تفسير آيات الصيام 2

تفسير آيات الصيام 2

الدرس في تفسير آيات الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مراحل تشريع الصيام والتيسير في قوله تعالى: أياما معدودات

تناول المقطع المرحلة الأولى من تشريع الصيام حيث كان المسلم يصوم ثلاثة أيام مختارة في الشهر مع رخصة الإفطار للمريض والمسافر والقضاء، وفدية إطعام مسكين لمن يطيق الصيام بمشقة، وكل ذلك من صور التيسير الإلهي.

فدية الطعام لمن يطيق الصيام وتفضيل الصيام على الإطعام

بيّن المقطع أن الصحيح المقيم يخير بين الصيام وإطعام مسكين عن كل يوم يفطره، ويجوز الزيادة في الإطعام تطوعاً، لكن الصيام أفضل لما فيه من تقوى وتهذيب للنفس، كما أن وصف الصيام بأيام معدودات ينطبق على شهر رمضان.

تدرج فرض الصيام ونسخ آية الفدية وبقاء حكمها في حق العاجزين

وضح المقطع تدرج تشريع الصيام من ثلاثة أيام مختارة إلى شهر رمضان، وأن آية الفدية نسخت في حق من يطيق الصيام وبقيت في حق الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه، فيسقط عنهم الصيام ويجب الإطعام، بينما يجب الصيام على من يطيقه إلا بعذر سفر أو مرض فيقضون.

خاتمة تفسير الآية والاكتفاء بالبيان

أعلن المتحدث انتهاء بيان المعنى الإجمالي للآية الكريمة والاكتفاء بما ذُكر، مختتماً الكلام بالحمد لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فنواصل التعليق والوقفات مع آيات الصيام. قال الله عز وجل: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، هذا من التيسير والتسهيل في أحكام العبادات ومنها الصيام. فقوله سبحانه وتعالى فيما سيأتي معنا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، هذا التيسير في عبادة الصيام وردت في مواضع كثيرة. منها أولاً: قلة أيام هذه العبادة مقارنة مع عدد الشهور، شهور السنة. فقوله هنا: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، كان في أول الأمر، وهذا أيضاً من التسهيل، تسهيل وتيسير عبادة الصيام. مر بمراحل في مشروعيته، لم يشرع مباشرة شهراً كاملاً في شهر رمضان، وإنما مر بمراحل. من هذه المراحل: في أول الأمر كان الصيام ثلاثة أيام في كل شهر، ثلاثة أيام في كل شهر. شهر محرم على المسلم أن يصوم ثلاثة أيام، شهر صفر على المسلم أن يصوم ثلاثة أيام، وهكذا غيرها من الشهور. ومع هذا فالصيام في هذه الثلاثة الأيام ليس على وجه الإلزام، وإنما على وجه التخيير. على وجه التخيير، يعني من شاء أن يصوم صام، ومن لم يشأ أن يصوم أطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً. فقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، أي في الشهر ثلاثة أيام. الشهر عبارة عن تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، ففي هذا الشهر تصوم ثلاثة أيام، فهي أيام معدودات. في السنة سيكون المجموع ستة وثلاثين يوماً، ثلاثة في اثني عشر بستة وثلاثين. فلا شك أن هذا فيه تيسير. ما قال: صوموا نصف الشهر، وما قال: صوموا ثلث الشهر، ثلاثة أيام في الشهر فقط. هذا في أول الأمر. ومن التيسير أيضاً في هذه الثلاثة الأيام: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، يعني من كان مريضاً أو مسافراً رخص له في الإفطار، رخص له في الإفطار، ثم يقضي هذه الثلاثة الأيام متى ما تمكن من صيامها. هذا أيضاً من التيسير في الصيام. ومن التيسير أيضاً في الصيام من أول الأمر: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، مساكين أو مسكين، مسكين. فدية طعام مسكين، بمعنى الذي يستطيع الصيام، ليس بمريض وليس بمسافر، فهنا يخير بين الصيام وبين الإطعام. ولو كنت صحيحاً قوياً مستطيعاً للصيام، إن شئت أن تطعم أطعم ولا تصم. هذا في أول الأمر. تطعم كل يوم أفطرته مسكيناً. لو أفطرت الثلاثة الأيام في الشهر فإنك تطعم ثلاثة مساكين، تطعم ثلاثة مساكين. أفطرت يوماً تطعم مسكيناً واحداً، وهكذا. وقوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾، بمعنى من أفطر ثلاثة أيام وأطعم ستة أو سبعة أو عشرة، فهذا خير له. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾، يعني زيادة التصدق. ولذلك استدل العلماء بهذا على جواز الزيادة على حد الصدقة، وأن هذا ليس من باب البدعة. فمثلاً: أنت عليك زكاة مال، زكاة المال هذا الواجب عليك مليون، وقلت: أنا سأخرج مليوناً وخمسمائة. لا، ليس على سبيل الاحتياط في العبادة، لا، وإنما على سبيل التصدق. لأن الصدقة قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، فالأمر في الصدقة واسع. ومثله مثلاً زكاة الفطر، زكاة الفطر كما هو معلوم على كل مسلم صاع. فلو قال إنسان: أنا سأخرج صاعين أو ثلاثة أو جواريب كاملة تصدق بها، ويقال له: جزاك الله خير، هذا أمر طيب. لكن ليس على سبيل الاحتياط وأن هذا الصاع قد لا يكفي أو نحو ذلك، لا، وإنما على سبيل الصدقة. وهكذا في هذا الموضع. ثم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، بمعنى أن من يطيق الصيام رخص له في الإطعام، والصيام خير له. الصيام خير له، لماذا؟ لأن الصيام عبادة، وهذه العبادة لها أثر في تربية الصائم من اكتساب التقوى كما تقدم، ومن تهذيب النفس، ومن كذلك التقرب إلى الله عز وجل. فرخص في الإطعام ورغب في الصيام. لهذه الآية، ربنا سبحانه وتعالى رخص في الإطعام ورغب في الصيام، مع أنه على سبيل الاختيار، وليس على سبيل الإلزام، وليس على سبيل الإلزام. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، أيضاً ينطبق ذلك على فرضية الصيام في شهر رمضان. فلما كان الصيام متفرقاً خلال السنة صار المجموع ستة وثلاثين يوماً. ولما فرض الله عز وجل الصيام في شهر واحد جعله ثلاثين أو تسعة وعشرين، على حسب خروج ودخول الشهر. فإذا ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ أيضاً ينطبق على شهر رمضان، فهو أيام معدودات مقارنة مع شهور السنة. اثنا عشر شهراً في السنة، شرع الله عز وجل على المسلم وفرض عليه أن يصوم منها شهراً واحداً. انظر كم النسبة: اثنا عشر، تصوم شهراً واحداً، لا شيء مقارنة مع عدة شهور السنة، فهي أيضاً أيام معدودات، أيام معدودات. وهذا أيضاً من التيسير. إذن الآن معنا من تيسير الله عز وجل وتسهيل الله سبحانه وتعالى لعباده في هذه العبادة من عدة أوجه: أولاً: تدرج في فرضية هذا الصيام، فجعل الصيام في أول الأمر ثلاثة أيام في كل شهر. ثم جعل صيام هذه الثلاثة الأيام على سبيل الاختيار بين الإطعام والصيام، بين الإطعام والصيام. ثم رخص للمريض والمسافر أن يفطر، أن يفطر. فهذا كله من ماذا؟ كل ذلك من التيسير، كل ذلك من التيسير في هذه العبادة. وسيأتي معنا أيضاً مواضع أخرى يتبين فيها تيسير الشارع الحكيم لعباده في هذه العبادة، عبادة الصيام. وهنا أيضاً أمر جاء عن بعض السلف، وهو في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فيه أن هذه الآية منسوخة، نسخت في آية أيش؟ آية الصيام في شهر رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فهذه الآية: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، نسخت هذه الآية. لكن بقيت، بقيت مسألة لم يشملها النسخ، كما قال ابن عباس. وهذا معنى مراد ابن عباس في قوله: إن هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ لم تنسخ. ما معنى قوله لم تنسخ؟ يعني لم تنسخ في حق من لم يطق الصيام، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، أو المريض الذي لا يرجى برؤه. فهنا هؤلاء يبقى الحكم حكم الإطعام في حقهم. فالشيخ الكبير والشيخة الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه، هؤلاء لا صيام عليهم، لا صيام عليهم، لكن ينتقلون إلى ماذا؟ ينتقلون إلى الإطعام. فهو بمعنى: الصيام الأول، أي من يطيقه يصوم أو يفطر، ثم نسخ الصيام في حقه فصار يصوم شهراً كاملاً، ونسخ الإطعام في حقه. لكن في حق من لم يستطع الصوم، أي من لم يطق الصوم، فيبقى في حقه ماذا؟ الإطعام. فلذلك الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه يسقط عنهم الصيام، ويجب عليهم الإطعام، ويجب عليهم الإطعام، استدلالاً بهذه الآية وبما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأما الذي يطيقه فلا يجوز له الإطعام، بل يجب عليه الصيام، يجب عليه الصيام، إلا إن كان من أهل الأعذار كالمريض أو المسافر، فسيأتي معنا أيضاً في الآية التي بعد هذه أن الله عز وجل رخص لهم في الإفطار وأمرهم بالقضاء عند الإمكان، بالقضاء عند الإمكان. هذا هو المعنى الإجمال لهذه الآية، الآية، وبه نكتفي. وإلى هنا والحمد لله.