الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 31، ألقاها
يشرح المقطع حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه الذي يحث على المسارعة بالصدقة قبل مجيء زمان لا يجد فيه المتصدق من يقبل صدقته، ويستعرض ثلاثة احتمالات لسبب ذلك: انشغال الناس بالفتن في زمن الدجال، أو استغناءهم بالعدل والرخاء في زمن المهدي وعيسى، أو هربهم من النار التي تحشر الناس قبل الساعة. كما يفرق بين نارين ذكرتهما الأحاديث: نار قبل الساعة وأخرى بعدها.
يبيّن المقطع أن أفضل الصدقة ما تُعطى في حال الصحة والخشية من الفقر لا عند الاحتضار، ويضرب المثل بتوزيع اللحم في غير العيد لأشد نفعاً، ويستشهد بعصر عمر بن عبد العزيز حيث عم الرخاء حتى رد الناس الصدقة. ثم ينتقل لذكر أشراط الساعة: قتال فئتين عظيمتين (علي ومعاوية) دعوتهما واحدة، وظهور نحو ثلاثين دجالاً كذاباً يدّعون النبوة، مع تفصيل لغوي في جمع كلمة «دجال».
يبيّن المقطع الفرق بين الدجالين الذين يدّعون النبوة والدجال الأعظم الذي يدّعي الألوهية، ويسرد أمثلة على مدّعي النبوة كمسلمة وسجاح، ثم يستعرض علامات الساعة من قبض العلم وتكاثر الزلازل وتقارب الزمان وظهور الفتن وكثرة الهرج، واختلال نسبة الرجال للنساء، وفيض المال، والتطاول في البنيان، وتمني الموت، وطلوع الشمس من مغربها، مبيناً أن الساعة تقوم بغتةً والناس في حالهم من بيع وشراء وأكل وشرب.
يختتم المتحدث شرحه بالإشارة إلى أن ما ذُكر يكفي حول الحديثين المذكورين، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله، مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب. قال: حدثنا مسدد، وقد تقدم أنه ابن مسرهد، أبو الحسن البصري الأسدي. قالوا فيه: ثقة، حافظ، ثقة، حافظ. ويقال إن مسدد لقب، وأن اسمه عبد الملك بن عبد العزيز. عبد الملك بن عبد العزيز. وأما مسدد فيقال إنه لقب، وقد قال فيه البخاري رحمه الله تعالى: هو مسدد كاسمه. وقد أخرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. قال: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، أبو سعيد الثميمي البصري. قالوا فيه: ثقة، متقن، حافظ، إمام، قدوة. قال: حدثنا معبد، وهو ابن خالد الجدلي، يعني من جديلة قيس، وهو كوفي، ثقة، عابد، ثقة، عابد. قال: سمعت حارثة بن وهب، وهو الخزاعي، صحابي نزل الكوفة، صحابي نزل الكوفة، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه زوجاً لأمه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تصدقوا، فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، فلا يجد من يقبلها». قال مسدد: حارثة أخو عبيد الله بن عمر لأمه. قاله أبو عبد الله، يعني أبو عبد الله البخاري. فحارثة بن وهب الخزاعي يعتبر أخاً لعبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، وهذه الأخوة من جهة الأم. فقد كانت أمهما أم كلثوم الخزاعية، كان قد تزوجها عمر، ثم فرق بينهما الإسلام، ثم تزوجها وهب الخزاعي، ثم تزوجها وهب الخزاعي فولدت له حارثة، وكانت قد ولدت قبل لعمر عبيد الله، لعمر عبيد الله. وهذا الحديث الذي أورده البخاري رحمه الله تعالى عند هذا الباب الذي أورده بدون ترجمة، وكون البخاري يورده من غير أن يذكر معه ترجمة، قال الحافظ رحمه الله تعالى: هو كالفصل من الذي قبله، يعتبر فصلاً من الباب الذي قبله. قال: وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم، وهو أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة، فلا يلوي على الأهل فضلاً عن المال، أي أنه لا يهتم بأهله ولا يلقي لهم بالاً فضلاً عن كونه يهتم بالمال. قال: وذلك في زمن الدجال، وذلك في زمن الدجال. قال: وإما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ، بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم، وعيسى بن مريم. قال: وإما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر، فيعز حينئذ الظهر، أي الذي يركب، فيعز، أي يقل ويندر، حينئذ الظهر، وتباع الحديقة بالبعير الواحد، ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال، بل يقصد نجاة نفسه ومن يقدر عليه من ولده وأهله، من ولده وأهله. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا أظهر الاحتمالات، وهو المناسب لصنيع البخاري، والعلم عند الله تعالى. وكونه المناسب لصنيع البخاري لأن البخاري جعل هذا الباب تابعاً للباب الذي قبله، ألا وهو باب خروج النار، باب خروج النار. وهذا الحديث الذي ذكره حديث حارثة بن وهب رضي الله تعالى عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا، فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، فلا يجد من يقبلها». وهذا فيه حث من النبي صلى الله عليه وسلم على المبادرة والمسارعة بالصدقة واغتنام، واغتنام إمكانها قبل تعذرها، قبل أن يأتي على الناس زمان يمشي الواحد منهم بصدقته فلا يجد أحداً يقبلها. لماذا لا يجد من يقبلها؟ للاحتمالات التي ذكرت سابقاً: إما للأمن والرخاء وكثرة المال الذي يكون عليه الناس، بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المال. وإما لكثرة الفتن وشدة ظهورها، بحيث ينشغل الواحد بالفتن عن جمع هذا المال، عن جمع هذا المال. وإما للاحتمال الثالث، وهو لتلك النار التي تسوق الناس وتجمعهم إلى أرض المحشر، وهذا يكون قبل قيام الساعة. وهذا مما ينبغي التنبيه عليه، وذلك أن حديث أنس الذي تقدم معنا بالأمس في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب»، هذه قبل قيام الساعة، تجمعهم من جهة المشرق حتى يتجه إلى جهة المغرب، والمراد بذلك إلى جهة الشام. وهناك نار أخرى تكون بعد قيام الساعة، وبعد قيام الناس من قبورهم، فهذه نار أخرى تحشر الناس كذلك أيضاً إلى أرض المحشر وإلى ساحة الحساب. فهما ناران: إحداهما قبل الساعة، والأخرى بعد قيام الساعة، والأخرى بعد قيام الساعة. وهكذا أيضاً في هذا الحديث دليل على أن الصدقة يكون أجرها عظيم ونفعها كبير عند الحاجة إليها، عند الحاجة إليها. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: «أنت صدق، وأنت صحيح، شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا». وهكذا الصدقة يكون أجرها عظيم إذا كان الذي ستتصدق عليه ينتفع بها أكثر. ضرب العلماء مثالاً لذلك كمن يذبح شاة مثلاً في سائر الأيام ثم يوزع ذلك اللحم على الناس، كيف يكون فرح الناس بهذا اللحم؟ لا شك أن فرحهم كبير، وأن حاجتهم كذلك أيضاً شديدة إلى هذا اللحم. لكن كيف لو ذبح إنسان شاة يوم العيد، ذبح إنسان شاة يوم العيد، ثم جزأها ووزعها على الناس؟ لا شك أن الناس سينتفعون بها، لكن ليس كانتفاعهم بها في سائر أيام العام، لأن أيام العيد الغالب على الناس أن منهم من يذبح ومنهم من يشتري، بل ربما تأتي لشخص بلحم في يوم العيد ليس له حاجة فيه، ولولا العيب والحرج لرده عليك، وقال: أعطه غيري، أعطه غيري. وهكذا يكون في آخر الزمان عند كثرة الأموال، وهكذا تخرج الأرض كنوزها إلى غير ذلك، فماذا؟ فلا يجد الشخص من يقبل منه هذه الصدقة. وهذا قد وقع بعضه في زمان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، عم الرخاء وعم الأمن في أيام هذا الخليفة العادل رحمه الله تعالى، بحيث استغنى كل إنسان بما عنده، استغنى كل إنسان بما عنده، حتى إنه قد وجد في ذلك من يخرج صدقته فلا يجد من يقبلها، تدار بها من بيت إلى آخر، فلا يوجد من يقبل هذه الصدقة، من يقبل هذه الصدقة. وهذا يدل على صلاح هذا الإمام وهذا الأمير وهذا الخليفة الذي كان يومها أميراً على المؤمنين، وبصلاحه صلحت الرعية، بصلاحه صلحت الرعية، فعم الصلاح وعم التدين الرعية بسبب صلاح مالكهم. وكما يقال: الناس على دين ملوكهم، الناس على دين ملوكهم. وهكذا أيضاً يكون في آخر الزمان في أيام المهدي المنتظر قبل قيام الساعة، كذلك أيضاً يعم الرخاء، وهكذا يسود الأمن، بحيث يستغني كل واحد بما عنده، بحيث يستغني كل واحد بما عنده. بل كما جاء في بعض الأحاديث أن الشخص يخرج زكاته فيأتي ويعطيها لرجل، فيقول: لو أتيت بها بالأمس قبلتها، أما اليوم فلا حاجة لي بها، أما اليوم فلا حاجة لي بها. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان، وأبو، وأبو الزناد لقب في صورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل إنه كان يغضب إذا قيل له أبو الزناد. قال: عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. من عبد الرحمن هاهنا عندك يا عروة؟ من عبد الرحمن هاهنا؟ أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة. نعم، هو عبد الرحمن الأعرج، عبد الرحمن الأعرج. وهذه السلسلة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، من السلاسل والأسانيد التي قيل فيها إنها أصح الأسانيد، إنها أصح الأسانيد. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة». وقد قيل في هاتين الفئتين: إنهما فئة علي ومن معه من أهل العراق، وفئة معاوية ومن معه من أهل الشام، وقد حصل بين الفئتين مقتلة عظيمة، قيل قتل فيها نحو من سبعين ألفاً، نحو من سبعين ألفاً. وقوله عليه الصلاة والسلام: «دعوتهما واحدة»، أي كلهم، أي كلهم يدعي أنه على الحق. وماذا؟ كل منهما هو من أهل الإسلام. وهذا فيه رد على الخوارج ومن قال بقولهم، حين أن كفروا جانب علي ومن معه، وهكذا جانب معاوية ومن معه. قال: «وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله». وهذه كذلك أيضاً تعتبر من أشراط الساعة، أنه يبعث دجالون. وقوله: «دجالون»، جمع دجال، جمع دجال، ودجالون هو جمع مبالغة، جمع مبالغة. والذي عليه جماهير النحاة أن دجال لا تجمع جمع تكسير، فلا يقال دجاجلة، فلا يقال دجاجلة. وهذا من باب المحافظة على صيغة المبالغة، من باب المحافظة على صيغة المبالغة. ولهذا لما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في محمد بن إسحاق: دجال من الدجاجلة، دجال من الدجاجلة، قال عبد الله بن إدريس الأودي رحمه الله تعالى: ما علمت أن دجالاً يجمع على دجاجلة حتى سمعت مالكاً يقول ذلك، حتى سمعت مالكاً يقول ذلك. وهؤلاء الدجالون الكذابون، ذكرها هنا أنهم قريب من ثلاثين، وجاء في بعضها أنهم سبع وعشرون، وجاء في بعضها أنهم سبعون، وهذا الأخير حمله العلماء على المبالغة والتحديد، أنهم سبع وعشرون، ورواية الثلاثين على إلغاء الكسر، على إلغاء الكسر. والفرق بين هؤلاء الدجالون والدجال الأعظم المسيح الذي يأتي في آخر الزمان هو: ماذا؟ أن هؤلاء يدعون النبوة ويدعون الرسالة، وأما الدجال الأعظم فماذا يدعي؟ عندك أبا عبد الله؟ الدجال الأعظم ماذا يدعي؟ الذي يأتي في آخر الزمان معه جنة ومعه نار، يدعي أنه الله. وهؤلاء يدعون أنهم أنبياء ورسل. وقد ذكر العلماء عجائب وغرائب عن هؤلاء المدعين للنبوة، ومن ذلك ذكروا أحدهم ممن ادعى النبوة، سمى نفسه موسى، سمى نفسه موسى، وكان بيده عصا، فأتاه رجل فقال: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: وما هذه العصا؟ قال: هذه ألقيها فتنقلب حية تسعى. قال: فألقها حتى ننظر هل هي حية تسعى أم لا؟ قال: لا ألقيها حتى تقول: أنا ربكم الأعلى، حتى تقول: أنا ربكم الأعلى. فعندها يلقيها فتنقلب حية تسعى. وهكذا مسيلمة وسجاح وغيرهم. ومن العجيب أن بعض من ادعى النبوة، ولا سيما في أيام الردة وخلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، رجعوا إلى الإسلام وحسن إسلامهم، كما يذكرون عن سجاح، وهكذا عن طليحة بن خويلد وغيرهما. قال: «وحتى يقبض العلم». وقبض العلم بموت العلماء، كما تقدم معنا قريباً. قال: «وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان». ومضى معنا الكلام حول تقارب الزمان، قيل: أن يقرب من يوم القيامة، وقيل: بل يمر سريعاً، فالسنة تكون كالشهر، والشهر يكون كالجمعة، والجمعة تكون كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة. قال: «وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل». وبسبب كثرة القتل وكثرة الحروب يقل الرجال، وكما جاء في حديث أبي موسى في الصحيحين: قال: «ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة، يلذن به من قلة الرجال، يلذن به من قلة الرجال، وكثرة النساء». قال: «وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته». ومعنى حتى يهم: أن يحزنه ويغمه أنه لا يجد من يقبل منه المال. وهذا يحصل لا سيما إذا كان صاحب المال قد فرط في إخراجه، قد فرط في إخراجه في وقته. قال: «وحتى يعرضه عليه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به»، أي لا حاجة لي به، لا حاجة لي به. قال: «وحتى يتطاول الناس في البنيان»، كما في حديث عمر: «وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». وهذا حمله العلماء: التطاول في البنيان مع عدم الحاجة إلى ذلك، وإنما هو من باب التباهي والتفاخر، وكذلك أيضاً التعالي وغير ذلك. قال: «وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه». وهذا كما مضى معنا قريباً، أنه لعظم البلاء، وهكذا لعظم وكثرة الفتن والمحن التي تكون في ذلكم الزمان. قال: «وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس، يعني آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً». وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. فالكافر لا ينفعه الإيمان، ومن كان مؤمناً مفرطاً لا ينفعه كذلك إصلاح ذلك المفرط والإساءة التي كان عليها بعد طلوع الشمس من مغربها، بعد طلوع الشمس من مغربها. قال: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولا يطويانه». ساعة تقوم، وهناك رجلان يتبايعان على ثوب، قد نشر هذا الثوب، نشر البائع للمشتري هذا الثوب حتى يقلبه، فلا يسعفهم الوقت حتى تتم الصفقة والبيع والشراء، تقوم الساعة وهم على هذه الحالة، فلا هما أتم البيع، ولا أخذ البائع ثوبه ولفه وطواه، وإنما تقوم الساعة فتذهلهم، فتذهلهم، فتذهلهم، وهم على هذه الحالة. قال: «ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، واللقحة هي اللبون من الإبل، اللبون من الإبل». قال: «فلا يطعمها»، أي لا يشربها، قد حلب الناقة، فما بين حلبه وشربه لهذا اللبن تقوم الساعة، فلا تمكنه من أن يشرب ذلكم اللبن. قال: «ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه»، ومعنى يليط حوضه: أي أنه يصلحه ويسد الشقوق التي تكون به، التي تكون به، لكي يملأه ويسقي منه دوابه، فبينما هو يصلح حوضه إذا بالساعة قد قامت. قال: «ولتقومن وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها»، رفع اللقمة بيده وأراد أن يدخلها في فيه، انظر إلى قصر هذا الوقت، فتقوم الساعة وهو على تلك الحالة، فلا يمكنه من إيصال اللقمة إلى فيه. وهذا فيه إشارة إلى أن الساعة تقوم بغتة، تفجأ، تفجأ الناس، تفجأ الناس. وهكذا من قامت عليه الساعة شغلته عن حاله التي هو عليها. وهكذا أيضاً الساعة تقوم والناس في غفلة، وهكذا تقوم عليهم على حين غرة. وصدق الله إذ يقول: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، لا تأتيكم إلا بغتة. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذه الحديثين، وبهما نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم.