بواعث الخلاص من الذنوب 7

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم قهر النفس وإرغام الشيطان

يشرح المفهوم كأحد بواعث ترك الذنوب ومقاومة الشهوات. يشير إلى أن الابتعاد عن المعاصي له حلاوة وفرحة عند من ذاق ذلك.

أسباب ضعف الشيطان ووسائل الاستعاذة

يشرح كيف أن طاعة الله ورسوله واجتناب المعاصي يضعف الشيطان. يبين أهمية الاستعاذة بالله من شر النفس والشيطان كما ورد في الحديث النبوي.

أهمية الاستعاذة بالله من الشيطان والنفس

يشرح أهمية الاستعاذة بالله من شر الشيطان والنفس الأمارة بالسوء. يبين أن هذا الدعاء يقال في أوقات مختلفة ويحذر من اتباع هوى النفس وخطوات الشيطان.

ثمرة الطاعة والمعصية والعزة بالطاعة

يشرح أن الطاعة تجلب العزة والرفعة للعبد، بينما المعصية تجلب الذل والهوان. من يطيع الله يفوز فوزا عظيما في الدنيا والآخرة.

  • 22 جمادى الآخرة 1443هـ - 25/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف حفظه الله في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: السادس، مشهد القهر والغفر، فإن قهر الشهوة والغفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك، أعظم من الظفر بعدوك من الآدميين، وأحلى موقعا، وأتم فرحة، وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله. قال حفظه الله: تعليق الأمر السادس من بواعث ترك الذنوب لذة قهر النفس وإرغام الشيطان. قال: فالنفس والشيطان هما مصدر الآثام ومنبع الشرور، النفس الأمارة بالسوء كما قال الله جل وعلا عنها: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾، وهكذا الشيطان، كذلك العدو الثاني للإنسان الذي يزين له فعل الذنوب والخطايا والوقوع في المعاصي والسيئات، كما قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾، فالشيطان يأمر الإنسان في الوقوع في الفحشاء، وكذلك في فعل المنكرات، فمصدر الآثام والشرور هما النفس والشيطان، وكذلك أيضا الهوى، هذه ثلاثة أعداء من أعداء الإنسان الذين يصدونه عن طريق الخير ويزينون له فعل الشر. قال: فالعبد إذا جانب المعصية فإنه قد قهر نفسه وأرغم الشيطان وذاق حلاوة العزة بطاعة الرحمن عز وجل. نعم، إذا جانب الإنسان المعصية قهر هذه النفس؛ لأن النفس تأمره وتزين له فعل الذنب والمعصية، فهو إذا لم يستجب لها قد غلبها وقهرها، وكذلك أيضا جعل هذه النفس منقادة لأوامر الله ورسوله، ولم يكن منقادا لها، وهذا سبب عظيم لفلاح هذا الإنسان ونجاحه في الدنيا والآخرة. قال: وشاهد ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر». والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقصاه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة. قال: وقوله «ينضي» أي يضعف ويهزل شيطانه، كالدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها، يعني من كثرة السفر والتنقلات أصابها التعب وأصابها الهزل والضعف. قال: وذلك بتركه الشهوات وإقباله على الطاعات ومخالفته لأوامر شيطانه، يعني أن المؤمن لما كان منقادا لأوامر الله وأمام رسوله، ملازما للطاعات، مجتنبا للمعاصي والمحرمات، فإن شيطانه يضعف، يضعف تسلطه عليه ويضعف تزينه للشهوات وملذات الدنيا المحرمة، وذلك لكثرة تعلقه بالطاعات. قال: ومما يدل أن النفس والشيطان هما مصدر الآثام والشرور أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منهما في كل صباح ومساء وعند أخذ المضجع، أي عند النوم، فقال لأبي بكر: «قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه». قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك. والحديث رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: النبي عليه الصلاة والسلام علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء: «اللهم فاطر السماوات والأرض» أي خالقهما وموجدهما من العدم، «عالم الغيب والشهادة» أي من يعلم ما غاب وخفي على الناس، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، سواء كان ما كان في ضمائر الناس وأفئدتهم أو ما أخفاه الإنسان مما فعله بجوارحه واستتر عن أعين الناس، والشهادة أي ما ظهر وأعلن، «رب كل شيء ومليكه» أي أن الله عز وجل هو المتفرد بالربوبية سبحانه وتعالى الخالق والمالك والمدبر والمتصرف في هذا الكون وما فيه، وهو كذلك المالك للسماوات والأرض وما فيهما، ومليكه على وزن فعيلة بمعنى فاعل، وهذا للمبالغة، مثل قدير بمعنى قادر، فالله عز وجل هو مالك لكل شيء سبحانه وتعالى، «أشهد أن لا إله إلا أنت» أي لا معبود يستحق أن يعبد إلا أنت، «أعوذ بك» أي ألتجئ وأعتصم بك «من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه»، هذا والشاهد استعاذه من شر الشيطان وكذلك من شر النفس وخصها بالذكر؛ لأنهما كما سمعنا هما منبع الشر، منبع الشر من النفس والشيطان. قال: ومن شر الشيطان وشركه، وشركه رواية بروايتين: بكسر الشين وإسكان الراء «وشركه» ورواية بفتح الشين والراء «وشركه». وشركه ومعنى وشركه أي ما يدعو إليه الشيطان من الإشراك بالله جل وعلا، وأما على الفتح وشركه بمعنى حبائل الشيطان ومصائده، فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر الشيطان وما يدعو إليه من الشرك في عبادة الله جل وعلا، وهكذا أيضا تستعيذ بالله جل وعلا من وسائل وطرق وحبائل الشيطان التي يوقع فيها الإنسان في معصية الله جل وعلا. قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك، فهذا الدعاء من أذكار الصباح وأذكار المساء، كذلك أذكار النوم، فتأتي به في الصباح وتأتي به في المساء وتأتي به كذلك عند النوم. قال ابن القيم رحمه الله: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مصدري الشر وهما النفس والشيطان، وذكر مورديه ونهايتيه وهما عوده على النفس أو على أخيه المسلم، فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز لفظ وأخصره وأجمعه وأبينه، ذكر هذا رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد». فهكذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام أو أمر بالاستعاذة في مثل هذا الدعاء من شر النفس والشيطان؛ ليعلم المؤمن خطر هذه النفس، وكذلك أيضا خطر هذا العدو الشيطان، إذا يعني تابع نفسه فيما تأمره وتهواه، أو كذلك إذا تتبع خطوات الشيطان في تزينه لمعصية الله وتزينه لما حرم الله سبحانه وتعالى، فإنه بذلك يهلك نفسه، يهلك نفسه. وبعض الناس يعني يقول: أنا ما أرضى أن أكون سجينا ومنقادا لأوامر الله ورسوله، ثم يرضى أن يكون طائعا ومنقادا وسجينا لهواه ونفسه والشيطان، هذا حال من رضي بالمعصية والذنب والسيئة وترك طاعة الرحمن سبحانه وتعالى. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في نونيته في أمثال هؤلاء: هربوا من الرق الذي خلقوا له ورضوا برق النفس والشيطان، لا ترضى -يقول رحمه الله- ما اختاروه لأنفسهم، فلقد تضوا بالذل والحرمان، أي لا تكن أمثال هؤلاء الذين رضوا لأنفسهم بالذل والحرمان، حرمان الطاعة والرضى بذل المعصية، بل كن عزيزا رفيعا متمسكا بطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، كن قاهرا لهذه النفس ولهذا الشيطان. قال: فالعبد إذا استحضر هذا المعنى وترك المعصية قهرا للنفس الأمارة بالسوء وإرغاما لعدوه الشيطان واعتزازا بطاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الطاعة والمعصية ذل، والعاقل لا يرضى لنفسه بالذل والهوان، وإنما يرضى لنفسه بالعزة والرفعة والشرف، وذلك إنما يكون بطاعة الله جل وعلا، قال: فاز فوزا عظيما في الدنيا والآخرة. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.