الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع مذهب المعطلة ورفضهم للمعنى الظاهر لنصوص الصفات الإلهية، ويبين بطلان هذا المذهب وانتقاده. المعطلة يؤولون النصوص بمعانٍ أخرى ويقعون في التمثيل قبل التعطيل.
يجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم باللسان العربي، وتحريم صرف نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل. سلف الأمة وأصحاب النبي لم يرد عنهم تحريف نصوص الصفات.
يتناول الرد على أهل التعطيل من خلال عدة وجوه، ويبين بطلان مزاعمهم بأن إثبات الصفات يلزم منه تعدد الآلهة أو التمثيل أو التجسيم. كما يؤصل منهج السلف في إثبات الصفات دون تمثيل أو تعطيل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر المؤلف رحمه الله تعالى القسم الثالث، وهم من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلا لا يليق بالله، وهو التشبيه. ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، معنى جعلوا المعنى المتبادر من الصفات هو التشبيه أو التمثيل، ولهذا ذهبوا إلى تعطيلها. فالفرقة الأولى أيضا مثلهم، لكن لم يرجعوا إلى التعطيل، بل مشوا على التمثيل، وهؤلاء عطلوا. وأما أهل السنة فهم مثبتة بالصفات بدون تشبيه ولا تعطيل. ثم ذكر أن هؤلاء الذين صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقول واضطربوا في تعيينها اضطرابا كثيرا، وسموا ذلك تأويلا، وهو تحريف. وهذا يسمون هذا تأويلا، وهو ليس بتأويل لا لغة ولا شرعا. حتى اللغة ليس صحيحا، وإنما هو تحريف، تحريف إما في اللفظ وإما في المعنى. فمثلا في قول «استوى» حرفوا في اللفظ وحرفوا في المعنى. حرفوا في اللفظ أنهم قالوا: «إنما استوى بمعنى استولى»، الاستوى هنا استيلاء. فقالوا: «استوى بمعنى استولى» لفظا ومعنى. حتى بعضهم جاء في حديث وكيع بن عدس، حديث أبي رازين العقيل، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ما هو كان قبل كل شيء، فقال: «كان الله عز وجل كان في عماء»، أو معنى «كانوا في عماء»، معنى ليس هناك مخلوقات. والمهم في آخر الحديث قال: «ثم استولى على العرش». هكذا قال في بعض: «ثم استوى على العرش»، لكن حرفوه وقالوا: «ثم استولى على العرش». أنا جاءوا في بعض النسخ كتبوا «استولى». وهذا باطل، لأن «الاستوى» جاء في القرآن أصلا. كيف سيقول: «ثم استولى على العرش»؟ وهذا من باطلهم. وهذا المذهب مذهب التعطيل باطل من وجوه. قال أحد: «أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد الله»، والمعنى الباطل هو التمثيل، فهذا معنى باطل. ومعنى ذلك أنهم إذا جاءتهم الصفة وجدوا أن هذا أمر معنى عظيم، حتى كما قال وكيع: «يهلكون عند المتشابه»، معنى ما يظنونه متشابها. فهؤلاء يقال أن أو ذكر الألكاهي رحمه الله عن الظهر عن وكيع: «أنه حدث بحديث فيه صفة، فانتفض رجل عنده»، فقال: «قد كنا نقرأها على فلان وفلان»، أي ذكر من مشايخ السلف. وما كان أحد منهم ينتفض. أن هذا الانتفاض الذي ذكرته فيه شيء. لماذا تنتفض؟ لأنهم يجعلون معاني أخرى غير المعاني التي موجودة. فيقولون: «كيف نقول أن الله يضحك؟ هذا مستحيل على الله». نعوذ بالله أن نثبت أن الله يضحك. هكذا يقولون. معنى الآن، وهذا شيء عجيب. الله عز وجل هو الذي ذكر هذا. «الله يستهزئ بهم»، قالوا: «كيف نقول أن الله يستهزئ؟» طيب الله عز وجل هو الذي قال هذا الكلام. هل هناك أحد تجار معنا كذب على الله بهذه الصفة؟ لا. الله عز وجل ذكرها. «الله يغضب»، قالوا: «لا كيف الغضب؟ فوران الدم وانتفاخ الأوداج وكذا وكذا، كيف نثبتها لله؟ مستحيل نثبتها لله». هم الآن يذكرون صفة المخلوق ويظنون ويجعلونها لله، وهذا هو التمثيل. هؤلاء المعطلة مثلوا ثم عطلوا. فإذا جاءتهم الصفة مثلوها بالخلق، قاسوا على الخلق. لهذا بعض العلماء يقول: «أن المعطلة أعظم من الممثلة». وبعضهم يقول: «الممثلة أعظم»، لأن المعطلة أولا مما يدل على خبث مذهبهم: «أنهم قد مروا بالتمثيل أصلا قد مروا بالتمثيل ثم عطلوا». التعطيل معنى النفي. وأيضا الأمر الآخر الذي هو يبين ما هم عليه من مذهب باطل: «أنهم يشبهون الله عز وجل بخلقه»، يعني يقيسون على الخلق. وأما الممثلة فهم يشبهون المخلوق بالخالق، معنى العكس. الممثلة يشبهون الخالق بالمخلوق. أقصد المعطلة والممثلة يشبهون المخلوق بالخالق، معنى يقولون الممثلة: «كل شيء في الإنسان فهو في الرب سبحانه وتعالى». هذا قالها بعض هؤلاء كهشام بالحكم وغيره. طيب المهم أن مذهبهم سيء جدا، أي هؤلاء المعطلة هو أسوأ من الممثلة. هم فروا من التمثيل ووقعوا في التعطيل. وكما يقال: «أحلاه ما مر». قال الثاني: «أنه صرف لكلام الله معنى مما يدل على بطلان مذهبهم: أنه صرف لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره». والله تعالى خاطب الناس بلسان عربي مبين ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي. والنبي عليه الصلاة والسلام خاطبهم بأفصح لسان البشر. ووجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي. غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله عز وجل. لأن الله عز وجل نفى هذا عن نفسه، التمثيل «ليس كمثله شيء». كذلك التكييف يدخل في هذه الآية. فمن جنايتهم على النصوص: «أنهم يصرفونها عن ظاهرها بلا دليل ولا برهان». بلا دليل ولا برهان. ومعلوم في لغة العرب: «أن اللفظ لا يصرف عن ظاهره إلا بدليل يدل على صرفه». وإلا الأصل أنه يبقى على ظاهره. فلهذا الذي يصرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل فهو متكلما على الله عز وجل بغير علم. والتقول على الله بغير علم. قال الثالث: «أي الأمر الثالث الذي يدل على بطلان مذهب المعطلة: صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالف قول على الله بلا علم»، وهو محرم. كما ذكرنا في الذي سبق ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾. فالصارف لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفى ما ليس له به علم. وقال على الله بلا علم أو قال على الله ما لم يعلم. من وجهين: الأول أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام. الثاني أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام. وهذا التعين. وقد ذكرنا هذا أكثر. معنى تعين اللفظ من عند أنفسهم يعينون معنى تعين المعنى من عند أنفسهم بدون قرينة. هذا يكون تحكما. وقول على الله بلا علم. ما الذي أدراكم أن الله عز وجل أراد هنا أراد باليد النعمة؟ ما الذي أدراكم بأن الله عز وجل أراد بالغضب هو مثلا إرادة الانتقام؟ إرادة الانتقام لأن الغضب يقولون الجهمية والمعتزلة يقولون أن الغضب المراد به الانتقام. وأفراق وأفراق المعتزلة والجهمية هم لشعرة يقولون إرادة الانتقام لأنهم يثبتون الإرادة لله عز وجل فقط. يقولون إرادة الانتقام. وهذا كلام باطل. أي أنهم يقولون أنه غير المعنى المتبادل. طيب العين اليد مثلا كما قلنا ذكر بعضها العلماء وأهل اللغة أن لها خمسة وعشرون معنى في لغة العرب. فالتعيين هذا يحتاج إلى دليل. وإلا كنت تقول أنت الآن لما تقول اليد معنى النعمة. ما الدليل على هذا؟ هل في السياق الكلام ما يدل على هذا؟ إذا قلت مثلا أنها المراد بها الرحمة. المراد بها القدرة. المراد بها القوة. مراد بها كذا. فيراد تحتاج إلى دليل يدل على هذا. وإلا كان تحكما. أنا كل واحد يقول: «لا هذا معناه كذا». من أين لك هذا؟ أنت الآن تفسر كلام الله. والذي يفسر كلام الله لابد أن يكون عنده علم. وإلا كان متقولا على الله بلا علم. قال الوجه الرابع في إبطال مذهب التعطيل: «أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وسلف الأمة وأمتها». فيكون باطلا لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وسلف الأمة وأمتها. معنى مذهب التعطيل صرف النصوص الصفات عن ظاهر مخالف لما كان عليه النبي. لأن السلف ما كانوا يحرفون أبدا. لم يأت عن أحد من السلف أنه قال: «استوى بمعنى استولى». وإنما جاء هذا عن الجهمية. ولهذا ابن العرابي لما قال له رجل: «يا أبا سعيد، قال بعض الناس أن معنى استولى». قال: «اسكت، لا يقال استولى إلا لمن كان له مخاصم». لا يقال استولى إلا لمن كان له مخاصم. معنى هناك يخاصم وينازعه. أو قال: «لمن كان له منازع». هناك أحد ينازعه فيقال استولى هذا الشخص بعد المنازعة استولى. الحق فلهذا قال: «اسكت». معنى حتى في لغة العرب خطأ. كيف استوى معنى استولى؟ معنى هل هناك كان أحد ينازع رب العالمين حتى بعد ذلك استولى عليه؟ ليس كذلك أبدا. فالمعنى خطأ. لهذا قال ابن العرابي وهو إمام كما قلنا من أئمة اللغة ومن أئمة أهل الحديث. وهم مشايخ من مشايخ الإمام أبي داود أبي داود السنجستاني صاحب السنن. فلهذا سألوه عن هذا. قال: «لا لا يقال استولى إلا لمن كان له منازع». قال الوجه الخامس: «أن يقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا». ثم يقال له: «هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم». ثم يقال له: «هل تعلم كلاما أفصح وأبين من كلام الله تعالى؟ فسيقول: لا». ثم يقال له: «هل تظن أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا». قال هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن. أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له: «هل تعلم أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: لا». هذا معنى استدراج في المناظرة حتى يلقم الحجة. معنى كأنه يلقن الحجة. قال: «ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله صدق وحق؟ فسيقول: نعم». ثم يقال له: «هل تعلم أن أحدا من الناس أفصح كلاما وأبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول: لا». ثم يقال له: «هل تعلم أن أحدا من الناس أنصح لعباد الله من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول: لا». فيقال له: «إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله لنفسه». كما قال الله عز وجل: «أأنتم أعلم أم الله». قال الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: «أنه يلزم عليه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم». فمن هذه اللوازم أولا: «أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مسلم أو موهم لتشبيه الله تعالى بخلقه». وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. قال نعيم بن حماد الخزاعي صاحب كتاب الفتن أحد مشايخ البخاري رحمهم الله. ذكره البخاري في المتابعات والشواهد لأن في حفظه شيء. قال: «من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر». وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. وهذا قد جاء بإسناد صحيح عن نعيم بن حماد. قاله. من المعلوم أن من أبطل الباطل: «أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله تشبيها وكفرا أو موهما لذلك». الآن هؤلاء اعتقدوا أشياء في أنفسهم. فلما اعتقدوا هذه الأشياء جعلوا هذا الاعتقاد هو الذي يقودهم إلى دينهم. وأنا اعتقدوا أشياء مثل كما ذكر المغلف هنا: «أنهم اعتقدوا أن نصوص صفات الرب تشبيه». وكذلك أيضا يعتقدون أن إثبات الصفات استلزم التمثيل أو استلزم التجسيم. أن يقولون: «نحن ما نشاهد شيء له صفات إلا وهو جسم». وهذا كلام باطل. فعندنا شتاء بارد، صيف حار، ليل طويل، ليل قصير، نهار طويل، نهار قصير. هذه كلها أشياء ليست أجسام ولها صفات. فهذا كلام باطل حتى في الواقع باطل. وأيضا يقولون: «أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم والتشبيه». وكذلك أيضا يقولون: «أنه مخالف للعقول». العقول من لعقولهم لم لماذا؟ لأنهم اعتقدوا أشياء فظنوا أنه يستحيل إثبات الصفات لله عز وجل. فقالوا: «أنه مخالف للعقول». والأدهى من هذا: «أنهم قالوا أن إثبات الصفات تلزم تعدد الآلهة». يعني هم كما أنكم يا أهل السنة تلجمون بأشياء. نحن نلجمكم بأشياء. لكن هذه الإلزامات باطلة شرعا. وأيضا كذلك لغة وواقعا مشاهدة. كله باطل. يعني الآن مثلا يقولون يلزم تعدد الآلهة. أو هم يعبرون بقولهم: «أن إثبات الصفات استلزم تعدد القدماء». أن تعدد القدماء يتعدد الآلهة. ليش يتعدد الآلهة؟ قالوا: «لو قلنا أن لله صفات كذا. كم هذا معنى أكثر من إله». وهذا كلام باطل. لا يدل عليه شرع ولا عقل ولا لغة. الله عز وجل قال: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد﴾. هذه الصفات في من في رجل واحد. ذكر له عدة صفات وهو رجل واحد. فهل معنى ذلك أنه يدل على أكثر من واحد؟ لا. فهذا كلام باطل. ممكن الشخص الإنسان المخلوق يذكر له عدة صفات. فمع بالك بالخالق سبحانه وتعالى الذي صفاته عظيمة وجليلة. فقد تكون أكثر من صفة فيه سبحانه وتعالى. وهذا الذي دلت عليه الآيات.