الدرس في كتاب البيوع 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الغصب هو أخذ مال الغير قهرًا وهو محرم شرعًا لما فيه من ظلم. وردت أدلة كثيرة في القرآن والسنة تنهى عن أخذ مال الغير بغير حق.
الغصب يترتب عليه ضمان العين المغصوبة وردها لصاحبها، ويتحمل الغاصب النقص والأجرة وضمان التلف. يجب رد العين المغصوبة لصاحبها لتحلله منها.
يشرح كيفية التعامل مع العين المغصوبة إذا زادت أو نتجت، وحكم الغرس أو البناء فيها، وحكم انتقالها لشخص آخر عالم أو غير عالم بذلك.
إذا جهل صاحب المال، يُتصدق به بنية أن يكون الأجر لصاحبه. هذه قاعدة عند أهل العلم في التعامل مع المال المجهول المصدر.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعيد رحمه الله: كتاب منج السالكين، وكتاب البيوع، قال: باب الغصب، قال: وهو الاستيلاء على مال بغير حق، وهو محرم لحديثي: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله به يوم القيامة من سبع أراضين»، متفق عليه. فعليه رده لصاحبه ولو غرم أضعافه، وعليه نقصه وأجرته مدة مقامه بيده، وضمانه إذا تلف مطلقا، وزيادته لربه. وإن كانت أرضا فغرس أو بنى فيها فلربه قلعه، لحديث: «ليس لعرق ظالم حق»، رواه أبو داود. ومن انتقلت إليه العين من الغاصب وهو عالم، فحكمه حكم الغاصب. هذا باب الغصب، والغصب من غصب يغصب غصبا، وهو أخذ مال الغير أو أخذ الشيء ظلما وقهرا. أخذ الشيء ظلما وقهرا. نعم، قلنا: الغصب اللغة أخذ الشيء ظلما وقهرا، وشرعا كما ذكر المؤلف: وهو الاستيلاء على مال الغير بغير حق. الاستيلاء يعني الأخذ والتسلط على مال الغير بغير حق، بغير حق يعني ليس له حق بهذا المال، فيضع يده عليه ويستولي عليه. فخرج بقوله: بغير حق، ما إذا كان هذا الاستيلاء بحق، هذا لا يسمى غصبا، مثل الحجر على المفلس لأجل بيع ماله ورد أو سداد الديون التي عليه للغرماء، فهذا استيلاء بحق. وهكذا أيضا الرهن عند المرتهن، فهو يستولي على مال الرهن لكن بحق. وهكذا أيضا من امتنع مثلا من حق مالي واجب عليه كنفقة، فأخذت منه بالقوة، فهذا استيلاء بحق. ويزاد على ما ذكر المؤلف رحمه الله: على طريق القهر، الاستيلاء على مال بغير حق على طريق القهر. وبهذا يخرج السرقة والاختلاس والنهب والخيانة، فإنها لا تسمى غصبا؛ لأن المال يأخذ في السرقة والاختلاس يعني على سبيل الاختفاء والخفية والسرعة وغفلة يعني صاحب المال. وهكذا الخيانة يعني تكون بإخفاء هذا المال، ربما في آخر الأمر، ربما يأخذه في أول الأمر بإذن صاحبه كالوديعة أو العارية، ثم يقوم بجحدها، يقول: ما عندي، فينكر، هذه خيانة. بخلاف الغصب، الغصب يأخذها بالقوة وبالقهر، يأخذها بالقوة. إذن، هذا هو الغصب: الاستيلاء على مال الغير بغير حق على طريق القهر. قال: وهو محرم لحديث: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله به يوم القيامة من سبع أراضين»، متفق عليه. الغصب محرم، هو كبير من كبائر الذنوب. والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، ويقول سبحانه: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». ويقول عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». نعم، فهذه الأدلة وغيرها تدل على حرمة مال المسلم وأنه لا يجوز أخذه بغير إذن منه. ومنه كذلك أيضا هذا الحديث: «من اقتطع شبرا من الأرض»، وهذا على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، بل ولو كان أقل من شبر. من اقتطع شبرا من الأرض ظلما، وظلما هنا يعني منصوب على الحال، يعني حال كونه ظلما، فحصل به التخصيص هذا الحكم بما إذا كان هذا الاقتطاع ظلما. وأما إذا لم يكن ظلما فإنه لا يدخل في هذا الوعيد في هذا الحديث. لو اقتطع شيئا من الأرض لأنه حق له أو لأنه أول من سبق إلى هذه الأرض وهي ليست ملك لأحد، كما مر معنا في إحياء الموات، فهذا ليس بظلم، لا يدخل في الحديث. ظلما بأن يأخذ أرضا ليست له وهي لغيره، فيعتدي ويبسط يده على هذه الأرض. فلو أخذ من هذه الأرض ولو شيئا يسيرا قدر الشبر أو أقل من ذلك، هو موعود بهذا الوعيد الشديد: «طوقه الله به يوم القيامة من سبع أراضين»، يعني يجعل هذا الذي اقتطعه من الأرض كالطوق، كالطوق في عنقه، يعذب به يوم القيامة. فدل هذا الحديث على حرمة الغصب، وأن من اقتطع شيئا ظلما فهو واقع في إثم عظيم. ودل كذلك على أن الغصب يكون في الأشياء الثابتة كما يكون في الأشياء المنقولة، يكون في الأشياء الثابتة كالعقار كالأرض العقار والبيوت ونحوها، كما أنه يكون في الأشياء المنقولة: السيارة أو دراجة أو مسجلة أو غير ذلك أو جوال أو نحو ذلك من المنقولات. وكذلك أيضا استدل به أهل العلم على أن من ملك أرضا ملك ما تحت هذه الأرض، يعني إذا اشترى إنسان أرضا فحفر فوجد فيها ذهبا أو وجد فيها فضة أو نحو ذلك من المعادن الباطنة فهي له. قال: وعليه رده لصاحبه ولو غرم أضعافه. الواجب رد العين المغصوبة لصاحبها حتى يتحلل منها في الدنيا قبل الآخرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه في عرض أو مال فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم»، يعني يوم القيامة. يوم القيامة التحلل يكون بالحسنات والسيئات، ما في يوم القيامة دراهم ودنانير، إنما حسنات وسيئات. فإذا غصب الإنسان مالا فلابد أن يتحلل منه ويتوب ويرجع إلى صاحبه، يرجع هذه العين المغصوبة إلى صاحبها ويتحلل منها. قال: ولو غرم أضعافه، يجب عليه رد العين المغصوبة ولو غرم أضعاف أضعاف هذه العين، فهو يتحمل. فاليد الغاصب يد متعدية ظالمة، فهي ضامنة مطلقا، سواء تعدى أو فرط أو لم يتعدى أو يفرط، فعليه الضمان مطلقا ولو غرم أضعاف قيمة هذه العين. لو أنه مثلا غصب أرضا ثم جاء آخر فغصبها منه، فقال: لا أردها إليك إلا بكذا وكذا من المال، فدفع له، ثم بعد ذلك أراد أن يردها إلى صاحبها، أو يعني جاء من يأخذها منه ليردها إلى صاحبها مثلا، فيقول: أنا خسرت، يقول: ولو خسرت أنت، يدك يد معتدية، ليس لك حق في ذلك. قال: وعليه نقصه وأجرته مدة مقامه بيده، وضمانه إذا تلف مطلقا، وزيادته لربه. نعم، عليه نقصه، أي نقص هذه العين المغصوبة، مثلا غصب سيارة أخذها واستعملها فتعطلت، فلما ردها أو أخذت منه، وإذا بها معطلة تحتاج إلى تصليح، فيلزم هذا الغاصب بتصليحها، يلزم بتصليحها. هذا النقص الآن أصبح في هذه العين المغصوبة، وهو ملزم بإصلاح هذا النقص. أو غصب مثلا بيتا استعمله فأصيب هذا البيت بشيء من الشقوق يحتاج إلى تصليح، فيلزم الغاصب بتصليحها، يصلح هذا النقص الذي حصل. أو كذلك أيضا غصب جوالا مثلا ثم حصل له شيء من التلف، فيلزم بإصلاحه. قال: وأجرته مدة مقامه بيده. نعم، لو أنه غصب سيارة فعليه أولا إصلاح النقص الذي حصل في هذه السيارة، ثم يلزم بدفع أجرة أجرة هذه السيارة مدة مقامه بيده. لو أن السيارة مثلا بقيت معه سنة، نقول: ادفع أجرة سنة هذه السيارة. مثلها بكم يؤجر في الشهر؟ قالوا: مثلا بخمسة آلاف، إذن تدفع أجرة سنة، بكل شهر خمسة آلاف، فيكون الواجب عليه كم؟ خمسة في عشر، بخمسين، ستون ألفا. نقول: عليك أن تدفع لصاحب السيارة ستين ألفا. نعم، أجرة مقام هذه السيارة بيدك. قال: وضمانه إذا تلف مطلقا. لو أنه أخذ السيارة وساقها وفعل حادث تلفت فيه السيارة، نقول: عليك قيمة السيارة، تضمن لصاحب السيارة قيمتها أو تأتي له بمثلها إذا كان لها مثل، فيأتي له بمثلها. إن الواجب ضمان المثليات بمثلها، وإذا لم يكن لها مثل فيضمن القيمة، يضمن القيمة. ولو قال: أنا غير متعدي، يعني أنا أمشي بسرعة معتدلة وجاء صاحب السيارة الأخرى مسرعا فصدمني، نقول: أنت ضامن مطلقا؛ لأنك غاصب، ليس لك إذن في التصرف في هذه السيارة. وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، أنت عليك الضمان مطلقا، تضمن قيمة هذه السيارة إن لم يكن لها مثل. وكذا إذا غصب أرضا مثلا أو بيتا وفي أثناء بقاء هذا البيت معه تهدم، فيضمن قيمة هذا البيت، يضمن قيمة هذا البيت. قال: وزيادته لربه، يعني إذا كان هذا الغصب زاد مثل شاه غصب شاة، هذه الشاة حملت أو ولدت، هذا الولد المولود يعني ولد الشاة يكون لمن؟ لصاحب الشاة يكون لصاحب الشاة. وهكذا إذا غصب إبلا مثلا ثم أنتجت، فيكون هذا النتاج لصاحب الإبل يكون لصاحب الإبل. أو غصب سيارة وأجرها فأجرت هذه السيارة تكون لصاحب السيارة تكون لصاحب السيارة. وهكذا. قال: وإن كانت أرضا فغرس أو بنى فيها فلربه قلعه، لحديث: «ليس لعرق ظالم حق»، رواه أبو داود. وإن كانت أرضا يعني كان العين المغصوبة أرضا فغرس أو بنى فيها. غرس الغرس يعني وضع شجرة ثابتة خلاف الزرع، الزرع الشيء الغير ثابت كالزراعة: البر أو الشعير. وأما الغرس فيكون للأشجار الثابتة كالنخيل والبرتقال والتفاح ونحوها من الأشجار. فإذا غصب أرضا وأتى بغرس غرس فيها نخيلا مثلا أو بنى فيها بنى بيتا أو بيوتا، فلربه قلعه، أي لصاحب الأرض لصاحب الأرض أن يقلع هذا الغرس وهذا البناء. يقول: أنا غير راضي يعني أن تبني أو تغرس في أرضي، فخذ غرسك وإقلع بنائك. له ذلك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق»، رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح. ليس لعرق ظالم حق، المراد بعرق يعني كل من بنى أو تصرف في الأرض بأي أنواع تصرف، فليس له حق في ذلك. فلصاحب الأرض أن يأمره بهدم البناء. وهكذا أيضا بيقلع هذا الغرس له ذلك. لكن لو صالح معه، لو صلح صاحب الأرض مع هذا الغاصب فيقول: خلاص أنا سأبقي هذا الغرس وهذا البناء، لكن عليك أن تدفع لي أجرة أجرة استعمال الأرض منذ أن غصبتها. يعني مثلا هي معه منذ سنة، يقال: استيجار هذه الأرض للبناء عليها أو غرسها، يستحق صاحب الأرض في الشهر عشرة آلاف، فعليك أن تدفع قيمة هذه الأرض منذ سنة، مئة وعشرين ألفا. له ذلك. أو يقول لصاحب للغاصب: أنا سأشتري منك هذا البناء وهذا الغرس، يعطيك قيمته ويكون لصاحب الأرض أيضا، يجوز هذا إذا استلح مع الغاصب على هذا فله ذلك. وله أن يأمره بقلع هذا الغرس والبناء، فهو مخير بين هذه الأمور: أن يأمره بغرس بقلع البناء والغرس، أو يستلح معه على دفع أجرة مدة مقام هذه الأرض معه ويبقي هذا البناء والغرس، أو يشتريه منه بقيمته ويكون لصاحب الأرض. قال: ومن انتقلت إليه العين من الغاصب وهو عالم، فحكمه حكم الغاصب. من انتقلت إليه العين من الغاصب وهو عالم أن هذه العين مغصوبة، تحكمه حكم الغاصب. غصب إنسان جوالا ثم قال لفلان: تفضل خذ هذا الجوال. من أين؟ قال: أخذته على فلان بالقوة، فعرف أن هذا الجوال مغصوب وأخذه من الغاصب، فيكون حكم هذا الذي أخذ هذه العين المغصوبة حكم الغاصب. يعني في الإثم وفي الضمان، حكمه حكم الغاصب في الإثم، هو آثم لأنه عرف أن هذه العين عين مغصوبة لا يجوز أخذها، ومع ذلك أخذها وشاركها في الإثم. وأيضا هو ضامن، هو ضامن إذا حصل لهذه العين شيء من التلف أو كذلك أيضا يضمن أجرتها إذا ردت بعد ذلك. يعني يعامل معاملة الغاصب، يعامل معاملة الغاصب. أما إذا كان لا يعلم، غصب إنسان جوالا ثم قال لفلان من الناس: خذ هذه هدية، هذه هدية مني لك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تهادوا تحابوا». فأخذه وما يدري، ما يدري أن هذا الجوال مغصوب، هذا ليس عليه إثم، ليس عليه إثم. لكن متى ما علم أن هذا الجوال مغصوب، وجب عليه أن يرده إلى صاحبه. طيب إذا أراد الإنسان أن يرد العين المغصوبة إلى صاحبه فوجد صاحبها قد مات، فهنا يعطيها للورثة. إذا لم يعرف ورثته، إذا لم يعرف ورثته، فقال أهل العلم: يعطيها للحاكم إذا أمكن، يسلم لولي الأمر وهو يتصرف فيها. أو يتصدق بها عن صاحبها، يتصدق بهذه العين عن صاحبها. والقاعدة عند أهل العلم أن كل مال جهل صاحبه، فإنه يتصدق به بنية أن يكون الأجر لصاحب هذه العين أو هذا المال. طيب هذا شيء مما يتعلق بباب الغصب، وفرغنا هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.