الدرس في تحذير الأمة من داء الغفلة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ذكر الله تعالى يزيل الغفلة عن المسلمين ويقرب العبد من ربه، وينبغي أن يكون الذكر بآداب معينة مثل التضرع والخيفة. الإكثار من ذكر الله في الخلوات من أعظم ما يزيل الغفلة.
يناقش آداب الذكر وكيفيته، مشيرًا إلى أهمية التوسط في رفع الصوت أثناء الذكر وضرورة نطق الذكر باللسان. يُشدد على أهمية ذكر الله في جميع الأوقات والأحوال.
قيام الليل بتدبر القرآن له أثر حميد، ومن قام بعشر آيات في صلاته لم يكتب من الغافلين. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ذكرنا إخواني في الله في المبحث الأخير من هذه الدروس المتعلقة بمرض الغفلة، وكان حديثنا عن العلاج الذي ينبغي أن يتناوله كل من أصيب بهذا الداء، وذكرنا أن هذا العلاج لا يخرج عن الطاعة والعبادة لله، وأشرنا إلى عموم فضل الطاعات والعبادات في إزالة الغفلات. وأذكر في هذا المقام بعضًا من العبادات التي جاء بها التنصيص والتخصيص والتحديد على أنها مزيلة للغفلة، وعلى رأس هذه الطاعات والعبادات الإكثار من ذكر الله جل في علاه، قال سبحانه وتعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين﴾. فقول سبحانه وتعالى: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾، أي إن فعلت ذلك أزيحت عنك الغفلة، وما هو هذا الأمر؟ ما جاء في مطلع الآية: ﴿واذكر ربك﴾، فإن ذكر الله سبحانه وتعالى من أجل الطاعات ومن أعظم القربات، وهي من أعظم أسباب إذهاب الغفلات عن المسلمين والمسلمات. فقال سبحانه: ﴿واذكر ربك﴾، وإن كان الأمر جاء إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، إلا أن الأمة تندرج تحته، فالعبرة بعموم التشريع، ﴿واذكر ربك﴾، أي أمره الله جل وعلا أمر ندب واستحباب، فهي من الأعمال الفاضلة. ﴿واذكر ربك في نفسك﴾، قال المفسرون: في نفسك، أي وأنت فيما بينك وبين نفسك، أي أنت حاليًا لا أحد معك، فإن الأعمال كلما كانت في السر كلما كان أجرها أعظم وأثرها أقوى. ولهذا جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»، فهذا الرجل ذكر الله خاليًا، ما عنده أحد، لأن الإنسان إذا تعبد الله في خلوته دل ذلك على عظيم تعبده لربه، لأنه لا يريد الثناء ولا يريد السمعة ولا يريد رياء، لأنه ما عنده أحد، ما هو إلا مع ربه سبحانه وتعالى. وبهذا نعلم أن من أعظم ما تستغل به الخلوات ما يكون من الإقبال على ذكر الله، انشغل بذكر الله تسبيحًا، تهليلًا، استغفارًا، تكبيرًا، فإن ذلك نافع لك وأنت في خلوتك. ﴿اذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾، من وصف الذكر الذي وصفه الله جل وعلا فيما ينبغي أن يكون في حال الذاكرين لله أن يكون ذكرهم فيه نوع تضرع، فيه نوع تضرع، قال العلماء: التضرع بمعنى الطلب والإقبال والابتهال والالتجاء. وهذه من وظائف اللسان، أي أنك تذكر ربك جل وعلا متضرعًا لله، بذكرك يظهر عليك في لسانك ما يكون من التمجيد والتعظيم والتبجيل والثناء والحمد لله عز وجل. ولهذا إخواني في الله، فإن من الناس أناس لربما يذكرون الله، لكن لا يحسنون الذكرى، لا يعرفون الآداب المتعلقة بالذكر، وهكذا قل في الدعاء، لأن مما يدخل في هذه الآية الدعاء، التضرع لله في الدعاء بأنك تستفتح دعاءك بالتمجيد لله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون الختم كذلك، تختمه بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فيظهر عليك التضرع في ذكرك لله سبحانه وتعالى. ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾، خيفة، أي وأنت خائف، وأنت وجل عليك من الخوف ما عليك، وأنت تذكر الله عز وجل. وقد أشرنا إخواني في الله أن الأعمال والأقوال والأحوال تتفاضل على ما في القلوب، تتفاضل على ما في القلوب، فإن الإنسان إخواني في الله لربما يؤدي العمل الذي يؤديه من بجنبه، لكن من حيث الأجر والثواب كما بين الأرض والسماء، لعظيم ما يكون في قلوبهم من التفكر والتأمل. وهكذا قل في ذكر الله جل وعلا، فإن الإنسان يستجيب الله ويعطيه الله عز وجل الأجر، كما قال العلماء: كل من ذكر الله بلسانه يؤجر، كل من ذكر الله بلسانه يؤجر، لكن الأجر بعد ذلك يتعاظم على ما في القلب، على ما في القلب. ثم قال سبحانه: ﴿ودون الجهر من القول﴾، هذا في وصف الذكر، أن يكون هذا الذكر مستوى الصوت فيه متوسط، لأنك ترفع الصوت بالذكر حتى أنك تصدج وتصدج بالآذان ممن هم حولك، فيكون ذكرك مصدر إزعاج وإقلاق للغير، هذا ليس بذكر، هذا ليس بذكر. ولهذا جاء في الحديث عندما نزل الصحابة في بطن واد فأرادوا أن يدعوا الله ويذكروه فرفعوا أصواتهم حتى ضجوا بالدعاء، فخرج عليهم نبينا قائلًا: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائب، إن الذي تدعونه أقرب إليكم من عنق راحلة أحدكم»، لا ما في داعي لهذا الصوت العالي في ذكر الله جل وعلا، توسط، واجعل بين ذلك سبيلًا. ﴿ودون الجهر من القول﴾، اسمع يا عبد الله في ذكر نفسك، وبهذا تعلم من يرفع صوته ليس بصوته، بل أصبح الناس من يأتي بآلات له، من لربما يذكر الله عز وجل مصاحبًا للطبل ومصاحبًا للدف، سواء كان في بيته، عند أصحابه في مناسبات، أو كان في بيته من بيوت الله، أصبح يضرب ويضرب ويضرب، زاعمًا أنه يذكر الله، سبحان الله، بهذه الطريقة الذي أزعجت لا أقول خلق الله من بني آدم، بل وأزعجت الملائكة الذين هم في حظ البيت الذي يتواجدون بكثرة في بيوت الله جل وعلا، وعليهم السكينة والهدوء والطمأنينة في هذه الأماكن. ثم تأتي بطبلك ودفك وتضرب مع صراخك، ما هذا يا عبد الله؟ ليس هذا من آداب الذكر، ولهذا قال ربنا: ﴿ودون الجهر من القول﴾. ويقابل هذا الخطأ خطأ آخر، وما يقوم به بعض الناس من ذكر الله جل وعلا وهم على الصمت، وأعني بالصمت أن بعضهم يذكر الله وقد أطبق الفم، أطبق الفم، لو ربما هو بجوارك يأتي مثلًا بأذكار الصباح والمساء، يأتي بأذكار بعض الصلاة، فتلتفت إليه فتجد أن الفم مطبق، وتنظر إلى أنامله وأصابعه تجده يعقد، هذا كيف يفعل؟ فإذا سألته: يا عبد الله، أجئت بأذكار الصلاة؟ قال: نعم، قل: كيف جئت؟ قل: جئت لها في نفسي، هذا ما يجوز، هذا لا يحسب. قال العلماء: أن الذكر الذي يحسب هو الذي تنطق به اللسان، لأن الكلام يفتقر إلى اللسان وإلى حركة الشفتين، لا بد، ثم بعد ذلك تسمع نفسك، تسمع من هم حولك، هذا أمر آخر، أي بجوارك، على اختلاف العلماء مقدار رفع الصوت الذي يرفع، لكن أما أنك تطبق الفم فهذا ليس من الذكر في شيء. ولهذا كان الصحابة يقولون: «كنا نعرف صلاة رسول الله أو قراءة رسول الله في صلاته بالطراب لحيته»، نعرف قراءة رسول الله في صلاته بالطراب لحيته، يكونون خلفه فيرون اللحية تضطرب، وهذه في الصلاة السرية، في الصلاة السرية، الطراب اللحية يدل على ماذا؟ على الطراب الحنك، والطراب الحنك يدل على ماذا؟ تحرك الشفة. فمن أراد أن يذكر الله ولو كان على سكوت، فعليه أقل تقدير أنه يحرك الشفتين فيذكر الله، ولو لم يسمعه أحد يكفيه، لكن عليك يا عبد الله من التحريك. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿بالغدو والآصال﴾، بالغدو والآصال في بيان أزمان الذكر، الحالة الأولى في أوصاف الذكر، والحالة الثانية في صوت الذكر، وهذا الآن في أزمان الذكر. اذكر ربك جل وعلا بالغدو والآصال، بالغدو أول النهار، والآصال في آخر النهار، بمعنى أن ذكر الله لا ينفك عنك، لا ينفك عنك، كن دائمًا ذاكرًا لله جل وعلا، وقد مدح الشرع بل ندب الشرع إلى أن المسلم يكثر من ذكر الله في كل أحواله. وأن من لم يوفق إلى ذكر الله جل وعلا فإن هذه الأوقات وهذه الأعمار التي مضت عليه سيتندم عليها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من مشى ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه تره يوم القيامة»، تره بمعنى حسرة، «ومن قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه تره يوم القيامة»، «ومن اضجع مضجعًا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه تره يوم القيامة». تأمل في هذه الأحوال التي تمضي علينا والأوقات التي تمشي بين جنبينا، ولا استغلينها بشيء من ذكر الله، ولو بالقليل، في مضجعك لو أنك تأتي بأذكار النوم، ونمت آية الكرسي، ونمت، فإنك تؤجر على نومك، تؤجر على مضجعك. وأنت في ممشاك، سواء كنت مشيًا بالأرجل أو في مركوبك، فذكرت الله عز وجل، ولو بدعاء الركوب، أو تأتي بدعاء الخروج من المنزل، أو بشيء من ذكر الله تسبيحًا واستغفارًا في ممشاك، فإنك تؤجر عليه طول الطريق. وهكذا إذا جلست مجلسًا، لكن تأمل يا عبد الله كم من المجالس، وكم من الممشى في الطرقات والمركوبات والمسافات، وكم من مضجع اضجعنا ليالي وأيام، بل وسنوات، وما ذكرنا الله فيه، كل هذا سيكون علينا حسرة، بمقابل المطلوب منك أن تذكر الله فقط، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ينفعك. ولهذا المسلم يطالبه ربه بالغدو والآصال، أي في كل الأوقات والأزمان والأحوال كن ذاكرًا لله، قال سبحانه: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾، أي إذا فعلت ذلك أزيحت عنك الغفلة، لأن من أعظم ما يزيح الغفلة ذكر الله جل وعلا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت»، كمثل الحي والميت، الإنسان الحي والإنسان الميت، الفاصل بينهما ذكر الله، فمن ذكر الله فإن الله يحيي له قلبه، ومن لم يذكر الله فإن الله يميت قلبه، أعظم موت القلب ما كان من الغفلة. فالشاهد إخواني في الله أن من أعظم ما تستبعد به الغفلات عن المسلمين والمسلمات ما يكون من الإكثار والإقبال على ذكر الله تهليلًا، تسبيحًا، استغفارًا، تكبيرًا، ويدخل على رأس القائمة في ذكر الله القرآن، فإن القرآن من أعظم ذكر الله جل في علاه. ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين»، من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، تقوم بها قراءة وتدبرًا وتضرعًا وخيفة، فإن أثرها حميد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.