كلمة الشيخ سعد زومة

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ سعد زومة، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بمنطقة روكب يوم الجمعة 8 شوال 1444هـ الموافق 28 أبريل 2023م ألقاها منوع

مراحل العمر وفرصة التكليف

يستعرض الخطيب مراحل حياة الإنسان من الجنين إلى الشيخوخة مبيناً أن مرحلة البلوغ هي مرحلة التكليف والابتلاء الحقيقي. ويؤكد أن الله أقسم بالعمر لعظمته داعياً المسلم لاستغلال هذه الفرصة في طاعة الله قبل الموت والبعث.

اغتنام العمر والوقت في الطاعة

يؤكد المقطع على أن العمر ذخيرة عظيمة يحدد مصير الإنسان مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال العبد عن عمره فيما أبلاه. ويحث على استغلال الأوقات كما كان السلف الصالح يحرصون على أوقاتهم أكثر من حرصهم على المال.

التحذير من الغفلة وبدار الآخرة

يذكر الخطيب بزوال ملذات الدنيا مستشهداً بالشعر الجاهلي ويحث المسلمين على اغتنام الأنفاس في طاعة الله اقتداءً بأئمة الهدى. محذراً من الغفلة ومذكراً بقرب الموت وانتقال الجميع إلى الدار الآخرة.

النجاة باتباع سنة المصطفى ﷺ

يدعو المتحدث إلى اغتنام الأوقات في طاعة الله مؤكداً أن النجاة تتحقق فقط باتباع سنة المصطفى ﷺ وأن غيره من السبل يؤدي إلى الضلال. ويختتم بالدعاء بالعفو والعافية والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن وآله. نحمد الله عز وجل الذي جمعنا في هذا المسجد المبارك، وما ذلك إلا بفضله وتوفيقه وإملانه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ونسأل الله عز وجل أن يغفر لمن بنى هذا المسجد وأسسه، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يزيده من فضله. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الجمع جمعاً مرحوماً، وأن لا يجعل فينا شقياً ولا محرماً. إخوة الإيمان، سمعتم بما فيه الخير والكفاية، ونقول في هذه العجالة: نطرّق موضوعاً نحن جميعاً بحاجة إلى تأمله والاعتبار به والأخذ به، ألا وهو: فرصة العمر. الإنسان في هذه الدنيا ابتلاه الله عز وجل بأمور، ومر بمراحل عديدة: أولاً وهو جنين في بطن أمه، وقد لُفّ هذه الهيئة، فإذا به يخرج إلى هذه الدنيا ويبكي، ويرى أموراً أخرى اختلفت عليه. ثم بعد ذلك يمر بمراحل، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقوله: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ [الحج: 5]. يعيش في طفولته بمراحل عدة، ثم في شبابه، ثم أيضاً في كهولته وشيخوخته، إلى أن ينتقل من هذه الدار. وهو في هذه الدنيا يكون مكلفاً بعد أن يبلغ ويصير مسؤولاً عن أعماله، وهذه المرحلة هي مرحلة المحك والامتحان والابتلاء والاختبار. ثم بعد ذلك مرحلة البعث، أو قبلها مرحلة الموت والانقطاع من هذه الدنيا، فتنقطع حركته، ثم بعد ذلك إلى مرحلة البعث والنشور، ثم إلى مرحلة الخلود إلى الجنة أو إلى النار. ولهذا، أيها المسلم، لعظمة العمر أقسم الله عز وجل به، ولا يقسم إلا بعظيم، بعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: 72]. فلهذا، أيها المسلم، ينبغي للإنسان أن ينظر إلى عمره بأنه ذخيرة عظيمة، ومن هذا العمر يحدد المسير: قد يسعد، وقد يكون العكس. وما ساد أقوام وارتفعوا وارتفعت هممهم إلا بسبب هذا الاستغلال، حيث وحيثما استغلوا هذا العمر في طاعة الله عز وجل. ولهذا، النبي عليه الصلاة والسلام، كما تعلمون، لا تتجاوز قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أمور، وذكر منها: «وعن عمره فيما أبلاه». وبيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم نعمة العمر والصحة، فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». ولهذا أرشد ابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء». ثم يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك». هذا كله اغتنام هذه الأنفاس وهذه الأوقات. ولهذا، الناظر إلى هذا الزمن وبما فيه من التقلبات يرى العجب العجاب. الله سبحانه وتعالى وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]. ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾ [الإسراء: 12]. نعم، أيها المسلم، حينما تنظر إلى النهار وإلى ذلك الضياء، ويعيش الإنسان معه، وما هي إلا سويعات ولحظات ويأتي الليل، والليل إذا سجى غطى النهار، ثم يعيش تلك الساعات وهو في الظلمات، ثم يأتي الضياء وينكشف الفجر، ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ [التكوير: 18]، وكذلك الأصيل. ولهذا كان الضحاك رحمه الله تعالى إذا غربت شمسه يبكي بكاءً شديداً، فسئل في هذا، قال: «لا أدري أهذه اليوم حجة لي أم حجة علي». وأحدهم يقول، وهو الحسن: «أدركت أقواماً يحرصون على أوقاتهم أشد من حرصكم على الدرهم والدينار». فلهذا، أيها المسلم، هذه المرحلة ينبغي للإنسان أن يستغلها، وأن ينظر إلى أقوام قد مضوا وذهبوا، ثم انقضت تلك السنين وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام، كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس، ولم يسمر بمكة سامر. وهذا الشاعر الجاهلي وهو يقول، يتخيل تلك الراحات والملذات وتلك الأوقات، وإذا بها قد فنيت وذهبت وانسرمت، فيقول: كأني لم أركب جواداً للذة *** ولم أطأ كاعباً ذات خلخال ولم أسبّ الزقّ الروي *** ولم أقل لخيلي كَرّوا كرّةً بعد إجفالي يعيش ويقول: كأنني لم أرتاح مع تلك الخيل وبما فيها من الجري، وكذلك حينما تكر على الأعداء، وأيضاً مع النساء ومع الخمور، كل ذلك ذهب. ولهذا: لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغر بطيب العيش إنسان. هي الأمور كما شاهدتها دول، من سره الزمن ساءته أزمان. دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثوان فارفَع لنفسك قبل موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثان واصبر على نعم الحياة وبؤسها *** نعم الحياة وبؤسها سيّان نعم، أيها المسلمون، عاش أقوام وهم في الناس أموات، وعاش آخرون، أو مات آخرون وهم في الناس أحياء: أئمة هدى، أئمة الهدى ومصابيح الدجى، أخذوا العلم وتلقوه، وبنوا وفعلوا وشيدوا، وعمروا أوقاتهم بذكر الله عز وجل، وإذا بهم لا زالت هذه الحسنات الجارية تجري على مر الحياة: الإمام الشافعي، الأوزاعي، الثوري، سفيان الثوري، كذلك أيضاً إمام أحمد، أبو حنيفة، أئمة هدى. مضى أوقاتهم ولكن لا زالت هذه الحسنات جارية. وكم من أقوام عاشوا معهم فماتوا بموتتهم. فما أحوجنا، أيها المسلمون، أن نغتنم، أن نغتنم هذه الأنفاس وهذه الأوقات في طاعة الله عز وجل، وأن نجعل ذكر الموت نصب أعيننا، وأن نعلم بأننا عن هذه الدنيا عما قريب وسننتقل. اليوم نشيد الجنائز، وغداً سيشيدوننا. اليوم نطلع في تلك الصفحات عبر تلك الوسائل بأن فلان بن فلان انتقل من هذه الدار، غداً ستكتب أسماؤنا. فلذا نغتنم هذا في طاعة الله عز وجل، ونغتنم هذه الأوقات كما أراد الله عز وجل. من كان يريد النجاة فما له غير اتباع المصطفى فيما أتى، ذاك السبيل المستقيم، وغيره سبل الغواية والضلال والردى. ونسأل الله العفو والعافية، والحمد لله رب العالمين. شكراً.