الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 134، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تتناول الآيات حادثة سرقة قام بها قوم ثم رموا التبعة على بريء، وطلبوا من النبي ﷺ تبرئة السارق، فأراد الاستجابة لهم، فأنزل الله الآية مذكراً بنعمته على رسوله وحفظه من أن يضلوه، ومحذراً إياه من الخصومة عن الخائنين.
يبين المقطع نوعي الضلال: ضلال في العلم وهو الجهل بالحق، وضلال في العمل وهو العمل بغير شرع الله، ويؤكد أن الله حفظ نبيه من كليهما وأفشل مكر المنافقين، وجعل عاقبتهم الخسران، ومنّ عليه بإنزال الكتاب والحكمة عصمةً له من كل ضلال.
يفسر المقطع الحكمة بأنها السنة النبوية أو معرفة أسرار الشريعة ووضع الأشياء مواضعها، ويبين أن النبي ﷺ كان جاهلاً بالكتاب والإيمان قبل الوحي، ثم علمه الله الكتاب والحكمة حتى أصبح أعلم الخلق، وفضله الله بذلك على جميع خلقه فجعله سيد ولد آدم.
يشير المقطع إلى أن أصناف الفضل الذي منّ الله به على النبي ﷺ لا تُحصى، وأن الله زكّاه في الأخلاق والدين والعبودية وسائر الميادين، داعياً إلى شكر الله على هذا الفضل العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. يقول رحمه الله: ثم ذكر منته على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله، فقال جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾. قال: وذلك أن هذه الآيات الكريمات قد ذكر المفسرون أن سبب نزولها أن أهل بيت سرقوا في المدينة، فلما اطلع على سرقتهم خافوا الفضيحة وأخذوا سرقتهم فرموها ببيت من هو بريء من ذلك، واستعان السارق بقومه أن يعتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلب منه أن يبرئ صاحبهم على رؤوس الناس، وقالوا: إنه لم يسرق، وإنما الذي سرق من وجدت السرقة ببيته وهو البريء. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم، فأنزل الله هذه الآيات تذكيرًا وتبينًا لتلك الواقعة. عن أنهم سرقوا، كما ذكر هذا سبب النزول، علامة التفسير وإمام أهل التفسير الإمام ابن جرير الطبري: فهؤلاء سرقوا، ثم لما خشوا أن يفتضحوا ألقوا ما سرقوه في بيت جيرانهم، ثم لما قيل لهم: أنتم سرقتم، قالوا: لا، إنما السارق فلان وهو البريء. ولهذا قالوا لنبي الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم على رؤوس الناس، وقالوا: إنه لم يسرق، وإنما الذي سرق من وجدت السرقة ببيته وهو البريء. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم، فأنزل الله هذه الآيات تذكيرًا وتبينًا لتلك الواقعة، وتحذيرًا للرسول صلى الله عليه وسلم من المخاصمة عن الخائنين. فإن المخاصمة عن المبطل من الضلال، فإن الضلال نوعان: ضلال في العلم وهو الجهل بالحق، وضلال في العمل وهو العمل بغير ما يجب. وأن هذا العلم والعمل فالحق هو العلم بالحق، والحق أيضًا كذلك في العمل هو العمل بما يجب وما شرع الله. والضلال عكسه: ضلال في العلم وهو الجهل بالحق، وضلال في العمل وهو العمل بغير ما يجب. قال: فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال كما حفظه عن الضلال في الأعمال، وأخبر أن كيدهم ومكرهم يعود على أنفسهم، فحالة كل ماكر... ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾، لكون ذلك المكر وذلك التحيل لم يحصل لهم فيه مقصودهم، ولم يحصل لهم إلا الخيبة والحرمان والإثم والخسران. فأرجع الله عز وجل كيدهم في نحورهم، وجعل خداعهم خداعًا عليهم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾. قالوا: ذلك التحيل لم يحصل لهم فيه مقصودهم، ولم يحصل لهم إلا الخيبة والحرمان والإثم والخسران. وهذا نعمة كبيرة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، يتضمن النعمة بالعمل وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم، وأن وفقه الله عز وجل. وهذا الفضل الذي ذكره الله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾، أي: لا يضرونك ما دام أن الله عز وجل هو المتكفل بحفظك. قال: ثم ذكر نعمته عليه بالعلم: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، أي: أنزل عليك هذا القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه تبيان كل شيء وعلم الأولين والآخرين. فامتنى الله عز وجل على نبيه بفضل العلم والحق الذي أنزله الله عز وجل عليه، وهو العلم بالحق والعمل بالحق. قالوا: الحكمة إما السنة. ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، قالوا: الحكمة إما السنة التي قال فيها بعض السلف: إن السنة تنزل عليه كما ينزل القرآن. وهذا قول جمهور أهل العلم على أن الحكمة هي السنة. قالوا: وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها، وتنزيل الأشياء منازلها، وترتيب كل شيء بحسبه. أو كما يقول بعضُهم: العلم، الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وضع الشيء في موضعه هو الحكمة وهو العدل. ولا يختلف أيضًا أن يكون هو السنة، لأن السنة هي حكمة عظيمة من الله وهي وضع الشيء في موضعه. فإذا خالف السنة فلم يضع الشيء في موضعه. فسنة في الاعتقاد، السنة في العمل، السنة في السلوك والطريقة، كل ذلك حكمة. من أنزلها الله عز وجل، من اتبع السنة فقد أوتي الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. قالوا: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾. وهذا يشمل جميع ما علمه الله عز وجل، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كما وصفه الله قبل النبوة: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. هذا كان قبل ما كان يعلم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدين، لكن علمه الله عز وجل الكتاب والحكمة. ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. قال: ثم لم يزل يوحى... يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقامًا من العلم يتعدى... يتعدى علمه إلى الأولين والآخرين، فكان أعلم الخلق على الإطلاق وأجمعهم لصفات الكمال وأكملهم فيها. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فأعطاه الله عز وجل علم الأولين والآخرين، أعطاه علمًا عظيمًا. قال: ففضله على الرسول... ففضله على الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من فضله على كل الخلق، ولهذا فضله عليهم فهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام. قالوا: أجناس الفضل الذي قد فضله الله به لا يمكن استقصاؤه ولا يتيسر إحصاؤه. ولهذا زكاه الله عز وجل في كل المجالات وفي كل الطرق، زكاه الله عز وجل في الأخلاق وفي الديانة وفي العبودية وفي غير ذلك. فنسأل الله تعالى شكرًا.