الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 132، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تؤكد الآيات أن كل إنسان يتحمل وزر عمله وحده ولا ينفعه لوم غيره يوم القيامة. لذا يجب على المسلم المبادرة بالتوبة والرجوع إلى الحق قبل فوات الأوان.
يوضح المقطع أن السكوت عن المنكر يجلب العقوبة العامة كما حدث مع بني إسرائيل الذين لُعنوا. ويؤكد أن الواجب الإنكار للاعذار عند الله ومن تركه فقد كسب إثماً.
يبين أن الله لا يعاقب إلا بقدر الذنب وأن من أعظم العقوبات إبعاد العبد عن الطاعة. ويحذر من الاغترار بالأعمال الصالحة مع الإصرار على المعصية والاعتماد على المغفرة دون توبة صادقة.
يوضح أن من يدعي الرغبة في التوبة وهو مقيم على الذنب لم يصدق في توبته لأن التوبة الحقيقية تتطلب العزم والإقلاع. وينبه إلى أن هذا الصنف داخل تحت آيات الوعيد داعياً الله بالتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾. انتهينا من هذا، طيب. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾. قال رحمه الله: وهذا يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، أو كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه لا تتعداها إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾. عن الذي يكسب سيئة ويكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه، ليس على غيره، ليس غيره الذي يلام، وإنما يلام هو نفسه. ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾، أنا كل واحد كما يقال ذنبه على جنبه، أنا هو المسؤول على هذه الذنوب وترجع إليه. فلذلك جاء في الآية الأخرى: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾، فإنما يتهم صاحبه وليس غيره. وإذا أذنب لا يجعل اللوم في غيره، وإنما اللوم عليه. ولهذا لا ينفع يوم القيامة الملامة ممن كان متبعا في الدنيا أو كان تبعا في الدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾، فتبرأوا منهم. ولأنهم ليس لهم عذر أنهم يتبعون فلانا وفلانا، وأنهم ما وقعوا في هذا الإثم إلا بسبب فلان وفلان، فالله عز وجل لم يقبل هذا العذر، كما قال عن بعضهم: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ﴾، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب. يعني لم يقبل الله عز وجل عذرهم أنهم تمسكوا بفلان وفلان أو اتبعوا فلانا وفلانا، فهذا ليس عذرًا ينجي. بل ﴿ مَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾، فالله عز وجل جعل لك عقلا وسمعا وبصرا حتى ترى الحق وتنظر الحق وتسمع الحق، وأنزل الله عز وجل إليك كتابا، وبينه نبينا عليه الصلاة والسلام، فليس للإنسان عذر. ما جعل الله عز وجل للناس أعذارا، وخاصة بعد بعثة الرسل، كما ذكر الله عز وجل. فلذلك فليس له عذر أنه يتعذر أنه اتبع فلانا أو اتبع فلانا. وأيضا لا ينفعه التندم عندما يتندم ويعض على كلتا يديه، أو يعض على يديه، ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾. وعن لم ينفعه هذا التندم، ولم ينفعه أنه اتبع فلان وأن فلان أضله. كل ذلك لا ينفعك يوم القيامة، لا تأتي تقول: إنما هذا بسبب فلان، وفعلت هذا، أغرني فلان، أغرني شيطان. كل هذا لا ينفع، وإنما الإثم يكون عليك وبالهُ عليك، إلا أن ترجع وتتوب إلى الله جل وعلا. فإذا كان مثلا حملك على الإثم فلان، فلماذا لم ترجع؟ لماذا لم تتوب؟ لماذا لم تتركه؟ كثيرا من الناس تجدهم يريد الحق ويريد كذلك الخير ويريد السنة، لكنه يصحب أناسا من أهل الكبائر أو من أهل البدع أو من أهل التحزبات أو من غيرهم ممن ابتعد عن منهج السلف، سواء كان بغلو أو بجفاء. تجده يريد أن يرجع لكن عدم رجوعه أن فلانا صاحبه في الجهة الأخرى، أو أصحابه الذين يعرفهم على ذلك المذهب المخالف، فيبقى على ذلك لأجل هذا. فهذا لا يخرجه عن الإثم، وليس له أيضا عذر يوم القيامة عند الله جل وعلا، أن ما ينفع أنك تقول يوم القيامة: رأيت أصحابي على هذا المذهب، رأيت أصحابي على هذا السير. فلا يجوز لك أن تفعل ذلك، ولا أيضا ينفعك ذلك يوم القيامة عندما تلقى الله جل وعلا. فلذلك قال: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾. قال: لكن إذا ظهرت السيئات فلم تنكر عمت عقوبتها، وشمل إثمها. هذا شيء آخر، هذا في عقاب الله عز وجل عامة الناس. إن قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث: «بكر: يوشك أن يعاقب الله عز وجل، يوشك أن يكون المنكر ولا ينكر، أن يكون الناس على منكر ولا ينكر، فيعاقبهم الله عز وجل بعذاب من عنده». قال جل وعلا: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾، أي لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. فلذلك قال ابن مسعود في الحديث الذي أخرجه أهل السنن من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه لكن سمع من كبار أصحاب أبيه، لهذا صحح روايته عن أبيه علي بن المديني وغيره. فقال عبد الله بن مسعود: قال لما عمل بنو إسرائيل المنكر كان أحدهم يرى صاحبه على المنكر ولا ينهى، بل قال أو أنه قال: ينهاه ثم لا يمنعه أن يكون أكيله وجليسه، أن يجالسه وهو على المنكر ويأكل معه وهو على المنكر. فقال عبد الله بن مسعود: فضرب الله عز وجل قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان أنبيائهم، ولعنهم على لسان أنبيائهم. فعمت العقوبة، فعاقبهم الله عز وجل بأشياء بسيطة في ذلك الرجز الذي أنزله الله عز وجل على بني إسرائيل، وعاقبهم بالدم والضفادع والدم والقمل وغيرها مما ذكره الله عز وجل، وهي تسع آيات أنزلها الله عز وجل على بني إسرائيل كما ذكر ربنا جل وعلا في سورة الإسراء: تسع آيات بينات أنزلها الله عز وجل على بني إسرائيل حتى يرجع إلى دينه، يرجع إلى الله. عاقبهم الله عز وجل بهذه العقوبات. وهذا من العقوبة العامة إذا لم ينكر المنكر. طيب. قال: ولهذا أيضا من هذا الباب ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بين أصابعه». وأيضا في الحديث الآخر، حديث جويرية، لما قال: «ماذا أنزل من الخزائن؟ ماذا أنزل من الفتن؟» «نساء كاسيات في الدنيا عاريات يوم القيامة». فهذه من العقوبات العامة. ولهذا قالت سلمة: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». إذا كثر الخبث فلم ينكر، فإن الله عز وجل يعم بعقابه. قال: فلا تخرج أيضا عن حكم هذه الآية الكريمة، لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة، أنه يكون عليه إثم. وفي هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد. أن هذا معنى لو قال: أن هذا العذاب لماذا يعم؟ يعم لأن هؤلاء لم ينكروا المنكر. وهذا أيضا هؤلاء الصالحون لم ينكروا ذلك المنكر، بل سرى فيهم هذا المنكر وسكت الناس، وسكوتهم لم يعذرهم، وإنما الكلام والإنكار هو الذي يعذر. ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾، قالوا: معذرة إلى ربكم، أنا نحن نكلمهم وننكر عليهم حتى نعذر أمام الله، حتى نعذر أمام الله. فإذا لم يقم بالأمر بالمعروف والنهي عن منكر أحد، فإذا لم ينكر المنكر أحد، فإنما العذاب أو معنى العقوبة عامة، فيأثم الجميع، فلا عذر لهم عند الله جل وعلا. صلى الله عز وجل عافية. قال: فلا يخرج، قال: لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة. في هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد، ولا يعاقب أحدا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾، أي له العلم الكامل والحكمة التامة. ومن علمه وحكمته أنه يعلم الذنب وما صدر منه، والسبب الداعي لفعله، والعقوبة المترتبة على فعله. وسبحان الله تجد أن سنة الله عز وجل في هذا عجيبة، فكل امرئ يعاقبه بعقوبة بمعنى على قدر ذنبه. وهذه العقوبة قد يشعر بها العبد وقد لا يشعر. أحيانا العقوبة كما ذكر الإمام ابن القيم في الجواب الكافي: أحيانا العقوبة تكون البعد عن الطاعة، وهذا من أعظم العقوبات. قد يراها المرء سهلة، قد يراها المرء سهلة، وهي تجلب عليه بعد ذلك السيئات وتجلب عليه بعد ذلك معاص كثيرة. فالبعد عن الطاعة له أثر في القلب، له أثر في القلب، فإذا ابتعد عن الطاعة لا شك أن ذلك المحل يتحول إلى المعصية. فلذلك فمن أعظم العقوبات التي يعاقب الله عز وجل بها عباده أن يبعده عن الطاعة. وهذا كما قلنا ليس بالهين، لأن الطاعة إذا ابتعد عنها العبد أبدل ذلك بالسيئات والمعاصي، والعياذ بالله. فلذلك يحتاج المرء إلى تجديد إيمانه، وإلى تجديد كذلك طاعته دائما، يسأل الله عز وجل الثبات على الدين، دائما يسأل الله عز وجل أن يصرف قلبه إلى طاعته، وغيرها مما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويتعاهد قلبه وإصلاحه، فلابد من ذلك. قال: ويعلم كما قال الإمام ابن القيم: يضرب على قلبه دائما، أن يضرب على قلبه، أي تعاهده ويفتش قلبه. قال: يضرب على قلبه دائما حتى يصلح، كما ذكر ذلك في بداية الفوائد، حتى يستيقظ هذا القلب، أنا دائما يلوم ودائما يلوم نفسه: لماذا لم أفعل؟ لماذا لم أفعل؟ حتى يحيى ذلك القلب ويأتي الصلاح فيه. قال: ويعلم حالة المذنب، أنه إن صدر منه الذنب بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء مع إنابته إلى ربه في كثير من أوقاته، أنه سيغفر له ويوفقه للتوبة. قال: وإن صدر منه بالتجرؤ على المحارم، استخفافا بنظر ربه وتهاونا بعقابه، فإن هذا بعيد من المغفرة، بعيد من التوفيق للتوبة. أنا ذكر هنا أيضا أمر مهم، وهو أن الإنسان يتكل على عفو الله ورحمته، ولو كان من أهل الطاعة معنا، هو من أهل الطاعة ومن أهل الإنابة، لكن يتساهل في بعض المحرمات، وأيضا يضع في قلبه أن الله عز وجل سيغفر له، وأنه يفعل ويفعل، وأنه مثلا يطلب العلم، وأنه يجاهد في سبيل الله، وأنه يجعل هذه الأشياء في قلبه كأنه يقول: أن الله عز وجل سيغفر لي، وأن الله عز وجل سيوفقني للتوبة، وليس في قلبه أنه يتوب إلى الله، أن تكون المعصية هذه موجودة في قلبه، وأيضا عازم عليها، لكن يحدث نفسه أنه يقول: أنا على خير، ولا يمكن أن الله عز وجل سيضيعني، ولا يمكن أن الله عز وجل سيخذلني، وأنا أفعل كذا وأفعل كذا، وأذهب إلى هنا وأدرس وأفعل، وأقوم الليل وأصوم النهار. هذا كله من الغرور، معناه من غرور النفس، ومن العجب الذي يدخل النفس. فإن هذا كما قال شيخنا: قال: فإن هذا بعيد من المغفرة، بعيد من التوفيق للتوبة، لأنه لم يرد التوبة أصلا. لو أنه أراد التوبة لأقلع من ذلك الذنب، لا يتحجج بأمور خارجية، لا يقول: أن الله عز وجل ما سيخذلني، أنا أعرف أنني مذنب وأن هذا ذنب، لكن ما استطعت أن أتركه، ما استطعت كذا، يأتي بأعذار واهية، ثم بعد ذلك يغتر بما معه من الأعمال. فهذا قال: بعيد من التوبة. وهذا كلام صحيح، لماذا بعيد من التوبة؟ لأنه ما أراد التوبة أصلا. لو أراد التوبة لأجهد نفسه وعزم على التوبة وعدم الرجوع إلى ذلك الذنب وأقلع عنه، لكنه مقيم على الذنب ومصر عليه، وهو يريد التوبة، أو أن الله عز وجل سيتوب عليه لكن بأمور خارجية. فهذا نبه عليه الشيخ رحمه الله، وهو داخل في هذه الآية. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة، والحمد لله رب العالمين. شكرا، شكرا.