الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح ابن القيم كيف أن الذنوب تسبب فوات الخير والأسماء المذمومة ونزع الإيمان من القلب. يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب الزناة.
المعاصي تسبب فوات الخير والفضل، مثل حرمان تمام الإيمان وذهاب الحسنات. العاصي يوصف بأنه مؤمن فاسق، وهذا يرد على المرجئة والخوارج.
يشرح الحديث النبوي كيف يفقد المسلمون حسناتهم بسبب ذنوب الخلوات، ويؤكد على أهمية مراقبة الله والابتعاد عن السيئات. يشدد على ضرورة التوبة الصادقة.
المحافظة على الحسنات واجتناب أسباب زوالها، والتوفيق لطاعة الله واجتناب أسباب غضبه، للحفاظ على الأعمال الصالحة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقي على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الخامس، أي من بواعث الخلاص من الذنوب، مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا. أي صاحب الذنب، كيف أنه يسمى بالأسماء المذمومة، فيقال له: فاسق، ويقال له: عاصي، ويقال فيه: سارق، ويقال فيه: زاني، ونحو ذلك من الأسماء والصفات الذميمة. وتزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا. ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذتها وتبقى سوء معيشتها؟ تذهب الشهوة وتبقى الشقوة، تذهب الشهوة تزول وتنتهي إذا نال ما أرادت نفسه، لكن تبقى الشقوة، يبقى ما يترتب على هذا الذنب من غضب الله، ومن عقوبة الله، وكذلك من تعريض هذا الإنسان لنفسه لسخط الله جل وعلا، فتذهب الشهوة وتبقى الشقوة. فالذنوب والمعاصي شقاء على صاحبها في الدنيا والآخرة. قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». قال بعض الصحابة: ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة، فإن تاب رجع إليه. وقال بعض التابعين: ينزع عنه الإيمان كما ينزع عنه القميص، فإن تاب لبسه. والمراد أن الإيمان الكامل ينفعه، لا يزني حين يزني وهو مؤمن، أي كامل الإيمان، وإلا لو كان كذلك لما حصل منه ارتكاب الزنا. وليس معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «وهو مؤمن» بمعنى أنه كافر، لا، ليس بكافر، هو مؤمن فاسق، أو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته. فالمنفي عنه هو كمال الإيمان، أي الإيمان المطلق، وأما مطلق الإيمان فهو غير منفي عنه، أي أصل الإيمان. ومع ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى عنه الإيمان، مما يدل على عظم هذا الذنب، وكيف أن صاحبه ينزع عنه هذا الاسم الممدوح، وهو اسم الإيمان، وصف الإيمان. قال: ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، وأيضا كذلك رواه مسلم، الزناة في التنور عراة، حديث سمرة بن جندب. لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ثم قال: «هل رأى أحد منكم من رؤيا فيقص ما رآه». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الرؤيا، أنه جئ به عليه الصلاة والسلام إلى أقوام، وإذا هم في مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، وإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا أتاهم لهب من أسفل منهم، ضوضوا، أي صاحوا. فسأل النبي عليه الصلاة والسلام: «من هؤلاء؟» فقيل له: هؤلاء الزناة والزواني. قال: «لأنهم تعروا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في النار». وهذا الحديث دليل لما ذكر رحمه الله من أن الشهوة تذهب، الإنسان ربما يقدم على فعل الذنب لشهوة، ربما شهوة مال يريد أن يتحصل على المال فيسرق أو يرتشي أو يزور، أو كذلك ينتهب أو يختلس، أو ربما يقع في الغصب وأخذ المال بالقهر والقوة، إلى غير ذلك من أنواع أخذ الأموال. أو تكون الشهوة متعلقة بالفرج، فتوقعه في الزنا، فإذا وقع في الزنا وأفرغ شهوته، ذهبت هذه الشهوة، لكن بقيت الشقوة، بقيت آثارها وما يترتب عليها. ومن ذلك ما في هذا الحديث، كيف يعذب هؤلاء الزناة والزواني الذين لم يحفظوا فروجهم ولم يحفظوا أعراضهم لأجل شهوة الفرج، فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة عليهم، يعذبون بمثل هذا العذاب. قال رحمه الله: وعادت الشهوة التي كانت في قلوبهم ظاهرا يحمى عليها في النار، أصبحت شقوة عليهم، شقاوة وعذاب ونكال وعقوبة. قال المعلق حفظه الله: الأمر الخامس من بواعث ترك المعاصي فوات الخير والفضل. قال: فلو علم المقدم على المعصية كم سيفوته من الخير والفضل لأحجم عنها. ومن ذلك حرمانه من تمام الإيمان وكماله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: فهذا العاصي بفعله لهذه الكبيرة قد حرم اسم الإيمان التام، يعني اسم الإيمان الكامل، فلا يوصف بالإيمان، لا يوصف بأنه مؤمن، أي كامل الإيمان، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نفى عنه ذلك في هذا الحديث، فدل على أن من جرم الذنوب والمعاصي، ومن آثارها السيئة أنها تسلب عن صاحبها اسم الإيمان المطلق. قال: فقد حرم اسم الإيمان التام، واستحق أن يوصف بأنه مؤمن فاسق، مؤمن فاسق، مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، فاجتمع فيه الوصفان، أصل الإيمان، لأنه بارتكاب لهذه الذنوب ليس بكافر، لكن نقص إيمانه وضعف، وهو فاسق لارتكابه لهذه المعصية والذنب، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته. وهذا فيه رد على طائفتين ضلتا في هذا الباب، وهما المرجئة والخوارج. فالمرجئة عندهم من كان عنده أصل الإيمان، مهما فعل من الذنوب والخطايا، فإيمانه كامل، لا يضر فعل الذنوب والمعاصي، إيمان العبد لا يضر، كما يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. فقولنا: بأنه مؤمن فاسق، قولنا: بأنه فاسق، فيه رد على المرجئة الذين أثبتوا لهذا المذنب العاصي كمال الإيمان. وقولنا: بأنه مؤمن، فيه رد على الخوارج الذين كفروا صاحب الكبيرة وصاحب الذنب، الزاني والسارق وهكذا، شارب الخمر، هو عند الخوارج يعتبر كافرا. والصحيح أنه مؤمن فاسق. قال: أو مؤمن فاجر، أو مؤمن عاصي، يعني يوصف بهذه الأوصاف ويسمى بهذه المسميات. قال: فوت على نفسه خيرات عظيمة في دنياه وأخرى. قال: ومن فوات الخير الذي قد يلحق العاصي أيضا ذهاب حسناته وأعماله الصالحة. فعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء»، يعني كثيرة عظيمة، «فيجعلها الله عز وجل هباء منثورة»، أي تذهب هذه الحسنات فلا يبقى لها أثر ولا ينتفع بها صاحبها. قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم؟ قال: «أما إنهم إخوانكم، أي هؤلاء الذين تذهب عليهم هذه الحسنات، هم ليسوا ببعيد عنكم، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم»، أي أنهم من أهل الإسلام، «ويأخذون من الليل كما تأخذون»، أي ربما يقومون الليل ويصلون. قال: «ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». والحديث رواه ابن ماجه رحمه الله. انظروا إلى هذه الآثار السيئة وإلى هذا الخير العظيم الذي يذهب على العاصي بسبب معصيته وبسبب ذنوبه، كيف تذهب عليه هذه الحسنات العظيمة، حسنات أمثال جبال تهامة، ربما صلاة وصيام وقراءة للقرآن وإنفاق للمال وغير ذلك من أعمال البر، تذهب هباء منثورة بسبب الذنوب والخطايا، وخاصة ما يتعلق بذنوب الخلوات، كما في هذا الحديث: «أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها»، أي وقعوا فيها ولا يبالون، ربما أمام الناس هو من أهل الخير والصلاح في الظاهر، وإذا خلى كان من المذنبين العاصين، فتذهب هذه الحسنات هباء منثورا على صاحبها. وهذا يجعل في قلب المؤمن التقي الخوف من الله سبحانه وتعالى، وأن يراقب الله عز وجل في ظاهره وباطنه وسره وعلانيته، وفي سائر أحواله وتقلباته، أن يكون مؤمنا لله عز وجل حقا، طائعا لله جل وعلا صدقا في سائر أحواله، حتى يكون مبتعدا عن أسباب ذهاب الحسنات، وكذلك أيضا محافظا على هذه الأعمال الصالحة التي فعلها وتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. قال قتادة رحمه الله: من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيء فليفعل، فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير. هذه وصية من الإمام قتادة، قتادة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله، أحد المحدثين، يقول: من استطاع منكم ألا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيء فليفعل. والمعنى: فليحرص على اجتناب الخطايا والسيئات، لأنها سبب لمحو الحسنات، سبب لمحو الحسنات. فإن الخير ينسخ الشر، أي الحسنات تذهب السيئات، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، ذلك ذكرى للذاكرين. كلما أكثر الإنسان من الحسنات، كلما كان ذلك سببا في محو السيئات. وهكذا العكس، إذا أكثر من السيئات، فإن هذه السيئات تمحو هذه الحسنات التي كانت عنده. قال: وإن الشر ينسخ الخير، يذهبه، ذنب بعد ذنب، ومعصية بعد معصية، تذهب أثر تلك الحسنات التي عملها الإنسان. فإذا أراد الإنسان أن يحافظ على حسناته وعلى أعماله الصالحة، فعليه باجتناب السيئات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يحافظ على ذلك ويحرص، ويجاهد نفسه على البعد عن الذنوب والخطايا والسيئات. فإن حصل منه شيء من ذلك، فالمبادرة والمسارعة بالتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. فإذا تاب توبة صادقة، فإن التوبة تجب ما قبلها، التوبة تمحو هذه الذنوب والخطايا التي وقع فيها. وبذلك يحافظ على هذه الحسنات التي عنده والتي قد عملها من قبل. وبذلك فهو يسير إلى الله جل وعلا محافظا على حسناته، وكذلك مجتنبا لأسباب ذهابها ومحوها. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجنبنا جل وعلا أسباب غضبه وعقابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.