تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 117

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 117

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 117، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاحية دورة تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران وفضل التفكر فيها

يستهل الشيخ الدورة العلمية بتفسير السعدي للعشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران مبيناً فضائلها وأن النبي ﷺ كان يقرأها في قيام الليل. ويؤكد الدرس على حث القرآن للتفكر في خلق السماوات والأرض كدليل على التوحيد محذراً من قراءتها دون تدبر.

عظمة خلق السماوات والأرض وفضل التفكر في آيات الله

يستعرض المقطع عظمة خلق السماوات والأرض وإحكامهما مشيراً إلى أن التفكر ساعة خير من عبادة سنة لتوريث تعظيم الله. ويبين أن إطلاق الآيات دون تعيين يدل على كثرتها ودعوة العبد للتفكر في كل آيات الكون.

فضل التفكر في آيات الله الكونية وأثره في الإيمان والتوحيد

يبيّن المقطع أن التفكر في الآيات الكونية يبهر الناظرين ويقود لمعرفة عظمة الخالق فيثمر التوحيد الخالص والعبادة لله وحده. ويؤكد أن هذه الآيات خص بها أولي الألباب بينما المعرض عنها ينزل منزلة الأنعام بل أضل سبيلاً.

ختام الدرس والإشارة لاستكمال التفسير في الدرس القادم

يختتم المفسر شرحه للآية الحالية معلناً انتهاء الوقت واستكمال تفسير الآية التالية في الدرس القادم. ويختم حديثه بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على أن وفقنا لهذه الدورة العلمية، بإذن الله جل وعلا، دورة بإذن الله مباركة. فهذه الدورة التي إن شاء الله تعالى نبدأ أول دروسها، وهذا الدرس هو درس التفسير: تفسير السعدي في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران. وهذه العشر الآيات لها فضائل عظيمة، ولها أيضًا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقولها إذا قام من الليل، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عباس، لما بات عند خالته ميمونة، قال: فلما كان نصف الليل قام النبي عليه الصلاة والسلام، ومسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، إلى أن أتمها، أي أتم السورة. وأيضًا مما جاء في فضل هذه الآيات: التي فيها التفكر في آيات الله جل وعلا، وفيها أيضًا الآيات العظيمة في مصير الإنسان، وأن طريق أو الطريق إلى الله عز وجل طريق واحدة، فمن سلك الطريق التي تخالفها فإنه سلك إلى الهاوية. وأيضًا كذلك فيها أن من دخل النار وخرج عن الطريق فقد أخزاه الله، كما سيأتي إن شاء الله وتعالى في تفسير هذه الآيات. ومما يدل على أهمية هذه الآيات، وأنها ينبغي للمسلم أن يتفكر فيها، بل يحرص على التفكر فيها، ما أخرجه الإمام ابن حبان رحمه الله في صحيحه بإسناد صحيح إلى عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، قال: عن عبيد بن عمير أنه قال: جئنا عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: من هذا؟ فقال: عبيد بن عمير. وكان قاصًّا للمدينة، رحمه الله، كان يقص ويعظ في المدينة، كان عبد الله بن عمر إذا سمع عبيد بن عمير يقص بكى من وعظه. فجاء إلى عائشة وقال: عبيد بن عمير. فقالت عائشة: ما لك لا نراك تزورنا؟ فقال: لم تسمعي إلى قول الأول: «زر غبا تزدد حبا، زر غبا تزدد حبا». قالت: ما علينا من كلامكم هذا. ثم قال عبيد بن عمير: يا أمه، حدثينا عن أعجب ما رأيتِ من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقالت: قام ليلة من الليالي، وقال: يا عائشة، ذريني أتعبد ربي. فقالت: يا رسول الله، إنما أنا أحب قربك وأحب رضاك. وكما قالت رضي الله عنها: قالت ثم قام فبكى بكاءً شديدًا، ثم بكى حتى اخضلت لحيته، ثم بكى حتى اخضل حجره، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم بكى حتى اخضل الفراش، حتى جاءه بلال وهو يبكي، أي كي يؤذنه للصلاة. فقال بلال للنبي عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «لقد أنزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، لقد أنزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتدبرها». وهذا عند العلماء أنه ليس المراد به الاستمرار، عن لو فعل، لو تفكر فيها مرة واحدة يكفيه من هذا الويل. فقال النبي: «ويل لمن قرأها ولم يتدبرها»، ثم قرأ هذه الآيات العظيمة، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام لنزول هذه الآيات: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]. وهذا إنما لأجل أنها آيات عظيمة لأولي الألباب والعقول والقلوب التي تريد وجه الله، والتي صفت لله جل وعلا، وصفت لمرضات الله سبحانه وتعالى، فهي التي تتفكر في هذه الآيات. فقال المؤلف رحمه الله تعالى عند هذه الآية: «يخبر تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب». يقول الإمام السعدي رحمه الله: «وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها والتبصر بآياتها وتدبر خلقها». فهذه الآيات قال: «ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها؛ لأن الله عز وجل ذكر هذه الآيات لأجل أن يتفكر فيها». وربنا سبحانه وتعالى رغب العباد للنظر في آياته: ﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ [الغاشية: 17-20]. فربنا جل وعلا أمر عباده أن يتفكروا في هذه المخلوقات العظيمة، ولهذا وصفها بصفات عظيمة، واستدل بها ربنا جل وعلا على أمرين عظيمين: أمر توحيده سبحانه وتعالى، وكذلك أمر البعث الذي أنكره كفار قريش وغيرهم من العرب، كانوا ينكرون البعث، كما ذكر الله عز وجل في آيات كثيرة، وخاصة السور المكية، تجد فيها كثيرًا ما يذكر الله عز وجل ما يتعلق بالبعث بعد الموت وما يدل على ذلك. ومن الأدلة التي ذكرها الله عز وجل وكررها كثيرًا في القرآن: خلق السماوات والأرض. فذكر هذه السماوات العظيمة وكيف خلقها سبحانه وتعالى، وأن خلقها عظيم، حتى قال جل وعلا: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾ [غافر: 57]، فخلقهما أكبر من خلق الناس لأنها عظيمة، فخلقها الله عز وجل بتلك الصفة العظيمة التي حبكها ربنا جل وعلا، ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴾ [الذاريات: 7]، أي جعلها الله عز وجل محبوكة، ليس فيها شيء من الانشقاق، ولا شيء من التفطر، ولا شيء مما يسوءها أو يخدش في حبكها، بل حبكها الله عز وجل، وجعلها بغير عمد، لم يكن هناك أعمدة تمسكها، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ﴾ [فاطر: 41]، ما يستطيع أحد يمسك هذه السماوات، فجعلها الله عز وجل، خلق السماوات بغير عمد ترونها، خلقها بدون أعمدة، وجعلها محبوكة عظيمة، وزينها بالنجوم في هذه البروج، ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾ [الملك: 5]، ﴿ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾ [الصافات: 6]، وزينها بهذه النجوم العظيمة التي تبرق في السماء، وغيرها مما جعله ربنا جل وعلا مما يبهر الخلق، ومما ينبغي أن يتفكر فيه الإنسان. وكذلك هذه الأرض العظيمة التي جعلها الله عز وجل محل معاش، ومحل أيضًا سكن فيها للإنسان، وجعل هذه الأرض مفروشة مبسوطة، وجعل لها أوتادًا ورواسي حتى لا تميد بالناس، وحتى لا تتحرك، وحتى لا تهتز، فجعل مثل هذه الآيات العظيمة حتى يتفكر الإنسان في مثل هذه الأمور العظيمة. كذلك أيضًا قال المؤلف رحمه الله هنا: «والتبصر بآياتها وتدبر خلقها». فالتفكر في مخلوقات الله عز وجل من أعظم العبادات، من أعظم العبادات، حتى أنه جاء عن ابن عباس، وعن غيره من السلف، وجاء حديثًا مرفوعًا مختلف فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة». تفكر ساعة خير من عبادة سنة، عن الذي يجلس التفكر في مخلوقات الله العظيمة ساعة واحدة، خير له من أن يعبد الله عز وجل سنة. لماذا؟ لأن هذا التفكر يستفيد به، لا شك ولا ريب، يستفيد به في إيمانه، وفي تعظيمه لله جل وعلا، فيستفيد في طريقه إلى الله جل وعلا أكثر، أحيانًا وغالبًا، ممن اعتاد مثلًا أن يعبد الله عز وجل أو يصلي في شيء من الأوقات، فقد لا يتأثر بهذه الصلاة، وقد أيضًا لا ينتفع بهذه الصلاة، أقصد من ناحية إيمانه. فلهذا فالتفكر ينتفع به انتفاعًا عظيمًا. وهذا التفكر الذي يكون في مخلوقات الله، ليس كما يظن بعض الناس، كالمعتزلة، وكذلك بعض الإخوان المسلمين وغيرهم، أن التفكر في هذه الآيات لأجل أن يعرف أن الله عز وجل هو الخالق، أو أن يعرف أن الله عز وجل مبدع أو بديع، أو غيرها من هذه الأشياء. هذه أصلًا شيء معلوم عند الناس غالبًا، وخاصة عند المسلمين. وإنما يستدلوا ويتفكر في هذه الآيات لأجل أن يعظم الله في قلبه، أن يعظم الله في قلبه، فيقوده ذلك إلى القرب من الله ومحبة الله جل وعلا، وكذلك أيضًا يقوده ذلك إلى عبادة الله سبحانه وتعالى. فهذا الذي ينتفع بهذا التفكر، فهذا الذي ينتفع بهذا التفكر. وكذلك أيضًا أمر عظيم كما ذكرنا، يكون التفكر لأجل توحيد الله جل وعلا ومعرفة توحيده، وكذلك معرفة البعث بعد النشور، وأنه حق. ولهذا ربنا جل وعلا استدل بهذه الآيات، أو بهذا، بهذه الآيات على توحيده جل وعلا، وعلى أيضًا أنه سبحانه وتعالى يبعث الناس بعد موتهم، بعد موتهم. فقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ ﴾ [آل عمران: 190]. وقول: ﴿ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ أيضًا كذلك، اختلاف الليل والنهار من الآيات العظيمة التي يحدث الله عز وجل فيها تعاقب الليل والنهار، وتحصل وتحصل فيه الأيام والشهور والأوقات، فتعرف الأوقات الليلية، وتعرف الأوقات النهارية، وغيرها من الآيات العظيمة التي تكون في تعاقب الليل والنهار. ولهذا تجد أيضًا كذلك أن ربنا جل وعلا ذكر الليل والنهار في آيات كثيرة، وأنها من آياته العظيمة، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ [فصلت: 37]، ﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: 37]. فهذه أيضًا، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾ [الليل: 1-2]، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ [الشمس: 1-2]، وغيرها من الآيات التي ذكرها ربنا جل وعلا في آية الليل وآية النهار، حتى يتفكر العبد في مثل هذه الآيات العظيمة، ويستدل بها على عظمة الله جل وعلا، فيزداد إيمانه، ويزداد يقينه بالله سبحانه وتعالى، فيثمر هذا بعد ذلك في نفسه كثرة العبادة، ومحبة الله عز وجل، ومحبة دينه، ومحبة ما يحبه الله جل وعلا. قال رحمه الله: «وأبهم قوله آيات، ولم يعين المطلب، إشارة لكثرتها وعمومها». على المطلب الفاني، أي جميع الآيات، وإنما قال: ﴿ لَآيَاتٍ ﴾، فأبهم هذه الآيات، ولم يذكر ما هي هذه الآيات التي يستفاد منها، لكن قد ذكر بعضها في القرآن، كما قد ذكرنا وأشرنا إلى شيء من ذلك. لكن قال الله عز وجل: ﴿ لَآيَاتٍ ﴾، هذه الآيات هي كثرة، وأيضًا آيات عظيمة، لكن أراد ربنا جل وعلا أن ينبه عليها، فلم يعين هذه الآيات، بل أبهمها سبحانه وتعالى. قال: «وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية». وأن هذه مما يكون من الانتفاع بهذه الآيات، فهناك آيات عظيمة جعلها الله عز وجل في هذا الكون. وكما تعلمون أن التفكر في آيات الله يقود إلى الإيمان، وكما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن التفكر من الأبواب العظيمة التي ينبغي للمسلم أن ينشغل بها. فذكر رحمه الله في «الجواب الكافي» أن هناك خمسة أشياء هي التي تجعل قلب العبد يفكر في الدار الآخرة، ويفكر في ربه جل وعلا وعبادته. فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن ثابت: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». فهذا كيف يجعل همه الآخرة؟ فأعظم شيء مما يجعل همه الآخرة أن يتفكر ويتدبر آيات الله عز وجل الكونية والشرعية، الكونية والشرعية. فهذه التفكر والتدبر يقوده إلى التفكر في الدار الآخرة، وما عده الله عز وجل لأهل المتقين في الجنات، وما عده أيضًا ربنا جل وعلا للمخالفين في النار. فلهذا فهناك آيات عجيبة، ﴿ لَآيَاتٍ ﴾، وهذا لأجل أنها عجيبة عظيمة، فنكرها ربنا جل وعلا، فقال: ﴿ لَآيَاتٍ ﴾، فهي فيها آيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئذة الصادقين، يجذبها إلى تعظيم الله وعبادته، يجذبها إلى أيضًا التفكر في هذه المخلوقات العظيمة، وهذه المخلوقات النيرة. قال: «وأما تفصيل ما اجمل عليه فلا يمكن مخلوقا أن يحصره ويحيط ببعضه». معناه: هذه الآيات كثيرة، لا يستطيع الإنسان أن يفصل هذه الآيات ويأتي عليها كلها، ولهذا أبهامها الله عز وجل، قال في الجملة: «فما فيها من العظمة والسعة وانتظام السير والحركة يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه، وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنع ولطائف الفعل يدل على حكمة الله، ووضعه الأشياء مواضيعها، وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره». أن إذا تفكر الإنسان في هذه الأشياء، وجد أشياء عظيمة جعلها الله عز وجل، ووضعها ربنا سبحانه وتعالى في مثل هذه المواضع، وأحكم خلقه، وأبدع جل وعلا صنيعه، حتى يتفكر بنو آدم وغيرهم في هذه المخلوقات العظيمة، فينتفعون بعظمة الله جل وعلا وسعته، وهذا مما يثمر العبادة والطاعة. وأيضًا كذلك يثمر الإيمان الذي يزداد في قلوب هؤلاء الصالحين الذين تدبروا مثل هذه الأمور. وأيضًا كذلك يستدل بها العبد على سعة رحمة الله وفضله جل وعلا، وشمول بره، فيتوجب عليه بعد ذلك شكره. قالوا: «كل ذلك يدل على تعالي القلب، أو تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه». بأن هذه الأشياء يبين الله عز وجل أنه خلقها وأبدعها، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ [لقمان: 11]. فيستدل ربنا جل وعلا على هذه المخلوقات بتوحيده جل وعلا، وأنه هو الواحد سبحانه وتعالى الذي خلق هذه الأشياء، فهو الذي يستحق العبادة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]. اعبدوا ربكم، لماذا؟ لأنه الذي خلقكم، وخلق هذه المخلوقات العظيمة، وسخر ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، سبحانه وتعالى، لهذا الإنسان. فكيف بعد ذلك ينصرف هذا الإنسان إلى غيره، ويشرك بالله جل وعلا، ويصرف العبادة لغيره من المخلوقات التي لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولم يكن لها خلقًا ولا شيئًا من هذه الأشياء؟ كما قال ربنا: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ [النحل: 73]، ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 66]، ﴿ وَيَصْرِفُونَ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾ [النحل: 20-21]. فهم لا ينفعون بشيء، ولا يملكون شيئًا، فكيف يكونون آلهة، ويكونون أو يعبدون من دون الله، أو يشركون في عبادتهم لله جل وعلا، أو بالله سبحانه وتعالى؟ قال رحمه الله: «قال المؤلف: ولا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء». وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول، لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم، ينظرون إليها فيتفكرون، ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]. فلهذا هذه الآيات العظيمة يتفكرون فيها، فتقودهم إلى ذكر الله، فتقودهم إلى محبة الله، فتقودهم إلى عبادة الله جل وعلا. فهؤلاء هم أولو الألباب، وأولو العقول، الذين انتفعوا بعقولهم. فربنا جل وعلا ميز الإنسان بالعقل، ميز الإنسان عن غيره بالعقل، لكن إن استفاد هذا الإنسان من هذا العقل، فإنه قد ارتقى، وإن لم يستفد من هذا العقل، صار مثله مثل الحيوانات، أو ما هو أنزل: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ [الفرقان: 44]، بل هم أضل. فهذا الذي لم يستفد من عقله، ولم يقوده عقله إلى عبادة الله جل وعلا، وإلى التفكر في مخلوقات الله، وإلى تدبر آياته سبحانه وتعالى. فهذا ما ذكره المؤلف رحمة الله عليه في تفسير هذه الآية. إن شاء الله وتعالى نقف إلى هذا الحد، ونكمل إن شاء الله وتعالى في الدرس اللاحق الآية التي بعدها. فلله الحمد رب العالمين.