الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 133، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الشيخ السعدي الآية مبيناً أن الخطيئة هي الكبائر والإثم هو الصغائر، وأن من يرتكب ذنباً ثم يتهم به بريئاً فقد جمع بين إثم الفعل وبهتان الاتهام والكذب، مما يترتب عليه ظلم البريء بإقامة العقوبة عليه وإسقاطها عن الجاني الحقيقي، وهذا من كبائر الذنوب لكثرة مفاسده.
يستعرض المقطع أمثلة تاريخية ومعاصرة لاتهام الأبرياء بالجرائم كالقتل والزنا، مبيناً المفاسد الدنيوية المترتبة على ذلك من عقوبات ظالمة وتشويه سمعة، ويؤكد أن البهتان إثم عظيم مستدلاً بالآية الكريمة وأحاديث النبوي التي توعد من يرمي أخاه بما ليس فيه بعذاب الآخرة.
يحذر النص من اتهام المسلم بجرائم لم يرتكبها كالسرقة والزنا والقتل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾، وبحديث «من قال في أخيه ما ليس فيه فأسكنه الله ردغة الخبال»، ويبين أن على القاذف إما إثبات دعواه أو التوبة والاستحلال من أخيه، محذراً من تحويل الظن والرويات غير المؤكدة إلى أحكام جزافية.
يختم المتحدث بالتأكيد على عظمة إثم البهتان والافتراء مستشهداً بالآية الكريمة، ثم يسأل الله العفو والسلامة من هذه الآفات، ويختتم بالحمد لله مع ذكر اسم المترجمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾. ثم قال: ﴿ مَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ أي ذنباً كبيراً، ﴿ أَوْ إِثْمًا ﴾ ما دون ذلك؛ لأنه ذكر الخطيئة وذكر الإثم، فالإثم المراد به الصغائر، والخطيئة المراد بها الكبائر. هكذا فسرها جماعة من العلماء، قال: ما دون ذلك. ﴿ ثُمَّ يَرْمِي بِهِ ﴾ أي يتهم بذنبه بريئاً من ذلك الذنب، وإن كان مذنباً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً. وإن كان مذنباً أي في الباطل لكن لا يعرف عنه هذا. قال: ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾ أي فقد حمل فوق ظهره بهتاناً للبريء وإثماً ظاهراً بيناً. وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وآثارها؛ فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رمي من لم يفعلها بفعلها. إنه يفعل شيئاً: إما زنا، وإما سرقة، وإما غيرها من هذه الأمور، ثم يرمي بها شخصاً آخر، يقول: فلان الذي فعل، وفلان الذي أتى هذه المرأة، وفلان الذي سرق بيت فلان، فيجعلها في غيره حتى لا يؤتى به، أو لا يظهر جرمه، فيتهم غيره. فهذا قد ارتكب مفاسد: أولاً، كما قال الشيخ، كسب الخطيئة والإثم. ثم الأمر الثاني: أنه رمى من لم يفعلها، وهذا بهتان أيضاً. الأمر الثالث: الكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء. ثم ما يترتب على ذلك من العقوبة الدنيوية: تندفع عن من وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها. يتهم غيره ويأتي له بالشهود أن فلاناً هو الذي فعل، فيلبسون رجلاً منهم، أو يلبسون التهمة رجلاً وهو بريء منها. وهذا يحصل كثيراً في القتل، وفي الزنا، وفي السرقة. تجد القاتل يقتل ثم يرمي بها غيره، يقول: فلان الذي قتل، حتى لا يشتبه عليه، فيضع التهمة في فلان. وقد يأتي له بشهود أن فلاناً هو الذي قتل، يشهدون أن فلاناً هو الذي قتل، أو أن هناك قرائن استدل بها القاضي على أن فلاناً هو القاتل. وقد حصل قديماً وحديثاً: حصل قديماً في عهد بعض أمراء بني أمية، تهموا رجلاً وهو ليس الذي فعل، ثم لما أرادوا أن يقتلوه ظهر القاتل. وهكذا حصلت أيضاً في السعودية قريباً، وأنا في السنوات التي سبقت، اتهموا رجلاً بالقتل وسجن خمس عشرة سنة، ثم حكم عليه بالإعدام، فلما أرادوا أن يقتلوه ظهر القاتل واعترف أنه هو الذي قتل وليس هذا. تجد أن هذا يحصل أيضاً. كذلك يحصل في الزنا كثيراً: يأتي يزني مثلاً ويرمي بها أقرب الناس، إما أن يكون جار هذه المرأة أو غيرها، حتى إذا ظهر الحبل، إذا ظهر أن المرأة حامل وهي ليست لها زوج أو زوجها غائب، تجد أنهم يحملونها من كان قريباً منها حتى تكون التهمة أكثر، فيرمي بها بريئاً. فهذا إثم عظيم تترتب عليه هذه العقوبة أو هذه المفاسد والآثام العظيمة. قال: ﴿ وَتُقَامُ عَلَى مَن لَّا يَسْتَحِقُّ ﴾. ثم ما يترتب على ذلك أيضاً من كلام الناس في البريء إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل الله العافية منها ومن كل شر. ولا شك أنه لا يضر هذا البريء، هذا البريء لا يضره كلام الناس ولا غيره عند الله عز وجل، فالله عز وجل أعلم بالأمور. لكن المفاسد التي تحصل في الدنيا من اتهامه ومن عقوبته ومن غير ذلك، فهذا أيضاً مما يجعل الأمر أعظم. لهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾. البهتان: أن يتهم الشخص بما ليس فيه، كما جاء في الحديث الذي في مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الغيبة ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن كان ليس فيه ما تقول فقد بهته». فقد بهته: من البهتان والإفك الذي لا يجوز للمسلم أن يتهم غيره. فإذا تكلم في إنسان بغير حق واتهمه بالباطل، فإن هذا بهتان. وقد جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد، وكذلك أخرجه ابن ماجه وغيرهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». من قال في أخيه ما ليس فيه، قال: إنه سارق، أو قال: إنه لص، قال: إنه يسرق كذا وكذا، قال: إنه زان، قال: غيرها من هذه الأشياء التي يقولها في صاحبه، وهي التي قصدها الله عز وجل في قوله: ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾. يتهمه بشيء من الفسوق: من الزنا، أو من القتل، أو من السرق، أو غير ذلك، فيقال: فلان السارق، فيقول: جاء فلان السارق، جاء فلان الزاني. فهذا مما حذر الله عز وجل منه: ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. فهذا الظالم الذي يتهم أخاه، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في أخيه ما ليس فيه فأسكنه الله ردغة الخبال». ردغة الخبال: كما جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم، هو عصارة أهل النار، عصارة أهل النار: أي ما يخرج من عرقهم، ومن قيحهم، ومن حيض النساء، وغير ذلك، أو من الدم الذي يخرج منهم وغير ذلك من أهل النار. عصارة هذه كلها تكون في مكان، فيسكن الله عز وجل هؤلاء فيها. وانظر وتأمل نتن هذه العصارة، عصارة خبائث، فتكون منتنة. فقال: «أسكنه الله ردغة الخبال»، وهي عصارة أهل النار، ﴿ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ﴾. يخرج مما قال: معناه يأتي بمخرج له، إما أنه يثبت ما قال، أو أنه يتراجع ويتوب ويطلب العفو من أخيه مما قال فيه. أو حتى أنه مثلاً اشتبه الآن، الناس يأخذون بكل كلام، قال فلان، وقيل كذا، فيجعلونها، أو حتى في الاتهامات تجد بعضهم يريد مثلاً أن يأتي بالقصة على وجهها، فيقول مثلاً: سرق بيت فلان، ويقول: السارق معروف، فلان هو الذي سرق، مع أنه ليس متأكداً من هذا، وإنما سمع شيئاً من بعضهم الذين نقلوا، فقال: لعل فلان هو الذي فعل. أن أحياناً تكون من باب الظن، لكن تصل عند بعض الناس الذين يحبون الكلام ويحبون القصص ويحبون الأخبار، فيجعلونها جزماً. فذاك ظن، وهذا جزم: أنه فلان الذي فعل هذا. وهكذا في جميع المصائب، حتى في القتل لا يتورعون، فيقولون: فلان الذي قتله، وتجد أنه لا يعلم إلا خبر يسير أتاه أنه لعله فلان الذي قال ذلك. وهذا كله من الإثم العظيم الذي ذكره ربنا جل وعلا هنا: ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾. فنسأل الله عز وجل أن يعفو عنا وأن يسلمنا من هذه الأمور. الحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر