تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 119

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 119

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 119، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الإخزاء ورد شبهة الخوارج في خلود النار

يشرح المقطع معنى الخزي في الآية بأنه الذل والفضيحة على رؤوس الأشهاد، ويبين أن الخوارج فهموا الآية فهماً خاطئاً فظنوا أن من دخل النار لا يخرج منها أبداً. ويؤكد أهل السنة أن عصاة الموحدين يخرجون من النار كما دل عليه حديث جابر بن عبدالله عن الجهنميين.

مراحل الشفاعة الكبرى وإخراج المؤمنين من النار

يصف المقطع مراحل الشفاعة التي يُخرج الله بها المؤمنين من النار، بدءًا بشفاعة أهل الجنة لمن عرفوهم بالصلاة، ثم شفاعة من في قلبه مثقال دينار من إيمان، فذرة، وصولًا إلى شفاعة أرحم الراحمين لمن لم يعملوا خيرًا قط. ويوضح أن أجساد المعذبين تحترق إلا مواضع السجود، ثم يُحيون بماء الحياة، وينتهي بتفنيد فهم الخوارج لآية الإخزاء.

ضلال الخوارج في التكفير وعاقبة الظالمين

يوضح المقطع كيف أدى سوء فهم الخوارج للآيات إلى تكفير المسلمين بل وتكفير أنفسهم، مستشهداً بقصة تاريخية ومواقف معاصرة تتحقق فيها نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم أهل الإسلام. ثم يستعرض مصير الظالمين في النار الذين لا يجدون ناصراً ولا مجيباً رغم توسلاتهم، مؤكداً أن النذير قد جاءهم بالقرآن والسنة وآيات الله في الكون.

دعاء الاستعاذة من عذاب النار وختام الدرس

يسأل المتحدث الله تعالى أن يعيذه ويقيه من عذاب النار، ويختتم بالحمد لله رب العالمين. يعكس هذا الدعاء ختام الدرس بتوجيه القلوب إلى الاستعاذة من النار والتضرع إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾، قال: «إلي حصوله على السخط من الله، من ملائكته وأوليائه، وقوع الفضيحة التي لا نجاة منها ولا من قبلها». فلما دعا أهل الصلاح أن الله عز وجل يقيهم عذاب النار، قالوا تقريرًا لما دعوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾، «أخزيته» وهي الفضيحة على رؤوس الأشهاد، على رؤوس الناس، والمذلة. فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾، ولهذا قال الله عز وجل أيضًا عن إبراهيم: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾، فالخزي هو المذلة على رؤوس الأشهاد. ولهذا تجد في القرآن مواقف كثيرة يخبر الله عز وجل عن أهل النار، وأنهم يستغيثون بأهل الجنة، وينادون أهل الجنة، وغيرها من هذه الأمور التي يعرف بها الشخص أنه من أهل النار، وأن الخزي والعار عليه، حتى أنه أيضًا يفضح الرجل فيما بينه وبين من كان معه من أهل النار، كما جاء في حديث أسامة في الصائحين: «يُؤتى بالرجل من أهل النار فتنتلق أمعاء بطنه، وتدور حوله كما يدور الرحى، أو كما يدور الحمار حول الرحى، تخرج أمعاءه فيدور حولها، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بل كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». فهذا الخزي لمن هو من أهل الإسلام الذين يدخلون النار، فكيف بخزي من كان من الكفار؟ ولهذه الآية لم يفهمها الخوارج، ظنوا أن كل من دخل النار أخزي فلا يخرج بعد ذلك، فعمموا الحكم على أن الخزي مؤبد. ولهذا جاء في صحيح مسلم في حديث يزيد الفقير، قال: «شغفني رأي من رأي الخوارج»، يعني: يزيد الفقير يقول: تشبثت برأي من آراء الخوارج، قال: «فخرجنا إلى الحج، قلنا: نحج ثم نميل على الناس»، يعني: يقتلون الناس، يقتلون أهل الإسلام، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فمررنا بالمدينة، فمررنا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حلقة في المسجد كبيرة، وفيها جابر بن عبد الله يحدث بحديث الجهنميين، حديث الجهنميين، هؤلاء الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها». قال: «فلما انتهى -أي: من- حديث الجهنميين، وانتهى من المجلس، فجئت إليه وقلت: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هذا الحديث الذي تحدثون به؟» انظروا كيف ينكر عليه، على جابر، هذا الحديث، كيف أنتم تحدثون هذا؟ «لا أحد يدخل النار ويخرج»، عادل. فقالوا: «ما هذا الحديث الذي تحدثون؟ ألم يقل الله: ﴿ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾؟ ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ﴾؟» أنا استدل بالآيات، لكنه استدلال خاطئ، استدلال لم يجمع الأدلة، أما أهل السنة فيجمعون الأدلة. ولما كان جابر بن عبد الله صاحب رسول الله على يقين من عقيدته، فقال له: «أتقرأ القرآن؟» قال: «بلى». قال: «فألا تعرف المقام المحمود الذي أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام؟» فقال: «بلى»، ثم ذكر له ما هو المقام المحمود، وذكر له حديث الشفاعة. فحديث الشفاعة أيضًا فيه أن من المسلمين من يدخل النار، لكن لرحمة أهل الإيمان وأهل الجنة، فهم لا يتركون أحدًا يعرفونه من أهل الإيمان. فإذا دخل الناس النار، دخل الجنة أهل الجنة، تساءل بعضهم بعضًا: «فلان كان معنا يصلي، فلان كان معنا كذا»، فيأتون إلى الله عز وجل ويقولون: «يا رب، فلان كان يصلي معنا، فلان كذا، نعرفه»، فيقول الله عز وجل لهم: «اذهبوا فأخرجوه من النار»، فيعطيهم الإذن، رب العزة جل وعلا، وهذا لطفه ورحمته سبحانه وتعالى في ذلك الموقف العظيم، يعطيهم الإذن أن يخرجوا كل من يعرفونه، ممن كان يصلي معهم، فيخرجون من كان يعرفونه بالصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيخرجون وقد احترقوا، فأكلتهم النار إلا موضع السجود»، فكلهم أجسادهم محروقة بالنار إلا موضع السجود، فإنه لم يحرق. قال: «ثم يضعون في ماء يسمى ماء الحياة، فينبتون كما ينبت الحب في حميل السيل»، ينبتون، ينشرهم الله عز وجل نشرًا آخر، يذهب ذلك السواد، يذهب ذلك الاحتراق. قال: «ثم يأتون إلى الله عز وجل ويقولون: يا رب، إن فلانًا وفلانًا نعرفه، وكذا»، فيشفعون عند الله، فيقول الله عز وجل لهم: «اذهبوا فأخرجوا كل من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان»، فيخرجونهم، ثم يخرجون أيضًا، آخر ما يقول الله عز وجل لهم: «اذهبوا فأخرجوا كل من كان في قلبه ذرة من إيمان»، فيخرجونهم. قال: «ثم يقول الله عز وجل بعد إخراج هؤلاء»، فيقول الله عز وجل -ذلك اللطيف الرحيم سبحانه وتعالى بعباده الذين أسلموا وآمنوا، وهو أيضًا رحيم بكل مخلوق-: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين». قال: «فيأخذ الله عز وجل قبضة من النار -أو من الناس في النار-، فيخرج أناسًا لم يعملوا خيرًا قط، لم يعرفوا بالخير، وإنما عرفوا في الناس بالشر». فهذه الحديث العظيمة لم يعرفها الخوارج، نظروا إلى نصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، فلهذا لم يفهموا كتاب الله جل وعلا، فظنوا أن قول الله جل وعلا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾، أي أنه خزي مؤبد. وهذا لا بد من التفصيل: إن كان من الكفار فهو خزي مؤبد، وإن كان من أهل الإسلام، وإن دخل النار، فإنه إن كان من الموحدين يخرج منها، لكن دخوله إلى النار خزي، دخوله إلى النار خزي وعار عليه، ويفضح ويفضح بين رؤوس الأشهاد أنه من أهل النار، والعياذ بالله. فلهذا أهل الإيمان هنا يدعون الله عز وجل أن لا يكونون من هؤلاء الذين يدخلون النار، سواء كان من الكفار، أو من أهل الإسلام ممن يدخله الله عز وجل النار، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾، وقبل ذلك قالوا: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. لكن كما قلنا، الخوارج لم يفهموا مثل هذه الآيات، فكفروا أهل الإسلام، بل كفروا أنفسهم، وكفروا ما بينهم البين. حتى ذكر الإمام العُكَيْعِي رحمه الله قصة حصلت بين خارجيين في الحرب، اجتمع رجلان من الخوارج في حرب حرم مكة، فقال أحدهما للآخر: «ترى هذا الجمع ليس فيهم مسلم، ولا من يدخل الجنة إلا أنا وأنت، كلهم هؤلاء كفار، هؤلاء الذين في الحرب». قال: «كلهم كفار، ما في أحد يدخل الجنة إلا أنا وأنت». فكأن ذاك تراجع، فقال: «هؤلاء كلهم في النار، وأنا وأنت في الجنة». قال: «نعم». قال: «فإذا أترك لك الجنة، ادخل وحدك أنت في الجنة، وابقَ في الجنة وحدك، وأنا سأذهب مع هؤلاء». فهذا من سخافة عقولهم وعدم فهمهم للأدلة، فكفروا أهل الإسلام. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يقولون: نبدأ أولاً بالمرتدين». وهذه الشبهة عندهم هي تحقيق لما قال النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: «نبدأ أولاً بالمرتدين»، ويريدون بالمرتدين هم أهل الإسلام. حتى قال بعض هؤلاء، قادة القاعدة وغيرهم، لما قيل له: «هؤلاء اليهود عندكم، لماذا لا تحاربون اليهود؟» قال: «نحن لو دخلنا فلسطين أولاً سنقتل حماس وغيرهم لأنهم مرتدون، أولًا سنقتل هؤلاء أهل الإسلام، ثم بعد ذلك نذهب إلى اليهود». وهذا فضيحة، وأيضًا كذلك تحقيق لما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾، أن ينقذوهم من عذابه. قالوا: فيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم، أنهم دخلوها بظلمهم، ومعنى ذلك أنهم أعانوا بعضهم على هذا الظلم. وهؤلاء الذين دخلوا النار هم من أهل الظلم، وليس لهم أنصار، الذين كانوا يحثونهم على هذا الكفر، يحثونهم على هذا الضلال، ما سينصرونهم الآن. هؤلاء الذين قد يكون يخدمونهم ويعينونهم، فهؤلاء ما يستطيعون ينصرونهم، ولا لهم صديق ولا حميم، كما ذكر الله عز وجل. فلهذا فأعظم الخزي الذي يتحصله العبد أنه يدخل النار، ولا أحد ينقذه إلا رحمة الله عز وجل على الموحدين الذين يخرجون من النار، وأما الكفار فلا أحد يخرجهم أبدًا. يتوسلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إلى مالك خازن النار: ﴿ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾، يتوسلون أيضًا وينادون، يصرخون بكل صراخ، ما يجدون أحدًا يجيبهم، ولا أيضًا يعطيهم شيء من الأمان. وهم يصرخون فيها: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾، فيقول الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ نَعُمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾. جاءكم النذير، قيل: أن النذير هو القرآن، وقيل: أنه النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: أنه الموت، وقيل: الشيب، وقيل: ما يراه الناس من هذه الأمور. كلها عندك الكتاب والسنة، لماذا لم تتبع الكتاب والسنة؟ أيضًا الله عز وجل جعل لك علامات في الناس: الشيب، الموت، وغيرها من هذه النذارات التي جعلها الله عز وجل في الناس. ﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾، ليس هناك أحد ينصر، ولا ينقذك، أي: لا ينقذ مثل هؤلاء الذين دخلوا النار، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يعيذنا من عذاب النار، وأن يقينا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.