الدرس في تحذير الأمة من داء الغفلة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الجهل بالله وأمره ونهيه من أعظم أسباب الغفلة، كما أن الركون إلى الدنيا والانغماس فيها سبب آخر للغفلة.
الغفلة عن الآخرة تنتج عن الركون إلى الدنيا والانغماس فيها، والمعاصي والذنوب التي تضرب على القلب.
الغفلة تنتج عن الجهل بالله، الركون إلى الدنيا، الوقوع في المعاصي، ورفقة السوء، مما يؤدي إلى قسوة القلب.
المقطع يشير إلى أن الأسباب المذكورة هي من أعظم وأشهر الأسباب التي ذكرها العلماء، ثم يختم بالدعاء أن ينفعنا الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن شيء من صور الغفلة، وعن المواطن التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن لا يغفل عنها، وأشرنا إلى بعض من المواطن والمواضع التي جاءت الدلالة عليها من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وإن مما أذكره كذلك من المباحث المتعلقة بهذا الباب، مبحث مهم، ألا وهي أسباب الغفلة، ما الذي أودى بالناس إلى أن يغفلوا عن الله وعن الدار الآخرة، وعما ينفعهم في دينهم ودنياهم؟ ذكر أهل العلم عدة أسباب، ونحن في هذا المقام نشير إشارات إلى أهم أسباب الغفلة. أولاها، كما قال العلماء، ألا وهو الجهل، وأعني بالجهل الجهل بالله، وبأسمائه وصفاته، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وقضائه وقدره، وجنته وناره. فإن الإنسان حينما يجهل هذه الحقائق يصاب بالغفلة، لأن من أعظم محركات النفوس إلى الله والدار الآخرة العلم. لهذا قال من قال: «من كان لله أعرف، كان منه أخوف»، من كان لله أعرف، كان منه أخوف. فعلى قدر معرفتك وعلمك بالله يزيد خوفك، ومن كان خائفا، هل تأتيه غفلة؟ لا والله، لأن الغفلة، لأن الخوف عبد الله يأتي بالخشية، والخشية من أعظم الدوافع على المضي إلى الله والاستمرار إليه. ولهذا قيل: «عجبت للنار كيف نام هاربها، وعجبت للجنة كيف نام طالبها». هذا لا يتصور أن الإنسان يعلم علم اليقين بوجود النار، ثم إذ به ينام لا يهرب ولا يفر منها، والعكس بالعكس، من علم بحقيقة الجنة وما أعدها الله من الدار السرمدية الأبدية، ومع ذلك ينام ويغفل عنها، ما يتصور هذا. لهذا الجهل، إخواني في الله، من أعظم أسباب الغفلة، وسيأتي معنا في باب علاج الغفلة، تجد أن العلم ينفع في إزاحة الغفلة، أن تعلم بعظمة الرب، تعلم بهذه الحقائق الشرعية. ولهذا الإنسان كلما زاد معرفة بربه زادت خشيته، قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، العلماء من أشد الناس خشية لله، لماذا؟ لما آتاهم الله عز وجل من العلم. فالإنسان عنده علم بالله، بالدار الآخرة، عنده معرفة بهذه الأمور، تغيرت حاله، وتأمل عبد الله في الرعيل الأول، كيف كان أمرهم؟ كيف كان شأنهم في سرعة مضيهم إلى الله بالأعمال؟ هذا نبينا عليه الصلاة والسلام في مجلس من المجالس، لم يكن بسابق إنذار، قال لأصحابه: «من منكم اليوم أصبح صائما؟» قال الصديق: أنا يا رسول الله. قال: «فمن عاد منكم مريضا؟» قال الصديق: أنا يا رسول الله. قال: «فمن تبع منكم جنازة؟» قال الصديق: أنا يا رسول الله. قال: «فمن تصدق بصدقة اليوم؟» قال الصديق: أنا يا رسول الله. قال: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا أدخله الله الجنة من أي أبوابها شاء». هذا من أين جاء؟ جاء من عظيم علم هذا الرجل، وهو صديق الأمة بحق الله وبحق دار الآخرة، كان يشتغل نفسه. وتخيل هذا المجلس أعد من غير سابق إنذار، فإذ بالصديق مر على هذه الأعمال من نفسه، لعظيم معرفته بحق ربه، فدل على إخواني في الله على أن العلم من أعظم أسباب دفع الغفلة، وأن الإنسان متى ما كان جاهلا فإن الغفلة تزداد في حقه، جهلا بجهل، غفلة بغفلة. فمن أعظم أسباب الغفلة الجهل بالله. الأمر الثاني، إخواني في الله، من أعظم أسباب الغفلة ما يكون من الركون إلى الدنيا، الركون إليها والانغماس فيها. يقول ربنا سبحانه وتعالى، واصفا أهل الكفر: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، فكان الكافر على قدر ركونه للدنيا ابتلاه الله جل وعلا بالغفلة عن الآخرة. فعلم أن الإنسان كلما خاض في الدنيا فليعلم أنه على قدر إقباله سيكون إدباره عن آخرته بالغفلة. ولهذا، إخواني في الله، يذكر العلماء أن من أعظم أسباب الغفلة الركون والانغماس. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يبغض كل جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ فِي النَّهَارِ». عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة. والجاهل بمعنى غافل، ما الذي جعله يغفل عن الآخرة؟ ما كان من انغماسه في الدنيا. عالم من دنيا، عالم بأحوالها، بدقائقها، بصغائرها، بعلومها، بفنونها، بكل ما يتعلق بها، لكنه عن الله والدار الآخرة لا يفقه شيئا من ذلك، فهذا أصابته الغفلة. جيفة في الليل، حمار في النهار. ولهذا، إخواني في الله، نجد من الناس من هذا حاله، للأسف، أنه إذا تنظر في أفعاله وأحواله ويكأنه مخلد في هذه الدنيا، يقوم من صباحه إلى أن يمسي والدنيا بين عينيه، يأكل ويشرب لأجل الدنيا، يبيع ويشتري لأجل الدنيا، يبايع ويماشي الناس والأصحاب والخلان لأجل الدنيا. في حركاته، في سكناته، يريد الدنيا. بمقابل هذا، أنه لا يعرف لله شيئا. والله، والله، إن من الناس من ينتمي لأمة الإسلام، ومع ذلك ما ركع لله ركعة، ما ركع لله ركعة، مرت عليه السنوات الطوال، لا أقول في المسجد، حتى في بيته، لربما جبهته منحنت لله. أين ذهب؟ في دنيا، في دنيا يعمل ويعمل، من صباح لربما يذهب إلى أرض الغربة شرقا وغربا، وهو ينغمس في الدنيا. لكن انظر، على قدر غمسه في الدنيا، سلب الله عز وجل منه الآخرة، فأصيب بالغفلة، فأصيب بالغفلة. بل حدثت عن أناس هم في حرم الله، كما قد سمع بعضنا بهذا، من جوار حرم الله في مكة، وله عشرون سنة وهو بجوار مكة، وما حج حجة الإسلام، وما حج حجة الإسلام. لماذا؟ لأنه في مواسم الحج يكون في مفترق الطريق، إما الحج دين ولا دنيا، وإما أنه يستغل هذا الموسم فيكون دنيا بلا دين. فلما كانت الدنيا تتراقص بإتيان الناس من أفواج شتى من دول عدة، حين آثر الدنيا على الدين، فترك الحج سنة بعد سنة، وموسم بعد موسم، ومرت عليه السنوات حتى بلغنا أن من الناس من ملغ به المشيب، وما حج حجة الإسلام، والحرم بجنبه، غفلة عظيمة، وأصبح ذلك مما يضرب على قلبه. فالإنسان، إخواني في الله، على قدر غمسه في الدنيا يصيبه الله بالغفلة. ولا يعني هذا أننا عندما نزم الدنيا بأننا نمنعها من الناس، لا حاشا وكل، الدنيا لابد منها، فكفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، عندك التزامات، عندك أسر، عندك أهل، عندك عيال، عندك حقوق. وقد قال ربنا: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، لكن الدنيا تبع، ليست هي الأساس، والأساس والآخرة تبع، اعكس المعادلة، الآخرة هي الأصل، والدنيا تبع. قال ربنا عز وجل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، إذا انتهيت من أعمالك ومن شؤونك، فتفرغ لله، فانصب لله، قائمة لله، ساجدة لله، عابدة لله، حامدة. فالإنسان ينبغي أن يعطي لله عز وجل الشيء الأعظم، لأن الدنيا يا عبد الله ستزول، وما جعل الله لنا الدنيا إلا ممر، سنوات يا عبد الله، حسبك أن تكون مئة سنة إن عشتها، وبعدها ستنتقل لله وللدار الآخرة. فالحاصل، إخواني في الله، أن من أعظم أسباب الغفلة الركون إلى الدنيا. كذلك من أسباب الغفلة، كما قال العلماء، المعاصي والذنوب والموبقات والعظائم، إذ أن هذه المعاصي والذنوب أنها تضرب على القلب، تصيب القلب، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، الران يضرب على القلب. وهذا الران من أين يأتي؟ بما كانوا يكسبون من الذنوب والمعاصي. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «أن العبد إذا أصيب بذنب أو أصاب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب واستغفر سقل قلبه»، يصف القلب، إذا تبت وأنبت واستغفرت. قال: «فإن عاد نكت في قلبه نكتة سوداء»، أي إذا عاد للمعصية، قال: «فإذا استمر أصبح كما قال: أصبح القلب عليه الران»، يضرب على قلبك الران، حينها يا عبد الله إذا طبع على القلب فلن تجد القلب إلا مريض أو ميت، فتصيبه حينها الغفلة. ولهذا تجد أهل المعاصي من أشد الناس غفلة، من أشد الناس غفلة، أهل المعاصي، تمر عليه الحوادث العظيمة، لربما أمام مناظره يموت من يموت من أصحابه، يموت من يموت من أصحابه، وما يأتي العصر إلا هو تخزن، تخزن، رجل صاحبك دفنته قبل في الظهر، تخزن، ضرب على قلبه غفلة عظيمة. لربما يصاب بالآفات، بل بلغنا أن بعضنا لربما تقام عليه تقع عليه حوادث فتكسر منه العظام وتقطع منه الأعظام، ومع ذلك ما يعتبر أبدا بما وقع لنفسه، بل يستمر في طغيانه. لماذا؟ لأن الران قد استحكم على قلبه، الران إنما جاء من معاصيه. ولهذا الإنسان إذا أراد أن يبعد الغفلة يحرص كل الحرص على أن يطهر قلبه. ولهذا قال عثمان رضي الله تعالى عنه: «والله لو طهرت قلوبنا لما شبعنا من كلام الله»، علق ما يتعلق بعمل اللسان، والشبع من كلام الله بعمل القلب. لو طهرت قلوبنا بماذا طهرناها؟ من الذنوب والمعاصي، لما شبعنا من كلام الله، لأن قلوبنا حية، لكن لما أصبحت القلوب مليئة بالمعاصي سوداوية، حين نجد الملل والكلل، بل والغفلة عن ذكر الله وعن الطاعة. وأخيرا، إخواني في الله، مما أختم به هذا المقام من أسباب الغفلة، قال العلماء: الماذا الصحبة السيئة، الصحبة السيئة وجلساء السوء من أعظم أسباب الغفلة. فإنك يا عبد الله إذا اختلطت وانخرطت معهم، فإنهم شكلوا عليك وحولك طوقا، فإنك تكون في دائرة مغلقة ما يصل إليك النور أبدا. فإذا كنت معهم فحانت وقت الصلاة أجلسوك، وإذا أردت أن تذكر الله عقدوك، وإذا أردت أن تذهب إلى المساجد لحلاق القرآن أو الذكر لربما لمزوك وطعنوا فيك. فلا زلت أنت معهم يبعدونك عن الله وعن رسوله وعن الدار الآخرة حتى تصاب بالغفلة، ولا زالت الغفلة تضرب عليك من كل جوانبها. ولهذا سيأتي معنا بإذن الله من علام علاج أسباب العلاج الغفلة ما يكون من اختيار الصحبة الطيبة التي تنتشلك من أوحال الغفلة. أما أنك يا عبد الله تعيش مع هذه الرفقة السيئة ثم تشتكي، كم من شخص يأتي قل: يا أخي أنا والله في غفلة، وأنا حزب قسوة قلب. وأنا... قل: يا أخي تماشي مع من يأتي لك بأسماء وأشخاص وصفات أناس يماشيهم، هم من أفسق وأفجر خلق الله. كيف هذا؟ كيف تأتيك الهداية يا عبد الله وأنت ملطخ بهذه البيئة؟ مثل رجل يريد أن ينبت النبات الحسن في أرض مجاري، أرض مجاري مليئة بالمياه المجاري القبيحة الوصخة والأرض النتنة، ثم يريد أن ينبت نبتا حسنا في هذا المقام، ما ينفع يا عبد الله. إذا أردت النبات الحسن ابحث عن تربة صالحة تعينه على إنشاء هذا النبات الحسن، وهي نفسك. فإذا أردت يا عبد الله أن تنشأ النشأة الصحيحة وينشأ قلبك بقلب يقظ بعيد عن الغفلة والسهو وعن بعد عن ربك عز وجل، فاختر يا عبد الله من يعينك على ذلك، وهم الرفقة الصالحة. وسيأتي الحديث بإذن الله عن هذه المسألة بتوسع في محله. فالشاهد، إخواني في الله، أن في هذا المقام أشرنا إلى أهم أسباب الغفلة، وهي مسألة الجهل بالله، وهكذا ما يكون من الركون إلى الدنيا، وثالثا ما يكون من الوقوع في المعاصي، ورابعا ما يكون من رفقة الرفقاء السوء. فهذه هم الأسباب، وبقي بعضها، لكن هذه من أعظمها ومن أشهرها، كما ذكرها العلماء في كتبهم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.