الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 178، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع تقسيم الحافظ ابن حجر لشعب الإيمان المستمدة من ابن حبان إلى ثلاث فئات رئيسية: أعمال القلب (24 خصلة)، أعمال اللسان (7 خصال)، وأعمال البدن (38 خصلة). يستند هذا التقسيم إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة"، حيث أعلى شعبها قول "لا إله إلا الله" وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
يوضح المقطع تقسيم أعمال البدن إلى ثلاث شعب: ما يتعلق بالأعيان (النفس) ويبلغ 46 خصلة كالتطهر والصلاة والزكاة، وما يتعلق بالاتباع (الزوجة والأولاد والوالدين والعبيد) ويبلغ 6 خصال، وما يتعلق بعامة الناس ويبلغ 17 خصلة كالإمارة والجهاد والأمانة، ليصل المجموع إلى 69 خصلة.
يميز المقطع بين التبذير وهو الإنفاق في المحرمات، والإسراف وهو الزيادة في المباحات، مستدلاً بآيات قرآنية. ثم يناقش اختلاف العلماء في عدد شعب الإيمان (69 أو 77 خصلة) مؤكداً أن المسألة اجتهادية غير موقوفة، وأن الالتزام بالكتاب والسنة يحقق استكمال شعب الإيمان.
يعلن المتحدث انتهاء الباب أو الموضوع الحالي ويكتفي بما تم شرحه، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام السنة المنشورة": السؤال الثامن والخمسون بعد المئة: اذكر خلاصة ما عدوه. تقدم معنا أن أهل العلم اجتهدوا في عَدِّ وحَصْرِ وتَعْيِينِ شعب الإيمان، ومن من عدّ ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في كتابه "الفتح"، وأخذه من ابن حبان. فأراد المؤلف في هذا السؤال أن يبين هذه الشعب التي عدّوها، وخلاصة هذه الشعب التي ذكروها. قال: الجواب: قد لخص الحافظ في "الفتح" ما أورده ابن حبان بقوله: إن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، كما تقدم معنا؛ لأن الإيمان عند أهل السنة: اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. فلا شك أن هذه الشعب منها ما يتعلق بالقلب، ومنها ما يتعلق باللسان، ومنها ما يتعلق بالبدن أي الجوارح. وقد ورد كل ذلك في حديث أبي هريرة المتقدم: "الإيمان بضع وستون شعبة، وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله". هذا قول مع اعتقاد؛ لأن "لا إله إلا الله" ليست قولًا باللسان فقط، بل قول باللسان واعتقاد بالجنان. وهكذا أدناها: إماطة الأذى عن الطريق، فهذا عمل بالجوارح بالبدن. فقال عليه الصلاة والسلام: "أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". وهذا أيضًا فيه عمل القلب؛ لأن الحياء من أعمال القلوب. قال: فأعمال القلب: المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة. ثم عدّها، قال: أعمال القلب: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته، وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، واعتقاد حدوث ما دونه، يعني خلق ما دون الله عز وجل؛ فالله هو الخالق وما دونه مخلوق. والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره، وكل من أمور الإيمان والمعتقدات بالقلب. والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه: المسألة في القبر، والبعث والنشور، والحساب، والميزان، والجنة والنار. كل هذا كما تقدم معنا من الإيمان باليوم الآخر. ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته. والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق. والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك التكبر، والعجب، والحسد، والحقد، والغضب. هذه كلها من أعمال القلب. فلو عددتها وأحصيتها لكان المجموع أربعًا وعشرين خصلة. قال: وأعمال اللسان، وتشتمل على سبع خصال، أو سبعة، كم يصير المجموع؟ واحد وثلاثون. قال: وأعمال اللسان تشمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، أي "لا إله إلا الله"، وتلاوة القرآن. هذا كله من أعمال اللسان. وتعلم العلم، وإلقاء العلم وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو؛ لأن اللغو يكون باللسان. فهذه كلها الخصال تكون باللسان. قال: وأعمال البدن، وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة. منها ما يتعلق بالأعيان، ويريد بالأعيان جمع "عين"، وهي النفس، يعني الأعمال التي تتعلق بنفس الإنسان، التي تكون بينه وبين نفسه. وسيأتي معنا أن هناك ما يتعلق بالاتباع، ويعني بالاتباع أي الذين يرجعون إليك إما بعلاقة زوجية، أو علاقة أبوة، أو رق، أو سيادة، وسيأتي هذا. وقد يكون هناك ما يتعلق بالعامة، أي بعامة الناس. فقوله هنا: "ما يتعلق بالأعيان"، أي بالنفس، الأعمال التي تكون بين الإنسان وبين نفسه، ليس لها تعلق بغيره. قال: وهي خمس عشرة خصلة. إذن كم صار المجموع؟ إحدى وثلاثون وخمسة عشر، صار المجموع ستة وأربعين. صح، ستة وأربعون. قال: التطهر حسًا وحكمًا. المراد بالتطهر حسًا: الطهارة الحسية التي تكون بالغسل أو بالوضوء، فهذا تسمى طهارة حسية. والطهارة حكمًا: أي الطهارة المعنوية من التطهر من الشرك، ومن البدع، ومن المعاصي. قال: ويدخل فيه، أي في التطهر حسًا، اجتناب النجاسات، وستر العورة. هذا كله بين الإنسان وبين نفسه. اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك؛ لأن هذه كلها مما تؤدي إلى زكاة النفس، أي تطهر النفس. فقال في الصلاة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]. وقال في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. قال: والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والحج والعمرة، والطواف كذلك، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحري في الأيمان، وأداء الكفارات. فهذه هي ما يتعلق بتلك الشعب التي هي بين الإنسان وبين نفسه. قال: ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال. وكل هذه من أعمال البدن: ما يتعلق بالأعيان، ما يتعلق بالاتباع، ما يتعلق بالعامة، كل هذه تندرج تحت أعمال البدن. فإذا معنا من قبل ستة وأربعين، صح. والآن معنا ست خصال، كم صار المجموع؟ اثنين وخمسين. قال: ومنها ما يتعلق بالاتباع. وعرفنا ما معنى الاتباع: الاتباع أي الذي يرجع، أو الذين يرجعون إليك، إما بعلاقة زوجية ك الزوجة، وكذلك أهلها من أصهارك ونحو ذلك، أو علاقة أبوة كالأبوين والإخوة والأخوات ونحو ذلك، أو بعلاقة رق أو سيادة ك العبد والسيد بالنسبة للعبد، وهكذا. قال: وهي ست خصال: التعفف بالنكاح. فالنكاح قد يكون واجبًا إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، وإن لم يتزوج وقع في الحرام، وقد يكون مستحبًا. فقد ذكر أهل العلم أن النكاح تجري عليه الأحكام الشرعية الخمسة، أو الأحكام التكليفية الخمسة. قال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، ويدخل فيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة. السادة يعني السيد الذي يملكه العبد، إن كان ذلك المأمور عبدًا، والرفق بالعبيد. وهذا يتعلق بالسيد تجاه أرقائه. قال: ومنها ما يتعلق بالعامة، والعامة أي بعامة الناس، بعامة الناس، ليسوا من الاتباع، وليس من الأعيان، وإنما هو يتعلق بعامة الناس. قال: وهي سبع عشرة خصلة. إذن كم صار المجموع؟ قلنا آخر شيء اثنين وخمسين، صح. اثنان وخمسون وسبعة عشر، صار تسعة وستين. قال: القيام بالإمارة مع العدل، لأن هذا يتعلق بعامة الناس. الإمارة يعني الولاية. ومتابعة الجماعة، عدم الخروج عليهم، وطاعة أولي الأمر، أي في طاعة الله، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس. الخمس يعني في الغنائم، فإن من هذه الغنائم يخرج الخمس لله وللرسول ولذي القربى. والقرض مع وفائه، يعني أدائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حلة، وإنفاقه في حقه. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر منه: «عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». ويدخل فيه ترك التبذير والإسراف. ما الفرق بين التبذير والإسراف؟ ما الفرق بين التبذير والإسراف عندكم؟ نسمع كثيرًا عن التبذير والإسراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]، ﴿وَلَا تَبَذِّرُوا تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26]. فهل هما بمعنى واحد، أو بينهما فرق؟ عندكم... آه، من يقول؟ أنا ما الفرق بين التبذير والإسراف؟ التبذير يكون في الأمر المحرم، يكون في الأمر المحرم، بمعنى تنفق المال مثلًا في المآكل، أو في الخمر، أو في شراء الآلات والنظر إلى الحرام، هذا يسمى تبذيرًا؛ لأن الإنفاق فيه على وجه محرم. وأما الإسراف فيكون في أمر حلال، لكنه بزيادة على المطلوب، بزيادة. فمثلا تأكل، لكن تأكل أكلًا كثيرًا، هذا يسمى إسرافًا. تشتري طعامًا كثيرًا، أنت معك في البيت ثلاثة أو أربعة، تشتري حق عشرة، ثم ترمي بهذا الطعام، هذا يسمى إسرافًا؛ لأن هذا الطعام الأصل فيه الحل. فما كان الإنفاق فيه في أمر محرم، هذا يسمى تبذيرًا. أما إذا كان في أمر ليس بمحرم لكنك زدت على المطلوب، فهذا يقال له إسراف. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، يعني كلوا مما أحل الله لكم، واشربوا مما أحل الله لكم، لكن لا تزيدوا، ولا كذلك ترموا بالطعام الزائد الذي يحتاجه غيركم. ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الضرر عن الناس، واجتنابه، وإماطة الأذى عن الطريق. هذا اجتهاد من ابن حبان في ذكر وتعداد هذه الخصال، أو هذه الشعب من شعب الإيمان. قال المؤلف: فهذه تسع وستون خصلة كما عددناها، تمام تسع وستون خصلة. قال: ويمكن عددها سبعا وسبعين خصلة، باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر. يعني مثلًا: ذكر الجهاد والمرابطة، فهنا فصل بين الجهاد والمرابطة، وبعضها ضمها مع بعض. فمثلًا الصلاة، الصلاة فيها يدخل فيها كذلك النداء، الأذان مثلًا، يدخل فيها كذلك الجلوس في المسجد لها للصلاة، هذا من خصال الإيمان. فلو فرقنا وزدنا في بعض تلك الخصال لصارت أكثر، لصارت أكثر. ولما يذكر الصلاة ينضم إليه مثلًا الأذان، ينضم إليه الجلوس للصلاة. لكن إذا فصلنا لربما يزيد العدد إلى سبع وسبعين، إلى سبع وسبعين. وهذا يدلك على أن المسألة اجتهادية، ولذلك اختلفت أقوال العلماء في عدها كما تقدم. فمنهم من جعلها ستة وستين، ومنهم من جعلها تسع وستين، ومنهم من جعلها ثلاثًا وسبعين. وهذا يدل على أن المسألة ليس فيها نص، كما تقدم معنا، وليس فيها توقيف عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل بعض الخصال ما ذكرت هنا. فمثلًا في أعمال اللسان هناك أيضًا عبادات أخرى من أعمال اللسان لم تذكر في هذا، مثل الأذان. الأذان كذلك من أعمال اللسان، أليس كذلك؟ يكون باللسان، وهو من خصال الإيمان ومن شعب الإيمان. فالمسألة مسألة اجتهادية، وما ذكره العلماء فهو الغالب في هذه الخصال. وكما تقدم معنا في الدرس الماضي: أن القطع بأن هذه الخصال التي عدها العلماء هي مراد النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى توقيف، يحتاج إلى توقيف. فالخلاصة كما تقدم معنا: أن هذه الخصال لا تخرج عن الكتاب والسنة. فمن امتثل الأمر الوارد في الكتاب والسنة، واجتنب النهي الوارد في الكتاب والسنة، فقد استكمل شعب الإيمان، فقد استكمل شعب الإيمان، وأتى بشعب الإيمان. هذه هي الخلاصة في هذا الباب، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.