذا الذي قد أجار التجارة في ضمانته، فتتبعه حتى استغل غفلته فقتله. فقتله البراض عروة الرحال، البراض من كنانة وعروة الرحال من هوازن. بنو كنانة من كانوا من أهل كنانة علموا بهذه الفعلة أن صاحبهم قتل عروة، وتعرفون من كان يعرف عادة العرب يعرفون أن الرجل إن قتل أحدا من قبيلة ما فإن القبيلة ستستحل هذا الرجل وكل من كان من عشيرته. كما قال غريمهم: غريمهم أي واحد يمت لهذا القاتل بصلة، فدمه هدر. فلما علمت كنانة أن صاحبهم قتل فلان، ارتحلوا وتسارعوا وخرجوا من أماكنهم حتى لا يكون مصيدا ومقتولا إذا وقعوا تحت يد هوازن. طبعا في تلك الساعة، هوازن ما كانوا يعلمون بالذي صار لصاحبهم أنهم قتل وغدر به من قبل رجل من كنانة. ثم شعروا على أن هناك غدر وقتل قد وقع لصاحبهم، فقاموا وأدركوا كنانة، وكنانة كما قلنا قد بلغهم الخبر مسبقا فخرجوا وارتحلوا، وأرادوا أن يدخلوا إلى الحرم، لما كان من عادة العرب أن من تحصن في الحرم لا يمسوه. فحاولت كنانة أن تدخل قبل أن تلحق بهم هوازن، إلا أن هوازن لما جاء الخبر متأخرا استطاعوا أن يشدوا الخطى ويسرعوا الرحال حتى أدركوهم. فتقاتلوا قبل الحرم حتى دخل الليل، ثم استطاعت كنانة أن تدخل إلى الحرم في هذا اليوم. ثم في اليوم الثاني والرابع تواصل القتال واستمر القتال بين الطائفتين بين هوازن وبين كنانة، لما صار من المقتلة التي وقعت بين البراض عندما قتل عروة الرحال الذي هو من هوازن. طبعا معركة طويلة والتكلم فيها أهل السير والمغازي، وسفكت فيها الدماء الكثيرة. وكانت هذه المقتلة في الأشهر الحرم وكانت في مكة، فسميت بحرب الفجار لهذا الفجور الذي لم تراع فيه هذه القبائل هذه المراعاة. ففجار مفاجرة، أي أن الفجور تم بين طائفتين. هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه المعركة. ثم تم الصلح فيما بينهم على أنه ماذا يدفعوا الدية لقتل كل فريق من هذه القبائل. الذي يهمنا من هذا كله إخواني في الله مسألة: وهو هل شارك نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة أم لا؟ طبعا كنانة دخلت في حلف قريش، بل إن قريش قاتلت مع كنانة، قريش قاتلت مع كنانة لوجود الحلف الذي كان بينهما. يذكر أهل السير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم شارك في هذه المعركة وفي هذه المقتلة. ويستدلون بما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام بقوله: «كنت أنبل» وفي لفظ «أنبل على أعمام يوم الفجار» أو «في حرب الفجار». فقول عليه الصلاة وسم «كنت أنبل» أو «أنبل» قيل في تفسيره: أي أني كنت أرد النبل لهم، النبل المتصاقط، أخذه أو أجمعه، دلالة على صغر سنة كما سيأتي معنا الآن. مشاركة من نبينا لأعمامه يعينهم في جمع النبل أو تجهيز النبل فيعطيه لأعمامه الذي به يتراشقون به مع الطرف الآخر. فهذا الذي استدل به العلماء على أن النبي شارك في هذه الحرب. واختلف العلماء كم كان عمره عليه الصلاة والسلام؟ اختلف العلماء على قولين مشهورين. منهم من قال بأن نبينا صلى الله عليه وسلم كان عمره أربعة عشر عاما، وهذا الذي ذهب إليه ابن هشام رحمه الله تعالى وجماعة من المؤرخين. وأما ابن سحاق رحمه الله تعالى فقد قال: وهاجت حرب الفجار ورسول الله ابن عشرين سنة. وهذا القول قال به كذلك ابن سعد. فمن ذهب إلى القول الأول إلى أربعة عشر عاما، ومن ذهب إلى أن عمره كان عشرين عاما. بين هذين القولين ومن هم من حاول أن يجمع بينهما، فلينظر في ذلك إلى المطولات. فأولوا من هنا أدخل العلماء هذه الحرب في سيرته عليه الصلاة والسلام. قال ابن هشام رحمه الله: «وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم». لكن إخواني في الله، من خلال النظر والتدقيق والبحث في أصل مشاركة النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحرب خاصة، نجد عدة أمور ينبغي أن نتأمل وأن نلقي لها بالا. الأمر الأول: أن هذا الحديث الذي سمعتم من أن النبي كان ينبل النبل لأعمامه في هذه الحرب، هذا الحديث لم يأت ذكره لا في كتب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد ولا المصنفات ولا المعاجم، ما جاء في كتب السنة المعتمدة. وإنما جاء من بعض كتب المؤرخين، ذكرها مثلا الذهبي في تاريخ الإسلام، ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، ذكرها ابن إسحاق من غير إسناد. فهذا الأمر الأول، فليس لها إسناد من كتب معتمدة من كتب السنة. الأمر الثاني كذلك، مع وجودها في كتب التواريخ، إلا أن في أسانيدها ضعف. فهذه القصة أو هذا الحديث الذي يخبر فيه نبينا أنه كان ينبل السهم لأعمامه في هذه الحرب، جاء من طريق الواقدي، والواقدي قد تكلم فيه، بل قيل أنه كان متروك الحديث. وزد على ذلك ما جاء أيضا من علل هذا الحديث، أنما داروا على موسى بن محمد بن إبراهيم، قال عنه البخاري: عنده مناكير. وقال عنه الدارقطني: متروك. إذن هذا الأمر الثاني ينبغي أن يكون في البال وفي الحسبان. إذن أولا لم يأت في كتب السنة المعتمدة، زد على ذلك أن الطرق المؤدية إلى هذا الحديث معلولة منقطعة مطعون فيها. وزد على ذلك أن منهم أشار إلى الطعن حتى في المتن، الطعن حتى في المتن، إذ أن هذه الحرب اسمها كما سمعت هي حرب الفجار، قامت على فجور. هل يليق برسول الله أن يكون مشاركا فيها؟ والذي سيأتي معنا أن النبي أن الله جل وعلا قد عصم نبيه من أشياء كثيرة تعتبر من جهالات أهل الجاهلية. وسأتي معنا فصل خاص بإذن الله حول كيف أن الله حما نبيه قبل البعثة من أن يتلوث بشيء من جاهليات أهل الجاهلية. فقال: فكيف هذه الحرب والتي قامت على فجور وقامت على اعتداء وقامت على غدر وعلى خيانة وعلى اعتداء على حرمات الله وعلى شهر الحرام وعلى بلد الله الحرام؟ هل سيشارك فيها نبينا؟ ولهذا يقول إمام السهيلي رحمه الله تعالى، وهو يدافع عن مسألة المقاتلة، قال: «وإنما لم يقاتل رسول الله مع أعمامه لأنها كانت حرب فجار، وكانوا أيضا كلهم كفارا». أراد السهيلي رحمه الله أن يبين النبي مشاركة فعلية، لأن حرب قامت على فجور، وأن القوم كلهم كفار، فما كان ندا ولا درا لكافر على كافر، فحماه الله من المقاتلة. لكن يرى أنه قد قدم لهم النبل، نقول: ولو حتى النبل هنا ما ينفع. ولهذا إخواننا، فالصواب في هذا الباب ما ذهب إليه جماعة من العلماء إلى أن هذه القصة لم تثبت. فذكر أهل السير والتاريخ من أن الحرب قد وقعت بين بني فلان وبين فلان على ما سمعتم من سر القصة. لكن الذي يهمنا: هل شارك نبينا؟ الجواب: لم نظفر بدليل سوى هذا الحديث الوحيد الذي يقول فيه نبينا: «كنت أنبل أو أنبل لأعمامي في حرب الفجار». وهذا الحديث الوحيد لم يصح برواية عن رسول الله. ولهذا الصواب يقال: أن النبي ما شارك في هذه الحرب. مع أن هذا قد اشتهر في كتب السيرة وفي كتب شمائله عليه الصلاة والسلام، لكن الصحيح لم يثبت. لهذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على فقه السيرة لم يعلق على هذه القصة بشيء. ذهب بعض الباحثين كأكرم العمري في تعليقه على مباحث السيرة، قال: «ولم يثبت أن رسول الله شهدها»، فلعل هذا هو الأقرب للصواب لعدم وجود الأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على مشاركته. فهذا إخواني في الله ما يذكر من هذه الحوادث التي وقعت في هذه السن لنبينا عليه الصلاة والسلام، وعلمنا أن الصواب عدم وقوعها، أي في مشاركته عليه الصلاة والسلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.